بين الاحتكار والتهريب.. “أزمة الدواء” تنذر بـ”كارثة صحية” في لبنان

بعد الإنذار الأخير الذي أطلقه الاتحاد العمالي العام في لبنان، والتحذيرات من “الانفجار الكبير”، دخل القطاع الصحي في أزمة غير مسبوقة تنذر بـ”كارثة صحية” تهدد أمن المواطنين الصحي نتيجة انهيار سعر صرف الليرة، الأمر الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من الأدوية والمستلزمات الطبية.

مماطلة الجهات الرسمية في اعتماد حلول بديلة عن آلية الدعم الحالية، وتقاعسها عن رسم خريطة واضحة لسوق الأدوية، أدى إلى استفحل أزمة الدواء وتراجع كبير في مخزون “البنج المخدر” الذي دفع عدداً كبيراً من المستشفيات إلى تأجيل العمليات، وحصرها بالحالات “الطارئة والمستعجلة”.

بين الصحة والمصارف..

وأكد نقيب المستشفيات الخاصة في لبنان “سليمان هارون” أن “هناك شبه انقطاع لأدوية البنج، لا غاز البنج الذي يُصنع في لبنان”. موضحاً أنه “بعد مراجعة الوكيل الذي يستورد هذه الأدوية تبين أنه ينتظر الحصول على موافقة مسبقة من (مصرف لبنان) لإنجاز عملية الاستيراد على أساس السعر المدعوم وليس سعر السوق”.

“هارون” لفت إلى أن “مخزون المستشفيات من البنج يكفيها عادة شهراً أو شهراً ونصف الشهر، لذلك ومع اقتراب هذا المخزون من النفاد، قمنا بتأجيل العمليات الطارئة، علماً بأن عملية استيراد شحنات جديدة بعد الحصول على موافقة (مصرف لبنان) قد تستلزم ما بين 15 و20 يوماً”. محذراً من أن “الشح لا يقتصر على البنج بل يطال أدوية كثيرة منها أدوية الأمراض المزمنة وكثير من المستلزمات الطبية”.

وقرر المصرف إلزام هؤلاء المستوردين بالحصول على موافقات مسبقة، بعد أن كان مستوردو الأدوية طوال الفترة الماضية يستفيدون من دعم مصرف لبنان، اذ يسدد “المركزي” الفارق تبعاً لسعر صرف السوق الذي تجاوز 12500 ليرة.

بدوره، أكد نقيب الصيادلة في لبنان “غسان الأمين” في وقت سابق، أن “المشكلة تكمن في أٔن الدواء مدعوم من الدولة على سعر الدولار بـ1500 ليرة، فيما يصرح مصرف لبنان بأنه لم يعد لديه ما يكفي من المال لدعم الدواء، في وقت يشهد القطاع تقنينا في الأدوية المستوردة، مما يجعل اللبناني يعيش قلقا غير مسبوق على صحته” ، لافتاً إلى أن “حوالي 700 صيدلية أقفلت منذ بداية الأزمة قبل عامين، والباقي مهدد بالإقفال مما يهدد القطاع بأكمله”.

وحمل وزير الصحة اللبنانی “حمد حسن” في حكومة تصريف “الإعلانات المفاجئة لحاكمية مصرف لبنان مسؤولية عدم الانتظام في سوق الدواء”، لافتاً إلى أن “التأخير الحاصل في تسليم الأدوية الى عملية التدقيق الجارية في فواتير المستوردين، ومعظم الأدوية المفقودة موجودة في مستودعات المستوردين الذي يطلبون وعدا من حاكم مصرف لبنان بدفع الفواتير، ليطرحوها في الاسواق”.

الوزير اللبناني “حسن” قال: إن “حاكمية مصرف لبنان طلبت منا أن نوائم كوزارة بين فواتير المستوردين التي لديه وجردة الأدوية التي أجريناها، وهذه ليست من مسؤوليتنا، وحتى لا تكون وزارة الصحة طرفا في تعويم مستورد على آخر، مطلوب من الحاكمية والمستوردين وهم أصدقاء، أن يتوصلوا الى إتفاق مناسب وفق الآلية التي يراها مصرف لبنان مناسبة، ووزارة الصحة على استعداد لأن تكون الضمانة، لعدم الإستنسابية في التوزيع والعمل ما بوسعها لضمان وصوله الى المواطن وعدم التهريب”.

الانهيار وتشكيل الحكومة..

ويؤكد رئيس نقابة مستوردي الأدوية “كريم جبارة”، أن “المستوردين ينتظرون موافقة مصرف لبنان على طلباتهم لمد السوق بالأدوية المقطوعة، كي يتضح لهم ما إذا كانوا سيبيعونها على أساس أنها مدعومة أم لا”. لافتاً إلى أنها “أبرز هواجس الشركات الأجنبية التي يتردد لمسامعها أخبار كالتوجه عن رفع الدعم ما يجعلها متشددة بإرسال الدواء إلى لبنان خوفاً من عدم تقاضي أموالها، كما أن تأخر التحويلات المالية من قبل المصارف يؤدي أيضاً لتأخير وصول الشحنات”.

