“بعد حرب الطعون”.. أزمات جديدة تهدد الانتخابات الليبية

بالرغم من أن موعد الانتخابات الرئاسية الليبية بات وشيكاً، حيث تَقرّرَ إجراؤها في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، أي يوم الذكرى السبعين لاستقلال البلاد، لا زالت الرهانات قائمة بشأن حصولها في الموعد المقرّر أو تأجيلها، فيما تسود مخاوف من عجز مفوّضية الانتخابات عن إتمام الاقتراع في بعض المناطق، خاصة بعد تعرض مراكزها لهجمات من قبل الميليشيات، في حين تزداد وتيرة التشكيل بعمل القضاء، في محاولة لإقحامه في الصراعات السياسية.

وبينما يرى مراقبون أن التصويت، إذا جرى في التاريخ المحدد ووفقًا للقواعد والقوانين الانتخابية الحالية، سيؤدي إلى مزيد من الانقسام وزعزعة الاستقرار، يتحرك البرلمان خوفا من شبح “المربع صفر”، عبر تشكيل لجنة للتواصل مع المفوضية من أجل الوقوف على “العراقيل” و”الصعوبات” التي تواجه سير العملية الانتخابية، فيما يشدد آخرون على ضرورة إجرائها، باعتبارها ليست مجرد التزام سياسي، إنما ضرورة لاستمرار التطورات الإيجابية التي تحققت في ليبيا منذ تشرين الأول 2020، ولتجاوز حالة الشلل والأزمات المتواصلة والصراع الدائم وعملية الانتقال التي طال أمدها.

تحرك برلماني منقوص

خلال جلسته التي عقدها يوم أمس الثلاثاء لمناقشة تطورات العملية الانتخابية، قرر مجلس النواب تشكيل لجنة للتواصل مع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من أجل الوقوف على “العراقيل” و”الصعوبات” التي تواجه سير العملية الانتخابية.

اللجنة الجديدة ستضم ممثلين عن لجان برلمانية مختلفة هي “التشريعية والعدل والدفاع والداخلية” وأيضا لجنة متابعة الأجهزة الرقابية، حسبما قال الناطق باسم المجلس “عبدالله بليحق”.

المحلل السياسي الليبي “عمران عبد المجيد”، يرى أن البرلمان الليبي استشعر أخيرا بالخطر المحيط بالاستحقاق الانتخابي ما دعاه إلى عقد تلك الجلسة دون النصاب القانوني، معتبرا أن خطوة تشكيل لجنة اتصال تؤكد عدم إمكانية إجراء هذه الانتخابات، لأنه “لم يكن لديهم النية لتصل ليبيا إلى انتخابات عادلة ونزيهة”.

ويؤكد “عبد المجيد” أنه لا يتوقع الكثير من هذه اللجنة، لافتًا إلى أن هذه الخطوة تشير إلى عدم وجود الجدية الكافية من قبل هذه المجموعة، ومشددا على ضرورة وجود قاعدة دستورية لإجراء العملية الانتخابية، واصفًا غياب تلك القاعدة بـ”البدعة” في تاريخ العالم.

بالإضافة إلى ذلك، يرى “عبد المجيد” أن هناك العديد من العقبات أمام سير العملية الانتخابية، منها “الانتهاكات” التي تعرضت لها مراكز الاقتراع مؤخرا، واستمرار “أصوات الكراهية”، إضافة إلى الحشد من المجموعات المسلحة والميليشيات في المنطقة الغربية التي لا تريد للانتخابات أن تأتي بنتائج على غير هواها.

يشار إلى أن متظاهرين محسوبين على الميليشيات اقتحموا مقر مفوضية العليا للانتخابات في العاصمة طرابلس، حيث أكد هؤلاء إنهم يريدون نصب خيمة اعتصام في المقر، رفضا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 24 من ديسمبر الجاري.

كل هذا بحسب المحلل السياسي، ينبه إلى عودة الصراع، الأمر الذي لا ترغبه جميع الأطراف الدولية الفاعلة في الشأن الليبي، لكنه خطر قائم، لا يمكن إنكاره وسيعيد البلاد إلى مربع صفر.

