انهيار العملة اليمنية.. واقع مأساوية ونتائج كارثية للحرب وتعدي الحوثيين

يعيش “الريال اليمني” تراجعًا تاريخيًا غير مسبوق في سعر الصرف أمام العملات الأجنبية، في ظل مخاوف اقتصادية جديّة ومطالب للحكومة بالتدخل الفوري.

توازيًا مع تهاوي سعر العملة، قررت – قبل أيام – جمعية الصرافين اليمنيين في العاصمة المؤقتة عدن إغلاق كافة شركات الصرافة، بهدف الحد من استنزاف ما تبقى من العملات الصعبة في السوق المصرفية.

بيان الجمعية، أشار إلى أن قرار إغلاق شركات الصرافة جاء لتحقيق مصلحة البلد، وفق توجيهات الجهات ذات العلاقة والمختصة، حيث أكدت أن عملية الإغلاق لشركات ومؤسسات القطاع المصرفي ستستمر حتى إشعار آخر.

تطورات أتت بالتوازي مع وقت يأمل فيه اليمنيون أن ينجح الفرقاء السياسيون الموالون للشرعية في الإسراع بإعلان الحكومة الجديدة، والبدء في تنفيذ خطة طارئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاقتصاد، عبر إصلاحات فاعلة.

انهيار غير مسبوق

حدث تراجع جديد في سعر صرف الريال اليمني أمام الدولار الأميركي ووصل الدولار أثناء تعاملات الصرف في السوق السوداء إلى 602 ريال للشراء في مقابل 607 ريالات للبيع، في حين كانت أسعار البنك المركزي 450 ريالا للشراء و451 ريالا للبيع.

في حين بلغ وصل سعر الريال اليمني مقابل السعودي في السوق الموازية 156 للشراء مقابل 158 للبيع، أما البنك المركزي فكان سعر الشراء فيه 119 ريالا مقابل 120 ريالا للبيع.

توجيهات رئاسية

وجّه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الحكومة اليمنية، قبل يومين باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف تراجع الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، ومنع المضاربات التي تضر بالعملة الوطنية.

حيث حثّ الرئيس اليمني، محافظ البنك المركزي والمسؤولين، بـ “العمل الجاد بالإمكانيات المتاحة للحفاظ على استقرار أسواق الصرف ومواجهة المتلاعبين بأسعار الصرف والتنسيق الكامل بين البنك والحكومة” وفق ما ذكرته وكالة الأنباء اليمنية “سبأ”.

وكان البنك المركزي اليمني في عدن، أصدر قرارًا بتجميد حسابات 30 شركة صرافة، بهدف إيقاف الانهيار المتسارع لسعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأخرى في ظل تضارب السياسة النقدية بين الحكومة والمنظومة المصرفية الموازية التي يشكلها الحوثيون.

الوثيقة الصادرة عن قطاع الرقابة على البنوك، أكدت قبل أيام، أنه تم حظر التعامل مع تلك الحسابات والشركات التي شملها التعميم، والذي أهاب في ذات الوقت، بحظر السحب من أرصدة تلك الشركات إلا بعد موافقة مسبقة من البنك المركزي.

مصادر مصرفية يمنية عللت ذلك الإجراء، بعدم قدرة السلطات النقدية في الحكومة اليمنية على ضبط سوق صرف وبيع العملات، في ظل الصراعات السياسية وضعف الأجهزة الأمنية، وتزايد الضغوط الشعبية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، نتيجة الانعكاسات المعيشية المباشرة على حياة اليمنيين، جراء انهيار العملة الوطنية.

كارثة إنسانية

في تعليقهم لـ “الشرق الأوسط” أعلن مصرفيون في عدن ومناطق أخرى غير خاضعة للميليشيات الحوثية أن استمرار انهيار سعر الريال أمام العملات الأخرى ينذر بكارثة إنسانية؛ لا سيما أن هذا الانهيار يرافقه ارتفاع موازٍ لأسعار السلع الأساسية.

مع تفاوت طفيف في الأسعار بين المناطق المحررة، اقترب الدولار الأميركي أمس من كسر حاجز 900 ريال، في حين يتعدى بقليل 600 ريال في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية.

