تحديات أمام توسيع اتفاقيات إبراهيم

منذ توقيع اتفاقيات إبراهيم خلال عامي 2020  و2021 بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان، لم نشهد انضمامة دول أخرى- لكن في نفس الوقت لم تنسحب أية دولة من تلك الاتفاقيات، تُمثل اتفاقيات إبراهيم هذه تطبيعا دبلوماسياً للعلاقات بين هذه الدول. وهو أول تطبيع بين إسرائيل والدول العربية منذ معاهدتي السلام مع مصر عام 1979 والأردن عام 1994. كما خالفت الاتفاقيات الإجماع السابق على أن التطبيع مع إسرائيل لن يكون ممكنا إلا بعد حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتطبيق حل الدولتين.

يختلف الدافع لاتفاقيات أبراهام الأخيرة، الدافع الخاص بالأردن ومصر، حيث هدفت إتفاقية إبراهيم إلى تحقيق الردع ضد التهديد المتزايد الذي شكلته إيران خلال السنوات العشر الأخيرة. فيما كان الهدف الذي سعت إسرائيل إلى تخفيف عزلتها عن محيطها العربي، وكل ذلك برعاية الولايات المتحدة التي تريد تخفيف التزاماتها الأمنية في الشرق الأوسط من خلال تحقيق قدر أكبر من التعاون الإقليمي.

تقف هذه الدراسة على أهم المستجدات حول اتفاقية إبراهيم وإمكانية توسيعها لتشمل دولاً أخرى، على أبرز الإيجابيات والسلبيات المترتبة على هذه الاتفاقية، إضافة إلى التحديات التي تواجهها وإمكانية تجاوزها.

تغير المزاج تجاه إسرائيل

عملت إسرائيل والولايات المتحدة على توسيع اتفاقيات ابراهيم، لتشمل دول أخرى على رأسها المملكة العربية السعودية، لكن يبدو أن هذه المفاوضات تعثرت بشدة، بعد الهجوم الذي شنته حماس في 7 أكتوبر 2023، حيث صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف معارضتهم لحل الدولتين بشكل متزايد، وشنوا حربا دامت قرابة عامين على قطاع غزة. ومنذ ذلك الحين، نزح 1.9 مليون شخص. ووفقًا لوزارة الصحة في غزة، قُتل حتى الآن أكثر من 64,500 شخص – بينهم ما يُقدر بنحو 19,000 طفل.

وفتحت إسرائيل أيضا عدة جبهات إقليمية. في عام 2024، ردت إسرائيل على هجمات متواصلة شنّها حزب الله، أكبر ميليشيات إيران. كما تُجري إسرائيل عمليات عسكرية في سوريا، وتخوض معارك نارية مع المتمردين الحوثيين في اليمن، الذين يهاجمون بشكل متكرر الشحن الدولي في البحر الأحمر وأهدافًا على الأراضي الإسرائيلية. وفي يونيو خاضت إسرائيل حربا استمرت 12 يوما مع إيران.

هذه التطورات أدت إلى إضعاف إيران في المنطقة، وخاصة بعد سقوط النظام السوري الحليف الأبرز لإيران، فتراجع بذلك خطرها بالنسبة للدول العربية،  في الوقت نفسه، فإن العنف الإسرائيلي ومحاولة فرض شروط معينة على الجمهورية العربية المصرية، والأردن، مثل محاولة إلزامهم باستقبال المهاجرين من قطاع غزة، إضافة إلى قيام إسرائيل باستهداف وفد حماس المفاوض في العاصمة القطرية الدوحة، الأمر الذي أدى تحركات عربية حادة من أجل إيقاف الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تعد تستثني حلفاء الولايات المتحدة.

في أعقاب هجوم الدوحة، منعت الإمارات العربية المتحدة شركات الدفاع الإسرائيلية من المشاركة في معرض جوي في دبي، مشيرةً إلى مخاوف أمنية. كما انتقد مسؤولون حكوميون إماراتيون خطط إسرائيل لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة، محذرين من أن ذلك قد يُعرّض العلاقات الثنائية والجهود الأمريكية لتوسيع نطاق الاتفاقيات للخطر.