يشار إلى أن البرلمان الليبي عقد جلسة ظهر الثلاثاء، لمناقشة آخر تطورات العملية الانتخابية، وسط أنباء عن استدعاء المجلس لرئيس مفوضية الانتخابات، عماد السايح، للمساءلة عن بعض الأمور والمخالفات التي وقعت فيها المفوضية بخصوص قبول ملفات بعض المرشحين.

وطالب عشرات النواب الليبيين بجلسة مساءلة في البرلمان؛ بهدف إنقاذ الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي قالوا إن تطورات سلبية ستؤثر عليها، فيما قال 72 نائبا، في بيان لهم، إن مفوضية الانتخابات سكتت على شبهات تزوير، للتأثير على القضاء، وإنها التفّت على قانون انتخاب الرئيس.

ودعا البيان رئيس المفوضية، عماد السايح، وممثلي المؤسسات الأمنية، للحضور إلى جلسة مساءلة، وحذر من إعلان القوائم النهائية قبل انعقادها.

القضاء في قلب المعركة

التحرك البرلماني جاء بعد الحملة التي شنها سياسيون وناشطون ومرشحون ضد مؤسسة القضاء، على إثر أحكامها الأخيرة بخصوص المرشحين.

يشار إلى أن محاكم طرابلس وسبها كانت أصدرت عدة أحكام تتعلق بالمرشحين لرئاسة البلاد، كان أشهرها الحكم بأحقية رئيس الحكومة الليبي، “عبد الحميد الدبيبة”، في الترشح، ورفض الطعن ضده، وكذلك رفض الطعن المقدم ضد المرشح “خليفة حفتر”، والحكم بعودة “سيف الإسلام القذافي” لقائمة المرشحين النهائية.

ويرى مراقبون أن الحملة التي شنها ناشطون ضد القضاء طرحت الكثير من التساؤلات حول الهدف من هذا التشكيك، وإظهار القضاة كطرف في الأزمة السياسية.

يذكر أن مؤسسة القضاء الليبية تعرضت خلال الأسبوع الأخير لحملة تشكيك واسعة، وصلت إلى حد اتهام بعض وسائل الإعلام، الأحد، القضاة بتلقي رشوة من قبل “الدبيبة” من أجل الحكم لصالحه، ونشر “شيك” يحمل المبلغ الذي حول للقاضي من أحد أقارب الدبيبة من إسطنبول، كما اعتبر آخرون بعض الأحكام الأخرى أنها “مسيسة” بالفعل.

المحامي والناشط الحقوقي، “خلدون السنبولي”، يعتبر أن “القضاء دخل بالفعل دائرة التشكيك في نزاهته نتيجة الخلاف السياسي، مرجحا أن يكون القضاة قد وقعوا تحت تأثير الابتزاز والتهديد لهم ولأسرهم، خاصة في ظل غياب الحصانة والحماية لهم، لذا ربما تكون بعض أحكامهم غير عادلة، مشيرا إلى أن ذلك سيكون مدخلا جديدا للذين يحاولون عرقلة الانتخابات أو الاعتراض على نتائجها إن لم تتماشى مع رغباتهم وأهدافهم.

ويشير المحامي “السنبولي” إلى ان رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة” يواجه سيلاً من الاتهامات، أهمها خرقه للمادة 12 من قانون انتخاب الرئيس، ولشرط الجنسية، والضغط على القضاء والمفوضية لضمان عدم إقصائه من السباق، وشراء الذمم بالاعتماد على سلطته المادية والمعنوية ومن خلال تجييره مقدرات الدولة في تناقض واضح مع التزامه أمام ملتقى الحوار السياسي في تونس وجنيف بعدم الترشح للانتخابات والاكتفاء بإدارة المرحلة الانتقالية حتى موعد تسليم الحكم لمن يقع عليه اختيار الشعب”.

كل ذلك بحسب “السنبولي”، يؤكد أن “محاولات سلك القضاء الابتعاد عن الجدل السياسي، باءت بالفشل، حيث وقع في قلب رحى السياسة، وتمارس عليه ضغوط لاستصدار أحكام تتماشى مع بعض التوجهات، بدليل منح “الدبيبة” أحقية الترشح للانتخابات، بالإضافة التناقض والتخبط في إصدار الأحكام، وكذلك التشظي الواضح”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.