بعد خسارة حلفاء طهران.. هل بدأ الانحسار الإيراني في العراق؟

في الوقت الذي ترفض فيه الفصائل الشيعية المرتبطة بإيران، نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية المبكرة، وتعتبرها “مفبركة”، يرى متابعون أن حلفاء إيران رغم حصولهم على مقاعد غير كافية للسيطرة على البرلمان، بإمكانهم إيجاد تحالفات تمكنهم من وضعِ يدهم على الحكومة الجديدة.

“الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية” التي تضم فصائل مرتبطة بإيران بينها “عصائب أهل الحق” و”حزب الله” العراقي، و”حركة النجباء” قالت في بيان لها: “على ضوء ما حصل من تطورات خطيرة تمثلت بالتلاعب في نتائج الانتخابات، وظهور الأدلة المتظافرة بفبركتها، يوضح بجلاء فشل وعدم أهلية عمل مفوضية الانتخابات الحالية، وبطلان ما تم إصداره من نتائج”، مهددة بعدم التهاون مع “المشاريع الخبيثة التي تسعى إلى دمج أو الغاء الحشد الشعبي”.

تراشق واتهامات..

وعقدت الانتخابات العراقية يومي “الجمعة لقوات الأمن، والأحد للمدنيين”، قبل عام من موعدها المقرر بعد احتجاجات واسعة شهدها العراق، بدءا من مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2019 واستمرت لأكثر من سنة، وأطاحت بالحكومة السابقة، بقيادة عادل عبد المهدي، أواخر العام 2019.

كما شاركت الفصائل المسلحة في الانتخابات ضمن تحالف “الفتح” بزعامة “هادي العامري”، إلا أنها فازت بـ14 مقعدا فقط، وفق النتائج، بعد أن حل في المرتبة الثانية برصيد 48 مقعدا في الانتخابات السابقة العام 2018.

وتصدرت “الكتلة الصدرية” النتائج بـ73 مقعدا من أصل 329، فيما حصلت كتلة “تقدم”، بزعامة رئيس البرلمان المنحل محمد الحلبوسي (سُني)، على 38، وفي المرتبة الثالثة حلت كتلة “دولة القانون”، بزعامة رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي (2006-2014)، بـ37 مقعدا.

بدورها أكدت مصادر مقربة من الأوساط سياسية عراقية لوسائل الاعلام أن “ما يجري من تراشق بالتهم بين مكونات سياسية موالية لإيران راجع إلى أن مجموعات ووجوه بعينها خسرت في رهان الصعود إلى البرلمان وتحقيق منافع خاصة، لكن ذلك لا يخفي أن إيران قد نجحت في تنويع أعداد القوائم الموالية لها بالشكل الذي يتيح لها الآن بناء التحالفات البرلمانية والحكومية بسهولة، وهو ما من شأنه أن يحافظ على نفوذها الاستراتيجي في العراق”.

ولفتت المصادر إلى أن “تراجع النتائج لدى بعض المكونات السياسية يفسر بضعف أدائها خلال السنوات الماضية، أو ببنائها تحالفات غير متناسقة وتغليب المصالح الشخصية لقادتها على حساب مصالح الحلفاء الآخرين”.

إلى جانب ذلك، ذكر مصدر دبلوماسي غربي أمس الثلاثاء، أن “زيارة قائد ميليشيا فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى العراق، تأتي لمتابعة إعلان النتائج الأولية للانتخابات ولتنظيم صفوف الميليشيات التابعة لبلاده”، مشدد على أن “قاآني يبحث عن طريقة لإبقاء حلفاء طهران في السلطة وذلك بالاجتماع مع ميليشيات موالية لإيران”.

ورغم تأكيد مصادر عديدة وجود “قآاني” في العراق، نفت طهران ما أشيع بأن “يكون القيادي في الحرس الثوري قد زار العراق مؤخرا”، وكتب السفير الإيراني في بغداد “ايرج مسجدي” عبر “تويتر”، قائلا: “إن “العميد قآني لم تكن له زيارة إلى بغداد والعراق أخيرا وأن القضية المطروحة من قبل بعض وسائل الأعلام وفي الفضاء الافتراضي لا صحة لها وهي كاذبة”.

تحالف ميليشيات..

في المقابل، يقول الباحث “حذيفة المشهداني” لـ”مرصد مينا” أن “المكون الشيعي مشتت ولديه عدد من التحالفات السياسية، وهي ليست قوة نتيجة التصدعات وتحالف الفتح بقيادة الميليشيات المدعوم من إيران يطمح إلى إيجاد تحالفات جديدة بعد خساراته الكبيرة في الانتخابات، رغم أنه كان القوة الثانية في البرلمان المنتهية ولايته”.

وقال رئيس تحالف الفتح “هادي العامري” “لا نقبل بهذه النتائج المفبركة مهما كان الثمن وسندافع عن أصوات مرشحينا وناخبينا بكل قوة”.