على الرغم من أن دونالد ترامب يواصل جهوده في ولايته الثانية لتأمين المزيد من اتفاقيات التطبيع، لا سيما مع المملكة العربية السعودية ولبنان وسوريا، إلا أنه لم تنضم أي دولة عربية جديدة منذ توقيع الاتفاقيات الأولى قبل خمس سنوات. في غضون ذلك، يُشير الإسرائيليون المؤيدون للاتفاقيات إلى تنامي المبادرات الإقليمية وازدهار التجارة مع الدول الشريكة.

قبل 7 أكتوبر 2023، وقّعت إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، عدة اتفاقيات، بما في ذلك اتفاقية مدتها خمس سنوات لتبادل المعرفة في مجال الزراعة في عام 2022. ووفقًا لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، بلغ إجمالي تجارة السلع بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة حوالي 3.2 مليار دولار في عام 2024.

ومع ذلك، يبدو أن الصراعات الحالية في الشرق الأوسط تُثني حكومات أخرى في المنطقة عن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. كانت المملكة العربية السعودية على وشك توقيع اتفاقية مع إسرائيل قبيل هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. إلا أنه منذ الحرب التي تلت ذلك في غزة، رفضت الرياض إقامة علاقات مع إسرائيل وأصرت على بذل جهود جادة نحو حل الدولتين. ونظرا للعمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا ولبنان المجاورتين، فمن غير المرجح أن ترغب هاتان الحكومتان في إقامة علاقات دبلوماسية كاملة في المستقبل القريب. ومع ذلك، لا يزال المسؤولون الأمريكيون متفائلين بإمكانية إبرام اتفاقية أمنية مع سوريا في عام 2025.

حل الدولتين يعود إلى الواجهة

تمثل اتفاقية إبراهيم تطبيعا دبلوماسيا واقتصاديا، يهدف إلى كسر الجمود في العلاقات العربية والإسرائيلية، مع نظرة تفاؤلية بأن هذه المبادرات ستجعل للدول العربية الموقعة دوراً أكبر وأكثر فعالية في إحداث تأثير على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلا أن هذا لم يحدث بالشكل المأمول، حيث كان لتأثير وتداعيات 7 أكتوبر صدى في جميع أنحاء المنطقة، مما جعل إحراز المزيد من التقدم في التطبيع أكثر تعقيداً. وأظهرت التطورات الأخيرة أن المصالح الداخلية والاستراتيجية للاعبين الإقليميين الرئيسيين لا تزال مرتبطة بعمق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. لذلك يذهب الكثير من المحللين للقول بأنه لن تكون رؤية شرق أوسط متكامل قابلة للتحقيق بالكامل دون رؤية عملية لحل هذا الصراع بطريقة تشمل مستقبلاً فلسطينياً قابلاً للحياة.

وأظهرت التطورات الأخيرة في قطاع غزة، أن ردة الفعل الإسرائيلية المبالغ فيها، لها حدود معينة، لذلك فإن حرب غزة، وعنف المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، وحروب الأجيال الماضية، كلها  تحمل تأثيرات على المزاج العام تجاه إسرائيل. وعلى هذا النحو، فإن حل مستقبل فلسطين أمر أساسي لتحسين الروابط بين الإسرائيليين والشعوب العربية الأخرى.

و على الرغم من التحديات الجيوسياسية للحرب، يظل التفاعل الاقتصادي حاسماً لتشجيع المزيد من التكامل الإقليمي. لقد استمرت العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة وأظهرت قوة، حيث تبلغ قيمة التجارة الثنائية حوالي 3.2 مليار دولار. وفي أماكن أخرى، يمثل كل من “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC) واتفاقية المياه مقابل الطاقة الإسرائيلية-الأردنية “مشروع الازدهار” مبادرات منتجة تعتبر أساسية لتعزيز التكامل.

على الرغم من توقف معظم هذه المساعي خلال الحرب وزعزعة الاستقرار الإقليمي اللاحقة، فمن الضروري التخطيط لإحراز تقدم سريع بشأنها بمجرد انتهاء الحرب. ولتحقيق هذا الهدف، يجب على إسرائيل ممارسة العقلانية الاقتصادية، وإعطاء الأولوية للتنافسية، والتأكد من أن بنيتها التحتية قادرة وجذابة بما يكفي لربط الشرق الأوسط بأوروبا من خلال هذا الممر الاقتصادي.

