بين الثنائي الشيعي والتيار العوني..ابحث عن المستفيد من أحداث بيروت

تتصاعد تبعات الصدامات المسلحة التي شهدتها العاصمة بيروت قبل أيام خلال مظاهرات لمناصري الثنائي الشيعي، أمل – حزب الله، لا سيما مع توجيه حزب الله الاتهامات المباشرة لحزب القوات اللبنانية، بالوقوف وراء الهجوم على المظاهرة، ومطالبة نواب ميليشيات حزب الله في البرلمان اللبناني بمحاكمة زعيم حزب القوات “سمير جعجع”.

يشار إلى أن بياناً سابقاً صادر عن أمل – حزب الله، قد أعلن عن تعرض أنصارهما في لهجمات مسلحة ورصاص قناصة ما أدى إلى قتل سبعة منهم، خلال مظاهرة في حي الشياح للمطالبة بإقالة قاضي التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت عام 2020، على خلفية استدعائه لمسؤولين تابعين للتيارين السياسيين.

تزامناً، ينفي رئيس حزب القوات اللبنانية، “سمير جعجع” أن يكون حزبه قد خطط لأعمال العنف التي وقعت في الطيونة، قائلا إنه ” كان لا بد من التحرك عند المسيحيين لمواجهة محاولة حزب الله لقتل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت”.

أزمة مفتعلة وأنباء عن عملية خطف

آخر تطورات الوضع الأمني في لبنان، تتمثل فيما تكشف عنه وسائل إعلام محلية عن تعرض المتحدث باسم أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت “إبراهيم حطيط” لعملية خطف مساء الجمعة، على يد مجموعة من المسلحين، الذين اقتحموا منزله وأجبروه على الظهور في مقطع فيديو مسجل يتهم خلاله المحقق العدلي القاضي “طارق البيطار” بتسييس التحقيق ويدعوه فيه الى التنحي والافساح في المجال امام محقق عدلي آخر، إلى جانب اتهام الولايات المتحدة بالتدخل “الخبيث” في ملف تحقيقات المرفأ.

يذكر أن نتائج التحقيق في انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، كانت قد أشارت إلى أن الانفجار كان ناجماً عن تفاعلات نترات الأمونيوم، التي كانت مخزنة في أحد عنابر المرفأ، وهي ذات المواد التي يستخدمها حزب الله في صناعة المتفجرات، ما دفع العديد من الجهات اللبنانية إلى اتهام الحزب بالمسؤولية عن الانفجار، خاصةً وأنه يسيطر بشكل كامل على المرفأ.

تعليقاً على التطورات الأخيرة في لبنان، لا يستبعد المحلل السياسي، “ميشال بوصعب” أن تكون أزمة الصدامات المسلحة مفتعلة من قبل الثنائي الشيعي، أو على الأقل حزب الله، لافتاً إلى أن الحزب أراد استباق نشوب أي حرب أهلية مفترضة في لبنان، بإظهار نفسه كضحية استهداف سياسي، بحيث يبرر في وقتٍ لاحق استخدام القوة المفرطة داخل بيروت.

كما يعتبر “بوصعب” أن الحزب أراد أيضاً أن يظهر مدى استعداده لأي تطورات عسكرية في بيروت وإظهار مدى تفوقه التسليحي على بقية الأطراف اللبنانية الأخرى، موضحاً: “لا يمكن لحزب القوات اللبنانية أن يزج نفسه في صدام مسلح مع حزب الله خاصةً مع الفرق في القوة العسكرية إن صح التعبير، بالإضافة إلى أن كافة الأطراف اللبنانية تدرك تماماً أن ميليشيات حزب الله ستسارع لاستخدام القوة لمواجهة أي هجوم يتعرض له عناصرها”.

ويضيف “بوصعب”: “متابعة كافة الأحداث التي تبعت الصدامات المسلحة يوم الخميس الماضي كلها تشير إلى أن الحزب هو صاحب المصلحة الأولى من هذا التوتر، وفي مقدمتها العودة إلى العزف على وتر حماية الشيعة وبالتالي وأد أي تحرك مستقبلي مناهض له داخل البيئة الحاضنة له، وترسيخ التحالف مع حركة امل، ونشر مسلحيه في شوارع العاصمة، ومحاولة استخدام قوة السلاح لإرهاب الجهات القضائية الموكلة بملف التحقيق بقضية المرفأ”، لافتاً إلى أن شهود عيان أكدوا أن عناصر حزب الله في المظاهرة كانوا مسلحين بشكل مسبق حتى قبل وقوع الهجوم.

لماذا جعجع وليس الحريري؟

السؤال المتداول في بعض التحليلات حول قضية المواجهات المسلحة في لبنان، يتمحور حول أسباب توجه حزب الله لاتهام حزب القوات اللبنانية بشكل خاص بالوقوف وراء الهجمات، وهو ما يجيب عليه المحلل السياسي، “حسام يوسف” بالإشارة إلى أن “جعجع” يمثل الخصم الأكثر قوة لرئيس التيار الوطني الحر وحليف حزب الله، “جبران باسيل” في معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة، منوهاً إلى أن الزج باسمه في مثل تلك الصدامات قد يؤثر على وضعه الانتخابي ويمكن “باسيل” من زيادة حظوظه في خلافة والد زوجته، الرئيس اللبناني “ميشال عون”.