خبراء اقتصاديون أكدوا أن انقسام القطاع المصرفي بين مناطق الشرعية والحوثيين تسبب في تهاوي العملة، لجهة منع الجماعة تداول الطبعات الجديدة من النقود في مناطق سيطرتها وهيمنتها على مقرات المصارف في صنعاء، واستنزافها للعملات الصعبة من مناطق سيطرة الشرعية.

في حين ربط مراقبون بين الحرب الاقتصادية بين الحكومة المعترف بها دوليًا وسلطات الأمر الواقع “ميليشيات الحوثيين” ذراع إيران في صنعاء، وبين نشوء أسواق سوداء للبيع والمتاجرة بالعملة الصعبة التي يحتاجها التجار ورجال الأعمال لاستمرار تشغيل استثماراتهم، واستيراد المواد والسلع من الخارج، في حين تسبب الصراع في ازدواج المؤسسات النقدية، وتضارب الاختصاصات بين صلاحيات البنك المركزي في عدن ونظيره في صنعاء.

وفي أول مؤشرات الانهيار الاقتصادي، عاشت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن على مدى الفترة الماضية، أزمة حادة وطوابير طويلة أمام الأفران، بعد أن أغلقت معظم المخابز أبوابها في وجه المواطنين نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار مادة القمح (الطحين) والغاز المنزلي.

وقال سكان محليون – بحسب إندبندنت عربي- إن معظم المخابز في المدينة الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي، أقفلت أبوابها، فيما شهدت أعداد قليلة من تلك التي ظلت تعمل، زحامًا شديدًا من المواطنين الراغبين في شراء الخبز.

حيث أشار السكان إلى أن أسعار الخبز تضاعفت بنسبة 150 % خلال الأيام الأربعة الماضية، حيث بلغ سعر الخبز (الروتي) الواحد، إلى 50 ريالاً يمنيًا مقابل 20 ريالاً في الأيام السابقة.

أما مدينة تعز، فقد نفّذت مخابز المدينة، قبل أيام، إضراباً عن العمل احتجاجاً على ارتفاع أسعار الدقيق.

حيث يصرّ أصحاب المخابز في المدينة على رفع أسعار الرغيف الواحد من 25 إلى 30 ريالاً، بالتوازي مع شكايات السكان من انخفاض وزن الرغيف على نحو واضح.

المتخصص في المجال الاقتصادي اليمني عبد الواحد العوبلي، قال – بحسب إندبندنت- إن أي احتجاجات أو إغلاق للمخابز والبنوك ومحال الصيرفة لن يحل المشكلة بقدر حاجة البلاد للسيولة الكافية من العملة الأجنبية المتدفقة إلى الداخل لتغطية ما يخرج منها.

أما المعالجات العاجلة المفترض اتخاذها، فأكد بأن اليمن بحاجة ماسة لزيادة إيراداتها من النفط، ليضيف أن ذلك لن يتم إلا من خلال التصدير ورفع الإنتاج واستئناف تصدير الغاز المسال من ميناء بلحاف (أحد الموانئ الرئيسة لتصدير النفط والغاز المسال ويقع في محافظة شبوة) وتعزيز فائدتها من الموانئ والمطارات والمنافذ البرية”.

معاناة متفاقمة

اعتبر الصحافي اليمني، محمد الجنيدي، في حديث مع صحيفة “الـعرب” أن “انهيار العملة المحلية الريال في المناطق المحررة يومًا بعد آخر، هو تعميق لمعاناة السكان المعيشية والاقتصادية في هذه المناطق، خصوصا مع توقف صرف المرتبات للقطاعين الأمني والعسكري”.

ليوضح الصحفي المتواجد في عدن أنه “في مثل هذا الوضع يصبح من الصعب على الأسر التي تعتمد على الرواتب الشهرية، وكذلك الأسر محدودة الدخل، شراء حاجياتها الأساسية من المواد الغذائية وغيرها، لاسيماء وأن من يعيلون أسرهم يعملون في غالبيتهم بالأجر اليومي ودخلهم الثابت لا يرتفع مع انهيار الريال”.

كما لفت الجنيدي إلى أن “الانهيار المستمر في العملة اليمنية، بات أمرًا يؤرق السكان، ويطغى على اهتماماتهم الأخرى، نظرا لانعكاساته المباشرة على حياتهم اليومية، مشيرا إلى أن البنك المركزي اليمني في عدن بات يتحمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية جراء ما يحدث من انهيار كارثي للريال”.