كما يمكن أن يساعد إنشاء مناطق صناعية مؤهلة جديدة مثل تلك الموجودة بين مصر وإسرائيل أيضاً في تشجيع الدول الإقليمية على التعاون بشكل أكبر في العلاقات الاقتصادية والأمنية.

ويتطلب الواقع الحالي في الشرق الأوسط من إسرائيل أن تفعل المزيد لإعطاء الأولوية لعلاقاتها مع الدول العربية. تعد اتفاقيات إبراهيم واحدة من أهم الإنجازات الدبلوماسية في التاريخ الحديث، والحفاظ عليها بأي ثمن تقريباً أمر ضروري للحفاظ على الاستقرار وتعزيز التعاون في جميع أنحاء المنطقة. إن تعطيل هذه التحالفات حتى مؤقتاً سيقوض بشدة الشراكات الاستراتيجية في مجال الدفاع والتكنولوجيا والتجارة مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر والأردن.

الإدارة الأمريكية تريد المضي قدما رغم التحديات

على الرغم من أن اتفاقيات إبراهيم عانت خلال هذه الفترة، إلا أنها لا تزال صامدة، ولا تزال إدارة “ترامب” تهدف إلى توسيعها. يمثل الإدماج المحتمل لدول آسيا الوسطى، وخاصة أذربيجان، فرصة استراتيجية لمزيد من التطبيع والتكامل. يمر لبنان وسوريا حالياً بفترة انتقالية، ومن غير الواضح كيف ستتطور علاقاتهما مع إسرائيل والولايات المتحدة. إن ظهور الرئيس “أحمد الشرع” في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومشاركته الدبلوماسية الواسعة – بما في ذلك مع المسؤولين السعوديين والأمريكيين – يشير إلى فرصة للمضي قدماً في نهاية المطاف نحو التطبيع بين إسرائيل وسوريا، أو على الأقل عدم المحاربة. وفي الوقت نفسه، سيحتاج القادة الإقليميون إلى الإجابة على العديد من الأسئلة الصعبة حول قضايا مثل وضع الطائفة الدرزية في جنوب سوريا، ونزع سلاح “حزب الله” في لبنان، وخطة “اليوم التالي” لغزة، والنفوذ الإيراني المتزايد في العراق.

وتوقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهيم، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل بحلول نهاية العام 2025، وذلك في مقابلة مع مجلة تايم، وقال إن القضاء على التهديد الإيراني كان حجر الزاوية، والآن ستنضم دول أخرى إلى الاتفاقيات. وأضاف ترامب: “أعتقد أن اتفاقيات إبراهيم ستبدأ بالانتشار بسرعة كبيرة. أنا متأكد من ذلك”.

وقال ترامب إن السعودية والدول الأخرى التي دعمت هدنة غزة ما كانت لتفعل ذلك لو كانت إيران لا تزال في أوج قوتها. لكن الجمهورية الإسلامية انتقلت الآن من تهديد المنطقة إلى “القتال من أجل البقاء”. ويبدو أن إدارة ترامب عازمة على إكمال ما بدأته، حيث صرّح أيضاً وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بأن إنهاء الحرب بشكل مستدام سيشجع المزيد من الدول على الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم.
 

ومع التوصل إلى اتفاق بشأن غزة، اتخذ نواب اليمين المتطرف في الكنيست خطوةً استفزازيةً للغاية ورمزيةً إلى حد كبير، تمثلت في الموافقة المبدئية على مشروع قانون من شأنه تطبيق القانون الإسرائيلي على الأراضي المحتلة – وهي خطوةٌ فعليةٌ نحو الضم. وقد قوبلت هذه الخطوة بتوبيخٍ سريعٍ وحادٍّ من أعلى مستويات إدارة ترامب.

