بين إرضاء الجماهير ومحاولات الإصلاح .. لجان تحقيق وإجراءات عراقية حكومية

شكلت انتفاضة الشعب العراقي في شهر أكتوبر تشرين الأول نقطة فاصلة في كواليس المشهد السياسي في العراق بعد أن تسبب غضب الشعب بإزاحة حكومة – أقل توصيف لها الطائفية – وأبرز اتهام يمسها الفساد، في بلد باتت تسيطر عليه الحزبية الطائفية وتيارات إسلامية مرتبطة بميليشيات عسكرية شيعية مرتبطة بإيران وتدين بولاية الفقيه، حيث جعلت مصالح إيران ثم مصالحها الشخصية مقدمة على مصلحة العراق والعراقيين منذ الاحتلال الأمريكي لبغداد عام 2003 وإزاحة نظام صدام حسين.

ويعيش العراقيون واقعًا مأساويًا منذ ذلك التاريخ تمثل في عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وتفشي الظواهر المسلحة وسطوة الميليشيات والجماعات التي مزقت النسيج المجتمعي العراقي الذي يعاني أصلًا ..

وجاءت فترة ثورات الربيع العربي وما تلاها من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على مساحات واسعة في محافظات الشمال والوسط ليمنح مزيدًا من التغول والسيطرة للميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران، فازداد نفوذها وتغلغلها في مفاصل الدولة عسكريًا ثم سياسيًا في ظل مكتسبات عظيمة من النفوذ والثراء والسلطة..

تقاطعات تبرز دفاع تلك الميليشيات عن مكتسباتها بحق انتفاضة الجماهير المطالبة بأبسط حقوقها من القضاء على الفساد وتحسين شروط الحياة ورفع مستوى الازدهار والأمن، لكن للتيارات المنتفعة بالوضع القائم رأي آخر دفعها للتصدي بالقوة لتلك المظاهرات ومحاولة ترهيب الناس بالسلاح لثنيهم عن مطالبهم.

ومنذ شهر أكتوبر تشرين الأول عام 2019، عاش العراق على موجات احتجاج رافضة للطبقة الحاكمة التي اعتبرها آلاف المتظاهرين “فاسدة”.. كان من نتائجها استقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، لتدخل الحكومة في متاهات اختيار شخصية بديلة حتى حلّ مكانه في شهر مايو/ أيار الماضي مصطفى الكاظمي، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات.

حيث تعتبر احتجاجات أكتوبر 2019، أكبر تجمع عراقي منذ عام 2003، لمواجهة الفساد المالي والإداري وسوء الإدارة والمحاصصة السياسية في المناصب، والذي بنيت عليه العملية السياسية في البلاد.

قتلى وجرحى

أعلنت الحكومة العراقية في شهر يوليو تموز الماضي أن قرابة 560 من المتظاهرين وعناصر الأمن قتلوا في المظاهرات والاضطرابات المناهضة للسلطات.. ما تسبب بأزمة جديدة أمام الحكومة ورفع سقف الجماهير الغاضبة للمطالبة بمحاسبة القتلى والمسؤولين.

الكاظمي بدوره تعهد بالتحقيق في مقتل وسجن مئات المتظاهرين، لكن لم يتم تقديم الجناة للعدالة بعد.

وبينما يتهم المتظاهرون قوات مكافحة الشغب وحفظ النظام، بالأضافة لعناصر فصائل شيعية مسلحة، بالوقوف وراء قتل المتظاهرين والناشطين في المدن العراقية، مع سكوت مقصود وعدم محاسبة الجناة.. شكّل الكاظمي – في ذكرى الانتفاضة الشعبية – لجنة تحقيق رسمية في تلك الجرائم، بشكل طرح سؤالًا عن جديّة الكاظمي وعما إذا اقترب موعد المحاسبة للمجرمين وقاتلي المتظاهرين؟

حساسية عالية

أظهرت تصريحات المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، أن فتح التحقيقات في مثل تلك القضايا، ليس مسألة سهلة، بل تمثل “مسألة حساسة” بالنسبة لجميع القوى السياسية

ومع اقتراب موعد الذكرى السنوية لما تعرف انتفاضة أكتوبر تشرين الأول العراقية، أصدر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أمرًا ديوانيًا بتشكيل لجنة تقصي حقائق “عليا” تستهدف أحداث العنف التي رافقت الاحتجاجات منذ انطلاقها مطلع أكتوبر 2019.

