بعد عقد من الثورة.. درعا تشهد على صراع بين النفوذين الروسي والإيراني

برز اسم مدينة درعا جنوب سوريا، بشكل كبير بعد عام 2011، حيث ارتبط اسمها بالثورة على النظام السوري، والتي صنفت لفترة طويلة على أنها ثورة مستحيلة، بسبب القبضة الأمنية الحديدية، التي كان النظام السوري يحكم بها البلاد طيلة 41 عاماً.

اليوم يظهر اسم درعا من جديد، ولكن كشاهد على قضية مختلفة، مرتبطة بحسب ما يقوله المحلل السياسي، “محمد الحاج علي”، بصراع النفوذ بين إيران وروسيا في سوريا، خاصةً وأن الجزء الأكبر من تلك الخلافات تحصل في المدينة الجنوبية، البعيدة بضعة عشرات من الكيلو مترات عن حدود الجولان السوري المحتل.

حرب الوكلاء

أبرز ما ميز مدينة درعا عن غيرها من المدن السورية، التي دخلها النظام خلال السنوات الماضية، هي حالة المواجهات العسكرية بين قطع ووحدات عسكرية تابعة للنظام، وفقاً لما يؤكده المحلل “الحاج علي”، موضحاً أن المدينة تشهد حالة حرب حقيقة بين وحدات النظام المدعومة من روسيا ونظيراتها المدعومة من إيران، وأن تلك المواجهات شملت كافة أنواع المعارك العسكرية من حالات الاقتتال والاغتيال وحتى الاعتقال.

تعليقاً على ما قاله “الحاج علي”، يؤكد مصدر أمني في النظام السوري، أن المدينة شهدت فجر الأحد، هجوماً مسلحاً نفذته مجموعة مدعومة من روسيا ضد وحدات تابعة للفرقة الرابعة، المدعومة إيرانياً، والتي تضم قوات النخبة في سوريا، بقيادة اللواء “ماهر الأسد” شقيق رأس النظام السوري.

في السياق ذاته، يشير المصدر إلى أن الأسبوع الماضي شهد تصاعداً في معدل عمليات الاغتيال، التي طالت منتسبي الفرقة الرابعة والمتعاونين معها، لافتاً إلى أنه تم تسجيل مقتل 3 أفراد من مرتبات الفرقة في درعا خلال يومين فقط.

يشار إلى أن مدينة درعا شهدت خلال الشهر الماضي، 35 محاولة اغتيال لعسكريين، في مناطق مختلفة من المدينة.

تحالف الأعداء الذي لا يستمر

الصدامات وحالات الاغتيال ومساعي فرض الهيمنة، تفرض بحسب الباحث في العلاقات الروسية – الإيرانية، “عصام المالح”، ضرورة الانتباه إلى أن التحالف بين إيران وروسيا في سوريا هو تحالف آني جمع بين عدوين تاريخيين، لافتاً إلى أن مصلحة الطرفين ببقاء “بشار الأسد” خلال فترة معينة من الثورة السورية، كانت العامل الأساسي في تحالفهما.

كما يبين “المالح” أن الانتشار الروسي العسكري ونقل الملف السوري إلى الكريملين، شكل نقطة تحول كبيرة في شكل التحالف بين طهران وموسكو وأعاد إليه أحقاد الماضي والخلافات التاريخية، بين نظام شيوعي ونظام ديني متشدد، قام أصلاً للحد من تمدد الأول في المنطقة، على حد قول “المالح”.

يذكر أن روسيا وإيران تجمعهما علاقات توتر كبيرة جداً، لا سيما بعد دعم الاتحاد السوفياتي للعراق خلال حرب الخليج الأولى، رداً على دعم النظام الإيراني في عهد “علي خميني” لبعض الحركات الإسلامية المعارضة للشيوعيين، بالإضافة إلى أن التاريخ الحديث شهد الكثير من الحروب الإيرانية – الروسية، في منطقة آسيا الوسطى.

بالعودة إلى القضية السورية، يوضح “المالح” أن موازين السياسة الآن تغيرت في سوريا، وباتت إيران تمثل عبئاً على روسيا، التي تتعارض مصالحها مع مصالح إيران في المنطقة عموماً، خاصةً وأن مشروع إيران يقوم على أسس دينية مبدأها نشر التشيع، في حين روسيا تتبنى مشروح الاتحاد السوفياتي الشيوعي، وتنظر إلى الحركات الإسلامية كعدو أول لها.

في السياق ذاته، يؤكد “المالح” أن روسيا وبعيداً عن تعارض مصالحها مع طهران، تتعرض للكثير من الضغوط لإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، لا سيما وأن ذلك كن شرطاً إسرائيلياً ودولياً لدخول الجيش الروسي على خط المواجهات في سوريا.

لماذا درعا

حالة التباين في المصالح عموماً بين إيران وروسيا على كامل التراب السوري، تطرح تساؤلاً عن سبب تركز الصراع بينهما في مدينة درعا بشكل خاص، وهو ما يجيب عليه المحلل السياسي، “الحاج علي”، بأن درعا تمثل مركزا هاماً بالنسبة للنفوذ الإيراني والميليشيات التي تدير بفلكه، سواء من الناحية الاقتصادية والجيوسياسية.

ويوضح “الحاج علي”: “درعا مهمة لإيران للحفاظ على وجود طريق يصل بين مناطق نفوذها المموتدة من جنوب لبنان إلى جنوب سوريا إلى جنوب العراق وصولاً إلى طهران، كما أنها مثلت مركزاً لحملات التشيع في سوريا، لا سيما في مدينة بصرى الشام، بالإضافة إلى قربها من حدود الجولان السوري المحتل، ما يساعدها على خلق المزيد من الضغط فيما يتعلق بأمن إسرائيل”.

في جانبٍ آخر، يشير “الحاج علي” إلى أن درعا حالياً تمثل مركز عمليات تهريب الحشيش والمخدرات، التي تتولاها ميليشيات حزب الله، والتي تعتبر درعا بوابة التهريب إلى الأردن ومناطق الخليج، لافتاً إلى أن أهمية درعا بالنسبة لإيران هي من جعلتها مركز تنافس بين الدولتين.

يشار إلى أن اللواء الثامن في قوات النظام أعلن الأسبوع الماضي، عن ضبطه كمية كبيرة من المخدرات، أثناء محاولة تهريبيها إلى الأردن، فيما أعلن حرس الحدود الأردني خلال السنوات الماضية، عن إحباطه العديد من عمليات تهريب المخدرات عبر الأراضي السورية، وسط اتهامات لحزب الله بالوقوف وراءها.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©