من وجهة نظر الخبراء الإسرائيليين، فإن إعادة الزخم إلى اتفاقيات سلام ابراهام، تتطلب من الدول العربية أيضا، التوقف على حقيقة أن “حماس” هي التي بدأت الحرب في 7 أكتوبر. وبالتالي عليها تفهم سعي إسرائيل إلى هزيمة الجماعة بالكامل. ويرى المحللون الإسرائيليون بأن معظم دول الخليج  والدول العربية لا تصف حماس كمنظمة إرهابية، بما في ذلك البحرين. ومع ذلك، تستفيد دول الخليج بشكل كبير من قطع إسرائيل رأس وكلاء إيران الإسلاميين – ومن إضعاف النظام الإيراني نفسه. لا تزال الجمهورية الإسلامية تمثل تهديدا لدول الخليج والدول العربية من خلال تصرفاتها العسكرية التهديدية ورغبتها المعلنة في بذر عدم الاستقرار في المنطقة، فعلى سبيل المثال حاولت طهران حتى استخدام الاحتجاجات البحرينية ضد إسرائيل كوسيلة للتحريض على انقلاب، مشابه لما حدث خلال احتجاجات 2011.

ما هي الإيجابيات التي تم تحقيقها حتى الآن؟

تحتاج اتفاقية إبراهيم اليوم إلى تفاهمات أو شروط جديدة كي تقوى على الاستمرار، وذلك من خلال ربط التطبيع الموسع بين إسرائيل والعالم العربي بتقدم ملموس في العملية الإسرائيلية الفلسطينية لتحقيق استقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط. مع التركيز أكثر على أهمية تعزيز التواصل بين الشعوب والمبادرات التعليمية لمكافحة التطرف وتعزيز القبول على المدى الطويل بين سكان الدول الموقعة. كما تبرز الحاجة إلى حوار مستمر بين الأديان لتعزيز التفاهم والثقة المتبادلين.

أما النقطة الثانية المهمة، فهي التغلب على التحديات من خلال التعاون في المجال الاقتصادي والتكنولوجي، ومن أمثلة ذلك المضي قدما، بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEEC) – وهو محور تجاري وبنية تحتية مُخطط له، سيربط الهند بأوروبا عبر دول الخليج والمملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل.

وبناء شبكة خطوط سكك حديدية كهربائية، في منطقة المثلث الأردني-الإسرائيلي-الغزي، لتعزيز التعاون، حيث يلتقي هذا النهج مع  خطط إدارة ترامب لغزة، التي تُركّز على التنمية الاقتصادية، واستثمارات البنية التحتية، والتكامل الإقليمي كمسارٍ نحو سلامٍ طويل الأمد. كما ستلعب مشاريع المناخ دورا بارزا في إطار IMEEC. في ضوء اقتراح إشراك سوريا بشكل أوثق في مثل هذه المشاريع مستقبلا.

ويتمتع الممر بمكانة متميزة تؤهله ليكون مبادرة تكامل إقليمي وبنية تحتية فعّالة في العقود القادمة، مما يعزز أمن سلسلة التوريد وينسجم مع السياسة الأوراسية نحو تواصل مفتوح قائم على القواعد، مدعوم باستثمارات محلية مدفوعة بقوى السوق من مجموعة متنوعة من البلدان. ​​كما يوفر IMEC بديلاً للممرات الحالية التي تهيمن عليها حكومة واحدة، وخاصة مبادرة الحزام والطريق.

على الرغم من المشاريع الواعدة التي تستوجب توسيع عملية السلام في الشرق الأوسط، إلا أن الطريق ليست معبدة أمام هذه المشاريع، فعلى سبيل المثال تعاني خطة ممر النقل IMEC  التي تعتبر من أهم وأكبر هذه المشاريع، من فجوة تمويلية تبلغ حوالي 5 مليارات دولار أمريكي لتصبح قيد التشغيل بشكل طفيف، وتربط موانئ الخليج بحيفا في إسرائيل. كما أن هذا المشروع يواجه مزيجا من مخاطر سياسية وثغرات حوكمة وفجوات تمويلية وتعقيدات تنظيمية/تشغيلية.

ومن أهم هذه المخاطر هي التوترات والحروب الإقليمية التي تجعل المستثمرين الخاصّين مترددين وتُعرّض الجدول الزمني للتقلب. وهو ما يتطلب استمرار التقارب/التطبيع بين دول المسار (خصوصا مع إسرائيل)، وهو عامل ما زال غير ثابت بسبب ضبابية الأوضاع خاصة في بلدان غير مستقرة مثل سوريا ولبنان والعراق.

