تركيا تقرع طبول الحرب.. تصعيد عسكري يخلط الأوراق في الشمال السوري

مع اقتراب موعد لقاء الرئيسين الأمريكي “جو بايدن”، والتركي “رجب طيّب إردوغان” أواخر شهر تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، تزداد سخونة الأوضاع في الشمال السوري، إذ تبدو المنطقة مقبلة على تطوّرات ميدانية ربّما تعيد رسم خارطة النفوذ فيها.

وبينما تؤكد مصادر أن أنقرة تتحضر لشن عمل عسكري جديد ضد قوات سوريا الديمقراطية، بعدما فشلت محادثات متعلقة بالأمر مع الولايات المتحدة وروسيا، وسط تهديدات باستخدام المدفعية الثقيلة لمواجهة قوات النظام السوري في إدلب، يقول مراقبون إن المؤشّرات الظاهرة إلى الآن، تؤكد أن التهديدات والاستعدادات التركية ليست أكثر من بحث عن مقايضة، مشيرين إلى أن أنقرة لن تمانع، في ظلّ الإصرار الروسي – السوري على بدء عملية في إدلب، رفع يدها عن طريق “إم 4″، لكنها تريد في مقابل ذلك تعويضاً يمكن “إردوغان” تصديره في الداخل كـ”إنجاز”.

مؤشرات تنذر بمواجهة

هدد الرئيس التركي “رجب طيب إردوغان”، يوم أمس الخميس، باستخدام الأسلحة الثقيلة، للرد على الضربات العسكرية التي تشنها قوات النظام السوري على محافظة إدلب شمال غربي البلاد، إذ قال في تصريحات للصحافيين المرافقين له خلال عودته من جولة في أفريقيا، إنه لا يجوز ترك الأمور في إدلب تأخذ مجراها دون تدخل، مضيفا أنه “لا نعتزم التراجع، ونواصل هذه العملية في سوريا. لا أعرف الآن ما هو الموقف الذي سيتخذه النظام، غير أننا نواصل فعل كل ما يلزم، لا سيما فيما يخص التطورات في إدلب، والرد بالأسلحة الثقيلة”.

وكانت قيادة القوات التركية في سوريا، قد طلبت الأسبوع الماضي، من الفصائل الموالية لأنقرة رفع جاهزيتها والتأهب التام والاستعداد لأي احتمال، في ظل حديث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن اقتراب موعد معركة ضد “الإرهابيين” شمال سوريا في إشارة إلى قوات سوريا الديمقرطية “قسد”.

بالإضافة إلى ذلك، تلقى البرلمان التركي، الأربعاء مذكرة من رئاسة الجمهورية، تطلب فيها تمديد الصلاحية الممنوحة لرئيس الجمهورية بشأن تكليف الجيش تنفيذ عمليات عسكرية في سوريا والعراق لمدة عامين اعتباراً من 30 أكتوبر الحالي، بدعوى التصاعد المستمر في المخاطر والتهديدات للأمن القومي، التي تحملها التطورات والصراع المستمر في المناطق المتاخمة للحدود البرية الجنوبية لتركيا.

ويوم أمس الخميس، قالت مصادر محلية إن “رتلًا ضخمًا للجيش التركي، دخل من معبر كفرلوسين العسكري، ضم آليات ومصفحات عسكرية ثقيلة وكتل إسمنتية بالإضافة لمعدات لوجستية، مشيرة إلى أن “الرتل توجه الى منطقة جبل الزاوية جنوبي إدلب”.

في معرض تعليقه على التطورات الأخيرة، يؤكد المحلل السياسي “خلدون الحمادي”، أنه لا يستبعد حدوث مناوشات خفيفة بين قوات النظام السوري والقوات التركية والفصائل الموالية لها في إدلب تحديدا، لكنه يرى أن تلك المناوشات لن تصل إلى مرحلة المواجهة العسكرية التي قد تضطر أنقرة لتركيز قواها في المحافظة، مشيرا إلى أن الهدف التركي من كل التصريحات والاستعدادات هو إجبار الجانب الروسي على المقايضة بين طريق “إم 4″، ومناطق أخرى خاضعة لقوات سورية الديمقراطية “قسد”.

كما يرى “الحمادي” أن التصعيد من قبل النظام السوري، ينذر باحتمال انهيار نظام وقف إطلاق النار بشكل غير مسبوق، أي بما يشمل جميع مناطق سيطرة المعارضة السورية، معتبرا أن الوجود العسكري التركي في شمال سوريا، أضحى هدفًا لتصعيد عسكري مضاد من أكثر من جهة بشكل متزامن خلال الأشهر الأخيرة، وهذا ما سيدفع أنقرة للرد على أي استهداف لقواتها، لحفظ ماء الوجه على الأقل، بدليل أنها اختارت مبدأ “الهجوم خير وسيلة للدفاع”.

