بين كورونا والأزمات السياسية .. إقتصاد تونس في مهب الريح

تتفاقم الأزمة الاقتصادية في تونس، وسط ركود اقتصادي حاد، وتسجيل البلاد لأعلى نسبة انكماش، بالتزامن مع عجز كبير في المالية العمومية، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية.

وازداد الوضع تأزما خلال السنة الأخيرة، نتيجة تصاعد التوترات بين الفاعلين السياسيين في المجلس التشريعي من جهة وبين رئيسي الجمهورية والحكومة من جهة ثانية، كما يقول خبراء اقتصاديون، في حين يرى أخرون أن البلاد تعيش نتيجة حتمية، لعجز الحكومات المتعاقبة منذ 2011 عن رسم سياسات وتوجهات اقتصادية واضحة تحدد المنوال التنموي الذي يعالج النقائص، ويضع حلولاً للأزمة الاقتصادية على مراحل.

بالإضافة الى ذلك، يشير الخبراء الى أن جائحة كورونا عمقت هذه الأزمة، نتيجة الأضرار التي تركتها على قطاع السياحة في البلاد، أحد أهم أسس الاقتصاد التونسي، وعلى الاقتصاد الموازي الذي يشارف على الانهيار.

وبحسب تقارير اقتصادية فإن المالية العامة التونسية تعاني من وضع صعب، حيث يتوقع أن يبلغ العجز المالي 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، وهو الأعلى منذ حوالي أربعة عقود، في حين تهدف الحكومة عبر ميزانية 2021 إلى خفض العجز المالي إلى 6.6%.

رئيس الحكومة “هشام المشيشي”، أقر قبل أيام بصعوبة الوضع الاقتصادي في البلاد، معللا ذلك بتفشي الجائحة وتراكم الصعوبات الاجتماعية عقوداً من الزمن.

انعدام الاستقرار السياسي

ترجع الخبيرة الاقتصادية “نادية الشريتي” أسباب تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد إلى انعدام الاستقرار السياسي و سوء الأوضاع الأمنية والاجتماعية، مشيرة الى أن المناخ الاجتماعي خلال السنوات الماضية لم يكن ملائماً للاستثمار وخلْق الثروة، إذ غرقت البلاد في طوفان من الإضرابات والاحتجاجات، وكلّف ذلك الدولة والمؤسسات ملايين الدولارات، بالتالي عزف المستثمرون الأجانب والتونسيون عن المغامرة بتوظيف أموالهم في بلاد تشهد اضطرابات أمنية.

وفيما يتعلق بآفاق 2021، تقول “شريتي” متشائمة إن “الوضع الأمني والاجتماعي لا يشجّع على تحسين الظرف الاقتصادي، من خلال تحفيز الاستثمار أو خلق الثروة”، كما تحذر من أن تونس تقف على حافة الهاوية، موضحة أن جميع المؤشرات الاقتصادية والمالية تراجعت، خلال عام 2020، حيث لم يكن له مثيل في تاريخ البلاد، مشيرة في الوقت نفسه الى أن نسبة النمو كانت في حدود 10.5 بالمئة سلبي طيلة السنة الماضية، ما ضاعف أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل.

كما تضيف أن خريطة الفقر في تونس تعكس عمق الأزمة الاقتصادية، حيث تبلغ نسبة الفقر على المستوى الوطني 15 بالمئة، بينما تصل في بعض المقاطعات إلى أكثر من 40 بالمئة، مشيرة الى أن البطالة ارتفعت إلى 18 بالمئة، بعدما كانت 15.2 بالمئة.

يشار الى أن المعهد الوطني التونسي للإحصاء، كان قال في تقرير إن نسبة النمو للثلاثية الأخيرة من 2020 بلغت 6 في المئة سلبي، وخسرت تونس أكثر من 160 ألف موطن شغل خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2020.

كما شهدت المبادلات التجارية مع الخارج تراجعاً في الصادرات 11.7 في المئة، وهبطت الواردات 18.7 في المئة، حسبما جاء في تقرير المعهد.