يصف معهد الاتفاقيات الإبراهيمية للسلام، ومقره واشنطن، التوقيع على الاتفاقيات بأنه “شكّل نقطة تحوّل جوهرية في طبيعة العلاقات بين إسرائيل ودول عربية”، مضيفاً أنه بفضل دعم ثابت من الحزبين في الولايات المتحدة، “شرعت أربع دول، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز أربعة أشهر بين أغسطس وديسمبر عام 2020، في بدء مسار دبلوماسي لتطبيع العلاقات الثنائية مع إسرائيل، اقتداءً بمصر والأردن في اتخاذ تلك الخطوة البارزة”.

 ويلفت المعهد إلى أن هذه الاتفاقيات “تمهّد الطريق لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وتفتح آفاقاً لمستقبل قائم على السلام والتسامح وتكافؤ الفرص في منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره”. كما يرى أنها تمثل “بداية فصل إقليمي جديد يتأسس على رؤية جماعية للرفاهية الاقتصادية، وأنه كلما توطدت العلاقات التجارية، تعززت متانة الروابط بين الشعوب والدول”.

وتُعد الاتفاقيات الإبراهيمية، بحسب تعريف المعهد، ركيزة لـ “عملية سلام حقيقية في الشرق الأوسط، لما تُبرزه من فوائد ملموسة للعلاقات الإنسانية، والتبادل التجاري، والتعاون المشترك. إنها مبادرة تغتنم فرصة تاريخية لإطلاق طاقات المنطقة الكامنة، وتعزيز أمن الولايات المتحدة، ومساعدة الشرق الأوسط على تجاوز عقودٍ من النزاعات نحو مرحلة جديدة من التعاون المتعدد الأطراف”.

ويرى المعهد أن الاتفاقيات الإبراهيمية تحمل فرصاً غير محدودة، قد تسهم في توفير ما يصل إلى أربعة ملايين فرصة عمل جديدة، وتحفيز نشاط اقتصادي يُقدّر بتريليون دولار خلال العقد المقبل.

وعادت الاتفاقيات ببعض النفع على على الدول العربية الموقعة، فكانت نتيجتها أن الولايات المتحدة دعمت الجانبين الإمارتي والبحريني في شكوكهما تجاه إيران، إذ كانت طهران تدّعي حتى عام 1969 أن البحرين، على سبيل المثال، جزء لا يتجزأ من أراضيها، ويرى حكّام البحرين  أن بعض الفئات من الأغلبية الشيعية القلقة في البلاد تمثل احتمالاً قائماً لوجود طابور خامس موالٍ لإيران.

وأيضاً تساعد الاتفاقيات في تعزيز التحالف في المنطقة ضد إيران، كما يُعلّق الإسرائيليون آمالاً كبيرة على “الاتفاقيات الإبراهيمية” في توطيد علاقاتهم المستقبلية مع دول الخليج البعيدة جغرافياً عن بؤرة الصراع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبينما  يرى البعض “الاتفاقيات الإبراهيمية” فرصة للسلام والتنمية، كما هو معلن رسمياً، يظل مصيرها مرهوناً بمدى قدرتها على التأثير الحقيقي في حل القضايا العالقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي تظل جوهر الصراع في الشرق الأوسط.

لقد قاومت إدارة ترامب بشدة تحركات السياسيين الإسرائيليين لضم الضفة الغربية، وهو إجراء تعتبره تهديداً مباشراً لعملية السلام الأوسع نطاقاً، وهو أحد الفوائد التي يمكن أن تشكلها اتفاقيات السلام الإبراهيمية، حيث تخشى إسرائيل والولايات المتحدة من تراجع الدول العربية عن هذه الإتفاقيات مما يشكل ضربة للمساعي الأمريكية التي تهدف إلى تهدئة الصراعات بالشرق الأوسط من أجل التفرغ أكثر للمواجهة مع الصين ورسيا.

هل تريد إسرائيل المحافظة على الاتفاقيات؟

باتت إسرائيل تدرك بشكل متزايد تغير المزاج العالمي تجاهها، فعلى سبيل المثال قال ترامب، في محاولة لإقناع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالموافقة على خطة وقف إطلاق النار: “بيبي، لا يمكنك محاربة العالم. يمكنك خوض معارك فردية، لكن العالم ضدك. وإسرائيل مكان صغير جدًا مقارنة بالعالم”.

