
أثارت دراسة بحثية جديدة لنائب رئيس مجلس الدولة المصري، المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي، الضوء من جديد على التأسيس التنظيمي والفكري لجماعة الإخوان المسلمين، مؤكدة أن الجماعة استندت منذ نشأتها إلى بنية أيديولوجية مغلقة، وظّفت الدين في خدمة مشروع سياسي يستهدف الوصول إلى الحكم.
وحملت الدراسة عنوان: “الإخوان.. بنية التنظيم والتمويل العابر للحدود والاختراق العالمي”، وأشارت الدراسة أن فكرة “شمولية الإسلام”، التي طرحها حسن البنا، المؤسس الأول للجماعة، مثلت اللبنة الأولى في دمج الدعوة الدينية بالعمل السياسي والتنظيمي، حيث اعتبر أن الإسلام يشمل نظام حكم واقتصاد وثقافة، وليس مجرد عقيدة روحية.
جهاز سري مسلح
وسلّطت الدراسة الضوء على إنشاء “النظام الخاص” في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وهو جهاز سري مسلح نفذ عمليات اغتيال وتصفية لخصوم سياسيين، من أبرزهم القاضي أحمد الخازندار ورئيس الوزراء محمود النقراشي. كما ربطت بين ذلك النهج وبين عمليات لاحقة في الألفية الجديدة، مثل اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، مؤكدة أن ممارسات العنف بقيت جزءًا من أدوات الجماعة.
وأكد الدكتور خفاجي أن الجماعة لم تنشأ كحركة دعوية سلمية، بل كمشروع سياسي يفرض الولاء للتنظيم فوق الولاء للوطن، مستندًا إلى مبدأ “السمع والطاعة”. واعتبر أن الجماعة اعتمدت على عقلية شبه عسكرية، تتعامل مع السياسة بمنطق الغلبة، وتتبنى قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” تحت غطاء “نُصرة الإسلام”.
كما تناولت الدراسة التوظيف الأيديولوجي لفكرة الجهاد، موضحة أن الجماعة أعادت تفسيره من وسيلة دفاع إلى أداة للهيمنة السياسية والعسكرية، استُخدمت ضد خصومها سواء في الحكم أو الأمن أو القضاء. واستعرضت الدراسة كيف لجأت الجماعة إلى استخدام فقه الضرورة وتأويلات خاصة للقرآن لتبرير العنف، ما مهّد لاحقًا لظهور تنظيمات أكثر تطرفًا على نفس الأسس الفكرية والتنظيمية.
عنف وإرهاب
وكشفت الدراسة عن عنف وإرهاب هذه الجماعة بأيديولوجيات دينية، فيقول الدكتور خفاجي: الجماعة استخدمت الجهاد كغطاء أيديولوجي للعنف، كما اعتمدت الجماعة منذ نشأتها على توظيف مفاهيم الجهاد بشكل سياسي. فالجهاد لم يكن أداة للدفاع، بل تحول إلى وسيلة للتغيير السياسي والعسكري. وقد أُعيد تفسيره ليبرر العمليات المسلحة ضد من يُعتبرون «خصوم الإسلام»، سواء كانوا سياسيين أو إداريين أو حتى رجال أمن. وقد تم التأسيس لهذا المفهوم من خلال أدبيات الجماعة، خصوصًا في رسائل حسن البنا وخطب سيد قطب لاحقًا.
وأشارت الدراسة إلى أن الجماعة اتخذت من فقه الضرورة وسلاح الفتوى مبررًا لـ«الدم»، حيث اعتمدت على ما يُعرف بـ«فقه الضرورة» لتبرير العمليات المسلحة، حيث يتم تجاوز القواعد الشرعية لصالح مصلحة التنظيم. كما استخدمت الفتاوى الداخلية كأداة لتبرير الاغتيالات والتفجيرات، واعتُمدت تأويلات خاصة لنصوص قرآنية كآية «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة»، في سياق الصراع السياسي، وليس الجهاد المشروع. هذا التوظيف سمح بإلباس العنف ثوبًا دينيًا، ما مهّد لتحول خطير في مسار الحركات الإسلامية لاحقًا.