ويشير نص القرار الحكومي، إلى ارتباط اللجنة بمكتب رئيس الوزراء، حيث تتألف من قضاة متقاعدين وخبراء قانونيين (لم تعلن أسماؤهم بعد) لكن الملفت للنظر هو ما حملته صلاحيات اللجنة من إمكانية الاستعانة بخبراء دوليين ومحليين لإنجاز أعمالها.

إن حساسية التحقيق لا تتعلق بالكاظمي والحكومة وحدها، بل تمس جميع القوى السياسية التي لا تحبذ فكرة التحقيق (حتى غير المتورطة بالأحداث والجرائم الأخيرة)..

ويرى أستاذ العلوم السياسية، إياد العنبر، وفق ما نقلته “إندبندنت العربية” أن أي إدانة للقائد العام السابق للقوات المسلحة رئيس الحكومة السابق عادل عبدالمهدي، أو أي قيادات أمنية وسياسية رفيعة في هذا الملف، يعتبر “باكورة فتح ملفات أخرى بالغة الحساسية، تهدد وجود القوى السياسية، ومن بينها ملف سقوط الموصل وحوادث أخرى، فضلاً عن ملفات فساد”، ليؤكد العنبر أن “المنظومة السياسية ستمثل العائق الأكبر أمام اللجنة”.

مماطلة وتضييع الوقت

يعتبر المختص “العنبر” أن أغلب اللجان المكونة تمثل أبوابًا لتسويات سياسية، لكن المعضلة الفعلية – برأيه – والتي تواجه اللجنة وقد تمنعها من التوصل لنتائج حقيقية؛ هو “رهان حكومة الكاظمي المستمر على الوقت، واتخاذها استراتيجية الهرب إلى الأمام في مقابل أي أزمة”.

ليشير الأستاذ الجامعي إلى أن “جميع قرارات الحكومة وإصلاحاتها تشير بشكل مباشر إلى احتياجها إلى وقت طويل، ابتداء من ورقة الإصلاحات الاقتصادية، ومرورًا بتحديد موعد اعتباطي للانتخابات، وليس انتهاء بهذه اللجنة”.

كما أكد في تصريحاته أن “الكاظمي يحاول أن يروج لمنجز من خلال تشكيل اللجنة فقط، وليس خروجها بنتائج”، موضحًا أن “حسم هذا الملف يتطلب وقتاً طويلاً، وسيلقى على عاتق الحكومة المقبلة التي قد لا تضعه ضمن أولوياتها”.

“كل تلك العوامل لا تعطي انطباعًا إيجابيًا في شأن اللجنة، إذ كان على الحكومة تشكيل محكمة جنائية خاصة بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى تتابع تلك الملفات، وما عدا ذلك فستكون كبقية اللجان السابقة” بحسب تصريحات العنبر.

تبرير ورسائل

تبدو مخاوف الكاظمي واضحة في تصريحاته حول أسباب وأهداف اللجنة في رسائل مزدوجة للشعب الغاضب وللقوى السياسية الفاعلة، حيث صرّح الكاظمي أن “تشكيل اللجنة يمثل إعادة لولادة قيم الدولة الساعية إلى العدل والإنصاف، والتي تتعامل بمسؤولية مع حقوق شعبها”..

كما أن تشكيلها “لا يهدف إلى الثأر أو الانتقام، بقدر ما يمثل موقفًا مسؤولًا من الدولة أمام دماء شعبها، وأن من تورط بدم العراقيين لا بد أن يمثل للعدالة، ولا كبير أمام القانون، وعلى المستهترين بأرواح العراقيين أن يتقوا غضبة الحليم إذا غضب”.

ليلفت رئيس الحكومة الأنظار إلى أنه حمل أمانة المسؤولية، المتمثلة بـ “حفظ العراق وسلامته ووحدته”، وأن “من يتعرض لسمعة العراق وعلاقاته الدولية فعليه أن يراجع نفسه، فالثقة بالأجهزة الأمنية استعادة دورها بحسب الاختصاص القانوني، وسنلاحق كل متجاوز على أمن العراق”. (تغزلٌ بالقوى الأمنية نفسها)

ثم أشار الكاظمي إلى أن “الحكومة طبقت أغلب مفردات منهاجها الوزاري خلال خمسة أشهر فقط، واليوم نطلق لجنة تقصي الحقائق كجزء من هذا المنهاج”.