ثم أوضح: “منذ تولي قيادة البنك المركزي الحالية مسؤولة إدارة البنك، شهدنا انهياراً تلو آخر ولم نلمس أي تحسن أو حتى محاولات جادة لتثبيت سعر الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، وفي المقابل نرى أن الريال في مناطق جماعة الحوثي سعره ثابت وهو ما يؤكد أن هناك تلاعبا إما من البنك ذاته أو من الحكومة الشرعية التي لا تهتم إلا بمصالحها وتغرد بعيداً عن هموم وأوجاع المواطن..”.

ليشدد في رؤيته: “نحن نحتاج إلى حكومة كفاءات جديرة بالمسؤولية قريبة من المواطن وليست بعيدة عنه ومشغولة بصراعاتها”.

أما عضو مجلس الشورى عصام شريم، قال على صفحته في تويتر: “لو كانت إعادة إدارة البنك المركزي إلى صنعاء ستوقف تدهور العملة الوطنية وتعيد الريال إلى أجزاء من عافيته، ولو بالحدّ المقبول، فإنني أدعو إلى عودته إلى صنعاء”.

ليطالب شريم الذي يعتبر من أبرز قيادات حزب “المؤتمر الشعبي العام”، الحكومة الشرعية بـ “الإقرار بالعجز والفشل في إدارتها للبنك عبر منظومة الشرعية غير المتسقة أو المتجانسة مع ذاتها حتى”.

ثم اقترح: “أعيدوا البنك إلى صنعاء لتروا من هي الدولة ومن هم الميليشيات… لقد فشلتم وذهبت ريحكم”.

بين الميليشيات والحكومة

أدت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة إلى إعاقة صرف رواتب المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة والدفع بتركيز المضاربة على العملة في العاصمة المؤقتة عدن وخلق أزمة سيولة في المناطق الخاضعة لهم، وإعاقة حرية التجارة ونقل البضائع والنقود بين المناطق وارتفاع الأسعار وانهيار للعملة، بالإضافة لازدهار السوق السوداء، وتدني الوضع الإنساني، والتي هي ببساطة أعراض للإجراءات الحوثية ضد اليمنيين.

كما اعتبر خبراء – بحسب تقرير للعرب – أن التفاوت في سعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية الأخرى بين مناطق سيطرة الشرعية ومناطق سيطرة الحوثي، يعود لاختلاف السياسات النقدية، وتعزيز الحوثيين من إجراءاتهم الرافضة لقرارات البنك المركزي في عدن، ومنعهم التعامل بالطبعات النقدية الجديدة الصادرة عن البنك، إضافة إلى تنفيذهم إجراءات قاسية بحق البنوك والمصارف وشركات الصرافة التي تتعامل مع البنك الرئيسي في عدن.

محللون بحسب ذات التقرير رأوا أن كل ذلك تقوم به الميليشيات الحوثية بهدف تمويل نشاطها، والاستحواذ على الثروة وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني والقطاع التجاري فيه وتركيز السيطرة عليه في يد قيادات تابعه لها، وكذلك من أجل الاستغلال السياسي للأزمات الإنسانية والانهيار الاقتصادي الذي تتسبب به تلك الإجراءات، أمام المجتمع الدولي.

في حين أشار محللون إلى أن البنك المركزي في عدن انتهج سياسة قائمة على العرض والطلب، أما بنك صنعاء انتهج سياسة مغلقة، بحيث يبدو الأمر كما لو أن صنعاء وضعت سعرًا محددًا للعملات الأجنبية غير معلن ولا يمكن تجاوزه من قبل الصرافين والبنوك.

ويرجع الاستقرار الشكلي هذا إلى شحّ السيولة من الريال اليمني في مناطق حكومة صنعاء في مقابل وجود سيولة كبيرة جدًا من الريال اليمني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في عدن.

وكما يبدو أن الحكومة الشرعية أضحت تعيش حالة من التوهان والتخبط، وبدأ مسؤولوها يتبادلون التهم.

حالة الضياع تلك.. دفعت البعض من مسؤولي في الحكومة الشرعية للدعوة إلى إعادة إدارة البنك المركزي اليمني من العاصمة المؤقتة عدن، إلى صنعاء، وذلك بغية إيقاف تدهور العملة الوطنية.. وفق دعوة “الشريم” على تويتر.