يشار إلى أن “العامري” الذي يرأس منظمة بدر التي تأسست في إيران إبان الحرب العراقية – الإيرانية وقاتلت مع القوات الإيرانية ضد الجيش العراقي، يقود تحالف “الفتح” الذي يجمع غالبية الميليشيات الشيعية التي تشكل الحشد الشعبي، وخصوصا الولائية منها للمرشد الإيراني علي خامنئي.

ويبقى هذا التيار لاعبا لا يمكن الالتفاف عليه في المشهد السياسي العراقي؛ ففي بلد يطبع الانقسام السياسي الحاد المشهد فيه، لا تقتصر اللعبة على أروقة البرلمان، بل يكون للميليشيات المسلحة دور مؤثر في التوصل إلى تحالفات أو التراجع عنها، فضلا عن الأخذ في الاعتبار مصالح التحالف الذي يمتلك ميليشيات حتى وإن كان تمثيله البرلماني محدودا جدا.

إلى جانب ذلك، يرى الباحث “المشهداني” أن “بعض الأحزاب السياسية الشيعة ذات طبيعة أيديولوجية منذ العام 2005هي أداة تابعة لطهران، وتحولت مع الوقت إلى مافيات حزبية تسيطر عليها الميليشيات وتعمل في الوقت الحالي بأشراف الحرس الثوري الإيراني، والتغيرات المعلنة لا تغير من تحالفات القوى السياسية التقليدية من أجل ضمان حصصها من غنيمة السلطة”، موضحاً أن “نتائج التيار الصدري ستمنحه الأولوية في اقتراح اسم رئيس الحكومة، والحصول على نسبة كبيرة من الحقائب الوزارية، وهو مدعوم من إيران التي ستعمل لتجديد آليات سيطرتها على العراق”.

ويعمل الخاسرون من الوجوه التقليدية الحليفة لإيران على بناء تحالف جديد يجمع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي (أمين عصائب أهل الحق)، ضمن سباق محموم لكسب ثقة إيران والحصول على دعمها في توزيع الحقائب في الحكومة المرتقبة.

الصدر وايران..

لا شك أن نتائج التيار الصدري ستمنحه الأولوية في اقتراح اسم رئيس الحكومة، اذ يقدم نفسه للمحيط الإقليمي والدولي بوصفه لاعبا سياسيا معتدلا لإنقاذ العراق من الميليشيات المدعومة من إيران ومحاربا لقوى الفساد التي تخترق المؤسسات العراقي.

وكشف تقارير غربية أن “رجل الدين الراديكالي لن يكتفي بأن يكون صانع ملوك في العراق بعد انتخابات 2021، وإنما سيكون موضع قبول من قبل القوى الغربية الأميركية والبريطانية، باعتباره معادلا مفضلا على الميليشيات الولائية التي تديرها طهران في العراق”.

كما ذكر “دوغلاس سليمان” السفير الأميركي السابق لدى العراق ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن أنه “وجدنا أن الصدر واحد من المكابح الرئيسية للتوسع الإيراني والنفوذ السياسي الشيعي الموغل في الطائفية بالعراق بعد انتخابات 2018”.

وأكد متابعون للشأن العراقي، أن “علاقة الصدر المضطربة مع إيران، تعبر عن شخصيته، فهو مثلا لا يقلد وفق المفاهيم الشيعية مرجعية آية الله علي السيستاني، وإنما يعود في كل الاستشارات السياسية والدينية إلى رجل الدين كاظم الحائري الموجود في إيران”، لافتين إلى أنه “عندما يعبر عن انزعاجه يتوجه إلى قم أو طهران، وفي أوج الحديث الذي دار عن خلاف الصدر مع إيران ظهر في مجلس عزاء أداره المرشد الأعلى علي خامنئي، متوسطا الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني وزعيم فيلق القدس المقتول قاسم سليماني”.

“الصدر” يتقاسم مع الإيرانيين أهدافا متشابهة منذ عام 2003، بينما تبدو الخلافات أقل من أن تخل بـ”وحدة الطائفة الشيعية” وفق وصايا خامنئي للعراقيين. فالصدر في النهاية لا يستطيع تحمّل استعداء إيران كما يزعم بعض أنصاره.

وينظر إلى التيار الصدري بشكل أو بآخر على أنه المعادل الموضوعي الأهم لقوى الدولة، وعلاقته الإشكالية بإيران وضعته في موقف اللاحرب واللاسلم مع إيران، وهو موقف قابل للتغيير في أي لحظة، ولن يبتعد كثيراً عن البيت الإيراني الذي لن يترك فرصة لأي قوة بالسيطرة على العراق.

بعد انتهت التكهنات بشأن نتائج الانتخابات التشريعية العراقية والخلافات بشأنها، ينتظر العراقيون شكل الحكومة الجديدة والتحالفات التي يرسمها التيار الصدري لتشكيل الحكومة وانتظار وعود زعيم التيار مقتدى الصدر.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.