وبدأت العديد من الأصوات تحذر من مخاطر استمرار إسرائيل في سياستها التوسعية والاعتماد على القوة العسكرية في فرض إرادتها لأن ذلك لن يخدمها طويلا، ويقول محللون، إن إسرائيل لطالما نجت بفضل مزاياها التكنولوجية والاقتصادية. ولكن إذا انقلب العالم ضدها، كما فعل الجميع تقريبا، فلن تتمكن من الحفاظ على ذلك، بالنهاية ستتوقف الدول عن التجارة مع إسرائيل، وسيبدأ الشعب اليهودي بالمغادرة، وأول من يغادرها سيكون الأفضل والأذكى. ونتيجة لذلك يترنح حلم الدولة اليهودية من دون إبداء المرونة.

يعتبر ضم السعودية إلى الاتفاقية، من أكبر الإنجازات التي يمكن أن يحققها ترامب، تسعى إسرائيل أيضا للحصول على ذلك، لكن في ظل الظروف الحالية، ليس هنالك ما يضطر السعودية لتقديم التنازلات عن شرطها بحل القضية الفلسطينية على أساس الدولتين، فإيران اليوم في وضع ضعيف، ولا تشكل تهديداً كبيراً للرياض، التي اتجهت  لتهدئة مع إيران بوساطة عراقية/صينية منذ العام، 2023، كما عملت الرياض على تحسين علاقاتها مع تركيا وتعزيز تعاونها العسكري والسياسي مع باكستان، ما يعني بأنها تسعى إلى تحقيق تُوازن بين ترتيبات أمريكية-إسرائيلية وبين ترتيبات إقليمية مستقلة تقلّل التصعيد.

هذه المعادلة تعطي المملكة العربية السعودية المزيد من القدرة على فرض شروطها، بالمقابل يجد نتنياهو نفسه مضطراً للعب على التوازنات للتوفيق بين ما تريده الولايات المتحدة من جهة وما يترتب عليه مصلحة إسرائيل، وبين شركائه من اليمين المتطرف، الذين ما زالوا يصرون أن الفرصة متاحة أمام إسرائيل للتوسع وفرض إرادتها على الجميع بالقوة، رغم التحذيرات من خطورة ذلك.

الاستنتاجات:

ـ صمدت الاتفاقيات الموقعة منذ 2020 دون انضمام دول عربية جديدة ودون انسحاب الموقّعين، لكن زخم التوسيع تراجع بشدة بعد 7 أكتوبر 2023 مع اتساع ساحات القتال وتزايد الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب.

ـ  اختلفت دوافع الاتفاقيات الجديدة عن تلك التي وقعتها إسرائيل سابقا مع كل من مصر والأردن، وتمثلت بردع إيران وكسر عزلة إسرائيل، فيما ربطت السعودية التطبيع بتقدم جاد نحو حل الدولتين، ما أبقى مسار التوسيع رهينة للملف الفلسطيني.

ـ اقتصادياً، استمرت المنافع بين إسرائيل والإمارات (تجارة بنحو 3.2 مليار دولار في 2024)، لكن التوترات انعكست ميدانيا ودبلوماسيا (مثل تقييد مشاركة شركات دفاع إسرائيلية وانتقادات للضم) بما يهدد الاستمرارية إن تصاعدت الأحداث.

ـ خطوات إسرائيلية باتجاه الضم، واتساع العمل العسكري في لبنان وسوريا واليمن وإيران، كلها تحركات من شأنها تقويض قابلية دول أخرى على التطبيع في القريب المنظور، رغم محاولات أمريكية لإحياء المسار وربطه بأطر أمنية إقليمية.

ـ مشاريع التكامل الكبرى (مثل IMEC) واعدة لكنها تواجه فجوة تمويلية ومخاطر جيوسياسية وثغرات حوكمة وتنسيق، ما يجعل أي دفعة جديدة للتطبيع مرهونة بتهدئة إقليمية وتقدّم ملموس في المسار الفلسطيني.

المصادر:

  • موقع (washington institute) في  3 أكتوبر 2025
  • موقع (Jewish News Syndicate) في 24 اكتوبر 2025
  • موقع (presstv) في 28 أكتوبر 2025
  • موقع (atlantic council) في 27 أغسطس 2025
  • شبكة (European Leadership Network) في
  • موقع (ELNET Germany) في 20 اكتوبر 2025
زر الذهاب إلى الأعلى