ويبين “يوسف” أن الأقرب لحزب الله كان اتهام تيار المستقبل وزعيمه “سعد الدين الحريري” على اعتبار أنه التيار الأكثر عداءً للحزب، موضحاً: “يبدو أن الحزب يعمل لاستغلال تلك الأحداث لجني العديد من الثمار السياسية، وفي مقدمتها الحفاظ على الحليف المسيحي من خلال تقديم الدعم لباسيل الطامح للرئاسة والسلطة، خاصةً وان العلاقة بين الطرفين تراجعت نسبياً خلال العامين الماضين، قيادة حزب الله تدرك تماماً خطورة الأوضاع في لبنان وأن المستقبل قد يشهد هزات كبيرة لهيكلية الحزب أو وضعه السياسي، تحديداً بعد الانتخابات النيابية المقبلة وبالتالي تحاول أن ترص صفوفها مع الحلفاء وتعيد تشريع سلاحها مجدداً، تحديداً بعد مشاركة الحزب في الحرب السورية، والتي أفقدته الكثير من شرعيته السابقة”.

كما يشير “يوسف” إلى أن سرعة توجيه الاتهام إلى القوات اللبنانية يحمل تفسيرين منطقيين، الأول هو أن الحزب هو من دبر الهجوم وسارع لاتهام “جعجع” أما الثاني فهو أن يكون حزب القوات اللبنانية هو فعلاً من يقف وراء الهجوم، وأن الحزب حصل على معلومات مسبقة وترك الهجوم يقع، لافتاً إلى أن الحالتين تدينان الحزب وقيادته وتحملانه مسؤولية القتلى السبعة.

ويرجح “يوسف” أن يكون الهجوم مفتعلاً، حيث ينطلق في تقييمه ذلك من عدة نقاط، أولها أن القوات اللبنانية لن تخاطر بدخول مواجهة منفردة مع الثنائي الشيعي المسلح، وثانيها أن القوات لا تمتلك حالياً أي مصلحة في خوض نزاع مسلح، تدرك أنه سيساعد حزب الله في تحسين صورته المتدهورة وامتلاك فرصة لإعادة تنفيذ انقلاب 7 أيار 2008، إلى جانب منحه مبررات إضافية لقمع الشارع المنتفض ضد الظروف المعيشية الصعبة، مشدداً على أن أي حرب أهلية في لبنان لن تنطلق إلا من فوهات بنادق حزب الله.

إلى جانب ذلك، يقول “يوسف”: “حزب الله يعلم تماماً أن الأزمات الأمنية والمواجهات المسلحة ستؤثر بشكلٍ كبير على بنيته الاقتصادية ولكنها في ذات الوقت سترسخ قبضته على البلاد وتزيد من نفوذه وهيمنته على الدولة اللبنانية، وستعطيه إذونات لقمع كافة معارضيه”، معتبراً أنه سيكون من الغباء أن يبادر خصوم الحزب لمواجهته عسكرياً.

أزمات سياسية ومخارج

في سياق التحركات السياسية داخل الدولة اللبنانية والتيارات السياسية، تكشف مصادر لبنانية مطلعة عن سلسلة اتصالات سياسية وأمنية أجريت خلال الساعات الماضية بهدف احتواء الموقف، لافتةً إلى أنها تمحورت حول وجوب توضيح ملابسات ما جرى في الطيونة، مع التأكيد على تحقيق نزيه وشفاف.

وتشير المصادر إلى ان الاتصالات الجارية تسير على خطين متوازيين، الأول في اتجاه التأكيد على السلم الأهلي ومنع العبث باستقرار لبنان، ودور الأجهزة العسكرية والأمنية في الحفاظ على الأمن وردع أي محاولة من أي جهة كانت للعبث به، واتجاه كشف الفاعلين والمتورطين وتحديد المسؤوليات والأهداف الكامنة وراء هذا التفجير، وبالتالي محاسبتهم، مع التشديد على إحالة هذه الجريمة على المجلس العدلي في أول جلسة يعقدها مجلس الوزراء، لافتةً إلى أن الخط الثاني فيذهب في اتجاه بلورة مخرج لأزمة التحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، وفقاً لما نقلته صحيفة الجمهورية اللبنانية.

ولفتت المصادر إلى “أنّ الاتصالات السياسية تحرّكت بشكل مكثف منذ ما بعد ظهر الخميس، عكست من جهة هلع المستويات السياسية والرسمية من تطور الوضع الأمني، وانحداره الى ما هو أخطر وأشمل، وعكست من جهة ثانية تشديداً على أنّ ملف المحقق العدلي يجب أن يُحسم، مؤكدةً أنه ثمّة تعهّدات سياسية ورسمية قُطعت في هذا السياق، بالسعي لبلورة مخرج.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.