وأوضح “جبارة” أنه “لا شك أن الآلية الجديدة التي يتبعها مصرف لبنان محقة وتنظم عملية استيراد الدواء، لكنها خلقت إشكالية أدت لتأخير إضافي بالبت بالمعاملات”، لافتاً إلى أنه “سوف يقوم مصرف لبنان بالتعاون مع وزارة الصحة ببت كل الملفات العالقة كما ستوضع آلية واضحة للإسراع بالبت بكل الملفات المقبلة المستقبلية”.

إلا أن رئيس لجنة الصحة النيابية “عاصم عراجي” يرى أن “التأخير الحاصل بمد السوق بالأدوية التي يحتاجها مرتبط بعملية التدقيق التي بدأت يوم الجمعة الماضي بفواتير المستوردين، والتي تحدث حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عن وجود فوارق بينها وبين الأرقام التي لديه وتتبيهه أنه إذا استمر الاستيراد على ما هو عليه قد يكون يتجه ليدفع عن عام 2021 كدعم للدواء ضعف ما دفعه عن عام 2020″، لافتاِ إلى أن “القطاع الصحي شبه منهار، وإنقاذ القطاع كما باقي القطاعات مرتبط بتشكيل حكومة تنجز الإصلاحات المطلوبة من قبل المؤسسات الدولية، وإلا فإننا نكون متجهين للانهيار الكامل”.

يشار إلى أن رئيس تيار المستقبل “سعد الحريري” تولى في شهر تشرين الأول\ أكتوبر الماضي مهمة تأليف حكومة، بعد فشل السفير “مصطفى أديب” في هذه المهمة، لكن جهوده قوبلت بصد من قبل الرئيس “ميشال عون” ومن خلفه التيار الوطني الحر اللذين حرصا على وضع العراقيل أمامه من خلال التمسك بحقيبة الداخلية والحصول على الثلث المعطل، فضلا عن المشاركة في تسمية الوزراء المسيحيين.

التهريب و”حزب الله”..

وفي الوقت الذي يقف آلاف اللبنانيين أمام الصيدليّات لشراء الادوية وتخزينها خوفا من انقطاعها، اعتبر رئيس لجنة الصحة “عاصم عراجي” أنّ “بعض الحجج تحمّل المسؤولية إلى تخزين الناس للدواء بينما المشكلة الأكبر هي في التهريب إلى دول المنطقة لأننا أرخص دواء”. مشدداً على أن “اللجنة مهمّتها التدقيق في عمليات الإستيراد قياساً لما قدّمه مصرف لبنان ومقارنة مع أذونات الإستيراد من وزارة الصحة، لأنّ مصرف لبنان يريد الآن موافقة مسبقة لتخوّفه من أن تكون بعض الشركات تُخرج الفريش دولار إلى الخارج”.

وأوضح المسؤول الصحي أن “الاجتماعات التي عقدتها اللجنة منذ يوم الجمعة الماضي بيّنت وجود فارق بحوالى 100 مليون دولار بين عامي 2020 و2021 عن نفس الفترة من أول السنة وحتى 20 أيار والبعض يرجّح أن يكون هذا الفارق بسبب احتياجات كورونا إضافة إلى التخزين والتهريب”.

بينما طالبت “هيئة الطوارىء الصحية” في حزب الكتائب اللبنانية، “القيمين على الملفات الطبية منع تخزين الأدوية والمواد الغذائية الأساسية، ووقف التهريب من خلال تشكيل اللجنة المستقلة الشاملة وتوفير السلة الصحية وتحديد لائحة بالأدوية المزمنة الضرورية وتأمين التمويل لها”.

وأكدت مصادر “مينا” في وقت سابق، أن “عملية تهريب الادوية باتت عكسية، ففي الوقت الذي يخرج الدواء اللبناني الى سوريا ومصر، تقوم مافيا التهريب بإدخال الدواء الايراني والسوري الى المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا حزب الله”. مشيرة إلى أن “الصيدليات التي تنتشر في مناطق الحزب لا تعاني كثيراً من غياب الدواء لأنه تم تعويضها بالدواء المهرب من إيران وسوريا”.

إلى جانب ذلك، لفتت مصادر “مينا” حينها إلى أن “العديد من عمليات التهريب بشكل عام بما فيها تهريب الأدوية، تذهب إلى سوريا، عبر المنافذ غير الشرعية، التي يديرها حزب الله بين البلدين، والتي سبق للأمين العام للحزب، “حسن نصر الله”، أن أعلن رفضه الكامل لإغلاقها”.

المصادر قللت من نجاعة حملة وزارة الصحة ومحاولات الحكومة من ضد عمليات التخزين والتهريب، لافتة إلى أن” تلك العمليات تتم بدعم من جهات تتمتع بنفوذ يفوق نفوذ الدولة اللبنانية ككل، وأن أقصى ما يمكن ان تقدمه تلك الحملة هي إغلاق لبعض الصيدليات الصغيرة، لأغراض إعلامية”.

يذكر أن مافيا التهريب والفساد تستغل الفراغ المتواجد في لبنان، اذ تنشط مؤخراً تجارة وتهريب المخدرات والأدوية المستوردة إلى لبنان عبر المعابر غير الشرعية التي يسيطر عليها “حزب الله” كما يحصل في قطاع المازوت والمواد الغذائيّة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.