أدلة لخطوات مستقبلية

يرى البعض من الباحثين أن خطوات الكاظمي تحمل أبعادًا أعمق رغم حديث التسويات المتكرر إزاء أية لجنة حكومية للتحقيقات، حيث أرجعوا خطوات “الكاظمي” البطيئة والمتأنية إلى رغبة لديه في تفكيك منظومة الفصائل المسلحة والجهات السياسية الداعمة لها، وجمع ما يكفي من “أدلة الإدانة” قبل الشروع في مواجهة مباشرة.

“منقذ داغر” رئيس المجموعة المستقلة للأبحاث، استبعد بحسب ذات الصحيفة، أن تمثل اللجنة “بوابة تسوية لمصالح سياسية”، ليؤكد أن “استراتيجية الكاظمي في المرحلة الحالية تستند إلى جمع الأدلة وتأجيل الصدام مع تلك الأطراف، لحين ترميم أدواته السياسية والعسكرية”.

لكن المرحلة الحالية تحتم على اللجنة – وفق داغر – أن يكون سياق عمل اللجنة مماثلًا لـ “اللجان السابقة من حيث عدم استهدافها لشخصيات وازنة، سواء كانت سياسية أم تنتمي لمنظومة الجماعات المسلحة”، فما يمنع ذلك برأيه هو “عدم ضمان نتائج المواجهة مع تلك الأطراف في المرحلة الحالية”.

حيث أن “الكاظمي يحاول في الوقت الراهن جمع أكبر قدر ممكن من الأدلة، والعمل على نزع الشرعية من الجماعات المسلحة وداعميها السياسيين”. (تأليب الجماهير وإسقاط شرعية ودعم تلك التيارات)

ليلفت داغر إلى أن الكاظمي، نجح إلى حد ما في “نزع القوة الناعمة للجماعات المسلحة، وكسر شرعيتها على المستوى السياسي والشعبي”، يشير إلى أن “تلك الاستراتيجية تمثل نقطة انطلاق في المواجهة الحتمية مع الجماعات المتورطة في قتل العراقيين”.

وتتمثل خطط الكاظمي في العمل على تمكين الدولة والحصول على تأييد شعبي، وتبين الإحصاءات نسبة تأييد غير مسبوقة ومتنوعة الأطياف شعبيًا لرئيس الوزراء، “الأمر الذي سيمكنه من بناء تحالف سياسي قوي”.

تمنع تكرار الجرائم

علل مراقبون أن لجنة التحقيق الحكومية قد لا تطيح بمتورطين كبار، في أي من قضايا الفساد أو القتل؛ لكنها سترفع المخاوف داخل الأجهزة الأمنية، بشكل يمنع القيادات الأمنية من القيام بأية انتهاكات مستقبلية

من جهة أخرى، اعتبر البعض أن توقيت الأمر الديواني الذي تزامن مع ذكرى الموجة الثانية للانتفاضة العراقية، أعطى انطباعًا بكونها محاولة “تسوية مع الجمهور الغاضب”..

الصحافي العراقي أحمد حسين، وبحسب إندبندنت عربي، قال إن “تلك الخطوة تأتي ضمن خطوات عدة انتهجها الكاظمي خلال الفترة الماضية، تصب في إطار الترويج الانتخابي المبكر”.

أما النقطة التي تجعل من اللجنة غير مقنعة لناشطي الانتفاضة، وفق حسين، هو “فشل سابقاتها في الإطاحة بشخصيات سياسية وازنة”، ليوضح أنها ستكون امتدادًا لـ “لجان التحقيق السابقة” في قضايا أخرى كمكافحة الفساد، من جهة استهدافها “شخصيات وسطية”.

للجماهير رأيها

منجد السعدي، أحد منسقي احتجاجات أكتوبر تشرين أول في بغداد، يصرّح لوكالة الأناضول، أن “قوات مكافحة الشغب ومسلحين تابعين للأحزاب والفصائل المسلحة، هاجمت المتظاهرين بعنف بعد الفشل في احتواء الاحتجاجات الشعبية، بمعرفة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي”.

ليؤكد السعدي: “عبد المهدي يتحمل وفقا للقانون مسؤولية مقتل المتظاهرين خلال فترة حكمه.. الاحتجاجات استمرت لأن المتظاهرين ليس وا طيفًا واحدا، فهم من السنة والشيعة وأغلبهم من الطبقة المثقفة”.