الحكومة والداعمين وأهداف الحوثيين

اعتبر الخبير الاقتصادي اليمين “عبد الواحد العوبلي” فيما نقلته الاندبندنت، أن من أولويات الحكومة – في حال تهيئة الظروف المؤاتية لتأدية مهماتها وتوحيد جهود السلطات المسؤولة- إعادة تشغيل مصافي عدن التي عطّل عملها لصالح متنفذين في الحكومة، يتعمّدون الاستمرار في استيراد المشتقات النفطية لصالح شركاتهم الخاصة، وإعادة تشغيل هذه المصافي، حيث أن ذلك سيخفف من تكلفة ما تصرفه الدولة بالعملة الصعبة، التي تغادر البلد لاستيرادها، كما سيعمل على تغطية السوق المحلية في مناطق البلاد كافة.

أما بند المساعدات الإنسانية الذي تشرف عليه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وشركاؤها المحليين، اتّهمها العوبلي، بعدم توريد مبالغها لليمن، مؤكدًا أن المانحين قدّموا إلى البلاد خلال السنوات القليلة الماضية ما يزيد على 28 مليار دولار، استلمت منظمات الأمم المتحدة منها 15 مليار دولار فقط.

ليوضح العوبلي: “لو وصلت هذه المليارات فعليًا إلى اليمن ووُرّدت للبنك المركزي ومن ثم الصرف عبره، لحافظت على قيمة الريال اليمني بحكم توفّر السيولة الكافية من العملة الصعبة، لكن ما يحصل هو أن المنظمات الأممية والدولية تحتفظ بهذه المبالغ في بنوك خارج البلاد، ولا تدخل إليها إلا بعض المساعدات العينية التي يكون بعضها منتهي الصلاحية”.

وعن أسباب ما تشهده العملة اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين استقرارًا ملحوظًا سواء في قيمة الصرف أو أسعار السلع، إذ حافظ سعر الدولار الواحد على مستوى 600 ريال.. على العكس من مناطق الشرعية.. اعتبر العوبلي أن القبضة الأمنية التي يفرضها الحوثيون على شبكات الصيرفة، التي هي في الأساس تابعة لهم، إضافة إلى ضعف الطلب على الدولار، أسهم في بقاء قيمة العملة وإن بشكل مؤقت.. لبيّن أن الحوثيين حافظوا على سعر الـ 600 للدولار ليتسنّى لهم نهب الفارق إلى حساباتهم الخاصة.

ليصل إلى نتيجة أن “هذا الاستقرار وهمي وغير حقيقي لأنه لا ينعكس على أسعار المواد والبضائع التي يستهلكها المواطن”.

استجداء رسمي

في ظل استمرار الانهيار الاقتصادي وتضافر مؤشرات خروج القطاع المصرفي عن السيطرة، سعت الحكومة اليمنية، بالاستنجاد بحشد موارد دولية عاجلة لوقفه.

وفي تصريحات نقلتها الوكالة اليمنية الرسمية “سبأ” لرئيس الوزراء “معين عبد الملك” خلال لقائه المبعوث البريطاني الخاص لمنع المجاعة والشؤون الإنسانية نيك داير، في العاصمة السعودية الرياض.. تناول الطرفان فيها الأولويات الاقتصادية والإنسانية المطلوب دعمها في اليمن، وفق برنامج الحكومة الجديدة المرتقبة وآليات التنسيق والتعاون لحشد الموارد والدعم الدولي لليمن، إضافة إلى تحسين وصول المساعدات الإنسانية.

حيث شدّد رئيس الوزراء على أن “أي انهيار أكثر للاقتصاد اليمني، سيسهم في مضاعفة الكارثة الإنسانية القائمة”.

ووفق عبد الملك، فإن هذا الانهيار غير المسبوق، “يتطلب حشد الموارد الدولية بشكل عاجل لدعم برنامج الحكومة الجديدة في هذا الجانب”.

ليؤكد في ذات التصريح: “الحكومة الجديدة ستركّز فور تشكيلها على وضع حدٍّ لتدهور العملة الوطنية ومواصلة الإصلاحات المالية والاقتصادية والإدارية”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©