وكانت الهجمات أكثر كثافة في محيط محافظة إدلب حيث تتمركز الفصائل المسلحة التابعة لتركيا وخاصة هيئة تحرير الشام إذ اتجه الجيش السوري والقوات الروسية إلى تكثيف هجماتهم في محيط إدلب منذ أشهر، وزادت هذه الهجمات بشكل مطرد خلال الشهرين الأخيرين باستهداف التمركزات التركية في جنوب المحافظة، وخاصة عند جبل الزاوية، وسط مؤشرات على إقدام الجيش السوري وروسيا على شن عملية واسعة للسيطرة على بعض المدن الجديدة في محيط إدلب وبسط السيطرة على الطريق الدولي حلب-اللاذقية “إم 4”.

وكانت تركيا قد توصلت مع روسيا في مارس 2020، إلى اتفاق بشأن خفض التصعيد في شمال سوريا، إلا أن مراقبين يشككون في صمود هذا الاتفاق لأن الوقائع على الأرض لا تعكس ذلك.

وتصاعدت التصريحات التركية في الفترة الأخيرة بشأن احتمالات القيام بعملية عسكرية جديدة تستهدف “قسد” في شمال سوريا، بعد تعرض القوات التركية لعدد من الهجمات مؤخراً راح ضحيتها جندي واثنان من عناصر شرطة العمليات الخاصة في مارع شمال حلب، ضمن المنطقة المعروفة بـ”درع الفرات”، الخاضعة لسيطرة القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها.

يذكر أن أنقرة اتهمت الولايات المتحدة وروسيا بعدم الوفاء بالتزاماتهما بموجب الاتفاقات المتعلقة بإبعاد الوحدات الكردية عن حدود تركيا الجنوبية لمسافة 30 كيلومتراً، فضلاً عن تزويد واشنطن الوحدات الكردية بالسلاح، وحملتهما جانباً من المسؤولية عن الهجمات التي تستهدف قواتها في شمال سوريا.

ضغط متبادل لتحقيق الأهداف

ترمي التحركات الميدانية والتصريحات الرسمية التركية حول احتمالات شن عملية عسكرية جديدة في شمال سوريا إلى تحقيق عدد من الأهداف، أهمها تخفيف الضغط على إدلب، حسبما يرى الباحث في الشأن التركي، “عبد الله البكور”، الذي يؤكد لمرصد “مينا” أن روسيا تضغط منذ فترة طويلة على تركيا لتنفيذ تعهداتها بإخراج الفصائل المسلحة وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام من إدلب، وهو أحد الأمور الذي تعهدت بها تركيا بموجب اتفاق سوتشي.

ويضيف “البكور”، أنه “نتيجة تزايد الضغط الروسي عسكريًا وسياسيًا على تركيا لتنفيذ تعهداتها، تلوح أنقرة بعملية عسكرية، لتخفيف هذه الضغوط، وإرجاء مسألة إخراج الجماعات من إدلب إلى تفاهمات لاحقة مع موسكو، معتبرا أن التصعيد الروسي- السوري في إدلب هو أيضا للضغط على تركيا لتنفيذ تعهداتها.

بالإضافة إلى ذلك، يرى “البكور” أن تهديدات أردوغان باستخدام المدفعية لمواجهة قوات النظام السوري، ليست أكثر ورقة للتفاوض، تهدف أنقرة من خلالها بالضغط على موسكو لإخلاء الشريط الحدودي بعمق 30 وإبعاد القوات الكردية، مقابل السماح لقوات النظام بالسيطرة على بعض الأجزاء من الطرق الدولي حلب-اللاذقية “إم 4” الذي يعد شريانًا تجاريًا مهمًا لكل من روسيا والنظام السوري.

يشار إلى أن نائب وزير الخارجية الروسي “ميخائيل بوغدانوف”، قال في تصريحات صحفية أمس الخميس، إن موسكو “تعارض تجدد أي أعمال قتالية في سوريا”، مؤكدا استعداد بلاده لتولي دور الوسيط بغية تفادي إطلاق تركيا عملية عسكرية جديدة في الشمال السوري.

وأشار الدبلوماسي إلى وجود صيغ قد أكدت فعاليتها للتشاور والتنسيق واتصالات سياسية وعسكرية بين موسكو وأنقرة، مذكرا بأن روسيا وتركيا وكذلك إيران ضمن إطار صيغة أستانة تتحمل المسؤولية عن ضمان سريان نظام وقف إطلاق النار في “عموم الأراضي السورية بما يشمل كافة مكونات هذا الوضع”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.