أما المحلل السياسي العراقي، ماهر جودة، فاعتبر في تصريح لوكالة الأناضول أن “الاحتجاجات الشعبية أربكت الكتل السياسية، وأجبرتها للموافقة على تشكيل حكومة جديدة برئاسة الكاظمي، الذي قاد عملية إصلاح سريعة في مختلف المجالات”.

ليبين جودة، أن “السياسيين باتوا يخشون التظاهرات، كما أن أي قانون أو قرار يناقش في البرلمان العراقي ويخالف توجهات المتظاهرين يتم رفضه على الفور”.

بذلك يبدو أنه – وفي إطار ناشطي الانتفاضة – أي تحقيقات لن تقنع الجماهير بدون توجيه اتهامات صريحة بقتل المحتجين إلى رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

الناشط علي رياض، في تصريحات إعلامية يقول إن “الجهات الرئيسة المتورطة بقتل المحتجين واضحة، ابتداء من رئيس الوزراء السابق وقواته الأمنية، مرورًا بالقناص الذي قتل 38 متظاهرًا في وضح النهار بتواطؤ حكومي واضح، فضلاً عن فصائل مسلحة بعضها أعلن بشكل صريح مسؤوليته عن قتل المتظاهرين”.

ليضيف الناشط: “نحن إزاء قضية إعدام تشارك فيها سياسيون وقادة عسكريون بقصد واضح، كما وثقت كاميرات المحتجين في فترة الانتفاضة”.

معتبرًا أن “أية لجنة لا توجه اتهامات مباشرة لشخصيات وازنة ابتداء من عبد المهدي، فلن تكون مقنعة للمحتجين”، ليؤكد أنه “لا يمكننا السماح بوضع دماء المحتجين على طاولة مفاوضات سياسية”.

كما لفت رياض، إلى أن “أية نتائج مغايرة لطموح المحتجين بالقصاص الكامل من جميع المتورطين، ستؤدي إلى ثورة أكبر بكثير من السابقة”، معللًا أن “المحتجين لن يسمحوا بأن تكون اللجنة بوابة براءة للمتورطين الكبار في دماء العراقيين”.

ليستشهد الناشط الجماهيري، بأن تقرير لمنظمة العفو الدولية مطلع 2020، “مثّل خريطة حية تظهر تعمد عناصر مكافحة الشغب إعدام المتظاهرين، من خلال خلق خط وهمي في ساحات الاحتجاج لا يمكن تجاوزه”.

القضاء بديل للحكومة

لم تحقق تعهدات الحكومة وتوعد الكاظمي أي نتائج فعلية بملاحقة المتورطين في قتل مئات المحتجين أو تقديمهم للعدالة.. فالفاعلون ما يزالون مجهولين.

من وجهة نظر عضو مفوضية حقوق الإنسان الرسمية في العراق، علي البياتي، وبحسب ما قاله للأناضول فإن النقيصة تتمثل بعدم تقديم الجناة للقضاء رغم مرور عام على الاحتجاجات.

حيث يطالب “البياتي” إلى تسلّم القضاء ملف قتل المتظاهرين من الحكومة، قائلًا: “من الصعب أن تتولى الحكومة التحقيق في مقتل المتظاهرين وهي بالأساس متورطة في هذه الأحداث”.

أما علي الحسني، عضو اللجنة المنسقة لاحتجاجات أكتوبر في بغداد، فأكد لوكالة الأناضول، أن التظاهرات لن تتوقف أو تتراجع حتى يتم تحقيق كافة المطالب الشعبية، أبرزها إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، وتقديم قتلة المتظاهرين إلى العدالة، وإعلان محاكمة الفاسدين.

لكن تبقى مخاوف الحراك الشعبي من عمليات تزوير تحدث بالتوازي مع إجراء الانتخابات، حيث قد تمكن الأحزاب الفاسدة مرة أخرى من السيطرة على روافد صناعة القرار السياسي بالعراق.

يذكر أنّ الكاظمي سبق أن حدد موعد إجراء الانتخابات البرلمانية، في يونيو/ حزيران 2021، وأطلق مطالبات للبرلمان بإقرار تعديلات على قانون الانتخابات.

وحاليًا يستفيد الكاظمي من خفوت الاحتجاجات الشعبية في المدن العراقية على وقع تفشي فيروس كورونا في البلاد قبل شهور.. مع رغبات تبدو جدية لدى المتظاهرين والجماهير الغاضبة إلى منح الكاظمي فرصة لتحقيق المطالب، بحسب متابعين.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©