غياب الكفاءات والتخطيط الاقتصادي الناجع

تهدف الحكومة التونسية من خلال ميزانية 2021، إلى خفض العجز المالي إلى 6.6%، لكن صندوق النقد الدولي قال إن هناك حاجة إلى إجراءات محددة لدعم هذا الهدف، كما حث السلطات المالية التونسية على تجنب التمويل النقدي المستقبلي للحكومة، لأنها تخاطر بعكس المكاسب التي تحققت في فترة خفض التضخم، مما قد يضعف سعر الصرف والاحتياطيات الدولية.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع العجز في ميزانية الدولة إلى أكثر من 9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

يشار الى أن البنك المركزي التونسي كان وافق في شهر كانون الأول\ ديسمبر الماضي، على شراء سندات خزانة بقيمة 2.8 مليار دولار لتمويل العجز المالي القياسي في موازنة 2020 بعد أسابيع من الخلاف مع الحكومة.

الخبير الاقتصادي “خالد عبد الرحيم” يرى أن تدهور الوضع في البلاد يعود إلى افتقار العقل السياسي للطبقة التي تسلمت السلطة بعد 2011 إلى أدوات تفكير حديثة، تبدع استراتيجيات جديدة وتنفصل المنظومة الاقتصادية القديمة.

كما يعتقد، أن الحل يكمن في التخطيط الاقتصادي الناجع، ووضع البرامج التنموية الملائمة للحاجات، ملقياً بالمسؤولية على الطبقة السياسية التي أهدرت الوقت في الصراعات السياسية على حساب ملفات حيوية تهم التونسيين.

وكان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل “نور الدين الطبوبي”، قد دعا منتصف الشهر الجاري، الحكومة الى التوجه إلى الكفاءات العلمية والفكرية، من أجل تصويب الخيارات التنموية المعتمدة، محذراً من “تدهور التوازنات المالية الكبرى للدولة.

انهيار أهم أسس اقتصاد البلاد

يعتبر قطاع السياحة، أكثر القطاعات حيوية ويساهم بنسبة 8 بالمئة من الناتج المحلي الخام لتونس، حيث تعد مصدر رئيسي لجلب العملة الأجنبية، وثاني أكبر مشغل بعد القطاع الزراعي.

وتشير إحصائيات حكومية رسمية الى أن إيرادات قطاع السياحة في تونس انخفضت 65 بالمئة، ووصلت إلى ملياري دينار بعد أن كانت 5.68 مليارات دينار في العام الماضي، كما انخفض عدد السائحين 78 بالمائة خلال عام 2020.

تعليقا على ذلك، يقول “عبد الرحيم” الاقتصاد الموازي في تونس، على حافة الانهيار، حيث يواجه نصف العاملين، وضعاً حرجاً أكثر من غيرهم من قطاعات المجتمع خلال أزمة كورونا، موضحا أن حوالى مليون و600 ألف تونسي، من مجموع 3 ملايين و570 ألف شخص من بين اليد العاملة النشيطة في البلاد، أي بنسبة لا تقل عن 44.8 في المئة من العاملين، يشتغلون، في ما يُتعارف عليه بالعمل غير المنظم أو الاقتصاد الموازي.

ويضيف أن عشرات الآلاف من العمال اليوميين أو الموقتين فقدوا وظائفهم في شكل كامل، بعد أن أعلنت محالهم التوقف عن العمل نتيجة الاجراءات الحكومية في مواجهة جائحة كورونا.

وأدت القيود على السفر وتفشي كورونا إلى أن تغلق أغلب الفنادق والمحال التجارية في تونس أبوابها ويخسر عشرات الآلاف في القطاع وظائفهم.

ويرجّح “عبد الرحيم”، أن تستمر أزمة القطاع إلى النصف الثاني من عام 2021، مؤكدا أن 90 بالمئة من النزل والفنادق أوصدت أبوابها غير أنها تتجنّب الغلق النهائي لأسباب قانونية وأخرى لوجستية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©