مناورات الجماعة
وأوضح الفقيه القاضي: الرأي عندي أنه رغم وضوح المسألة منذ عام 1938 باشتغالهم في السياسة، إلا أنهم أكدوا في مناورة منهم بعد نجاح ثورة 23 يوليو 1952 أنهم جماعة دينية فقط حينذاك، فأصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا بحل الأحزاب السياسية دونهم، إلا أن جمال عبد الناصر صحح الأمر بحكم شخصيته في مجلس قيادة الثورة، فقد كانت قناعته أنها تستغل الدين في السياسة ففطن إلى أنها تعمل بيقين في مجال السياسة ولا تختلف عن الأحزاب السياسية في شيء التي أصابها قرار الحل. وفي 14 يناير 1954 أصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا باعتبار جماعة الإخوان المسلمين حزبًا سياسيًا يطبق عليها قرار مجلس قيادة الثورة الخاص بحل الأحزاب السياسية، وبان الوجه الإرهابي القبيح لتلك الجماعة حينما حاولوا اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في حادثة المنشية الشهيرة بالإسكندرية.
وأضاف الفقيه محمد خفاجي أن جماعة الإخوان الإرهابية لجأت إلى مناورة أخرى في عهد الرئيس محمد أنور السادات على ركيزة من الالتزام في الميدان السياسي، وكان ذلك خطأ استراتيجيًا آخر كلف مصر الكثير، فقرر الرئيس السادات عودة جماعة الإخوان إلى الحياة مرة أخرى، ثم خاضوا انتخابات فردية لترشح عناصرهم في مجلس الشعب دورة 1976، ثم دورة 1979، وتم اغتيال الرئيس أنور السادات خلال عرض عسكري في 6 أكتوبر عام 1981 بمناسبة الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر المجيد عام 1973، وكان القاتل خالد الإسلامبولي بالاشتراك مع آخرين، وهم جميعًا يدينون إلى مرجعية دينية متطرفة.
وفي عهد الرئيس مبارك خاضت جماعة الإخوان الترشح لانتخابات مجلس الشعب دورة 1984، ثم دورة 1987، ثم دورة 1995، ثم دورة عام 2000، اشتد ساعدهم وفازوا بسبعة عشر مقعدًا بمجلس الشعب. وفي عهد الرئيس مبارك، 26 مارس 2007، تم تعديل الدستور الصادر عام 1971 متضمنًا تعديل 34 مادة، تضمن من بين تعديلاته نص المادة الخامسة منه بحظر إقامة أحزاب على أساس مرجعية دينية أو أساس ديني.
استغلال أزمات الشعوب
واختتم الفقيه القاضي أن ذروة قيام جماعة الإخوان باستغلال الدين في السياسة كانت بعد ثورة الشعب في 25 يناير 2011، واستطاعوا بنفوذهم الديني والسياسي خلال فترة الاضطراب بتاريخ 6 يونيو 2011 بإنشاء حزب سياسي رسمي لهم لأول مرة في تاريخهم أسموه “حزب الحرية والعدالة”. وفي 24 يونيو 2012، ونتيجة استغلال الدين بالسياسة، فاز حزب الجماعة الديني السياسي بتولي رئيس الحزب وعضو مكتب الإرشاد محمد مرسي رئاسة مصر. وفي تلك اللحظة استطاعوا أن يحققوا حلمهم بالوصول إلى قمة السلطة والحكم بعد 84 عامًا من تأسيس الجماعة. وكانت ولاية السنة التي تولوها كافية أن تقنع الشعب بنهج إرهابهم وعنفهم حتى ثار الشعب في ثورة 30 يونيو 2013. وهكذا رأينا تأصيل أثر عنف التيار الإرهابي المتطرف على استغلال أزمات الشعوب للإضرار بالسلام الاجتماعي والإنساني واستغلال خلط الدين بالسياسة. ويُعد قرار الشعب الذي نفذه عبد الفتاح السيسي بمحق الجماعة الإرهابية قرارًا قوميًّا صائبًا قد تأخر 75 عامًا منذ بداية خلطهم الدين بالسياسة عام 1938.







