تطرف الإسلامويين بين نسبية النص الديني وسكونية الرؤية

يدلُّ مفهوم التطرّف لغوياً على معنى الابتعاد إلى الطرف الآخر، ونقول: “تطرّف في أفكاره”، أي إنه تجاوز حدّ الاعتدال، والحدود المقبولة. وحين نقول: “التطرّف” فنحن نعني لغوياً “المغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية، وهو أسلوبٌ خطِرٌ مُدمّرٌ للفرد أو الجماعة”(1).

إن اللجوء إلى التطرّف الفكري يقف خلفه عجزٌ فكري في إدراك البنية الاجتماعية القائمة عبر صيرورتها. ولفهم هذا التطرف الفكري لدى جماعات إسلامية، سنحاول إضاءة مفهوم التطرّف في النص الديني، وإضاءة قواعد ومرتكزات هذا التطرّف سياسياً واجتماعياً إلى الدرجة التي يتفارق فيها فهم النص الديني عن نسبية الواقع.

مفهوم التطرّف وقاعدته:

التطرّف في أمرٍ ما هو الخروج على قواعده وقيمه ومعاييره السلوكية، وهو يعبّر عن عزلةٍ عن الجماعة البشرية، وانقطاع عن نظامها الاجتماعي الذي يتغيّر مع تغيّر البنى الاجتماعية في صيرورة التطور العام. ولهذا يمكن القول: “إن الفكر المتطرّف شأنه شأن أي نسق معرفي، هو ظاهرة اجتماعية تتأثر وتؤثر في غيرها من ظواهر مرتبطة إلى حدٍ كبير بالظروف التاريخية والسياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وغيرها من ظروف يتوفر لها المجتمع”(2).

ويمكن عدّ التطرّف، بأنه اتخاذ الفرد أو الجماعة قراراً، يتّسمُ بالتشدّد والقطيعة في استجاباته للمواقف الاجتماعية المتوفرة في بيئته، وهذا ينقل الأمر من مجرد تفكير إلى مستوى سلوكٍ ظاهري، أو عمل سياسي، يلجأ عادة إلى استخدام العنف (violence)، وهو في هذه الحالة يشكّل تكثيفاً للجمود الفكري والانغلاق العقلي.

ووفق هذه الرؤية، يمكن القول: إن التطرّف أسلوب مغلقٌ للتفكير إذ يتسم بعدم القدرة على تقبّل أية معتقدات، تختلف عن معتقدات الشخص أو الجماعة، أو على التسامح معها. ولا يمكن الركون والتماهي مع حالة الانغلاق (التطرّف) إلّا في توفر شروطٍ فكريةٍ، تذهب إلى الاعتقاد بأنّ ما نؤمن به من فكرٍ واعتقادات هو صادق بالمطلق، لأنه ناتج عن “نصٍ أبدي”، وما دام النص أبدياً فهو مقدسٌ، لأننا نعرف أن لا مقدّس إلّا الله الأزلي الأبدي.

وعليه، فمعتقدنا المشتقّ من النص الإلهي، هو معتقد صالح لكلّ الأزمنة والأمكنة، فكيف إذاً نلجأ إلى الجدال مع النص الإلهي، في محاولة مقاربةٍ له، ونحن لسنا أكثر من مخلوقات خلقها الله؟! وهل يتساوى الخالق بالخلق؟ ولهذا لا يمكن للمتطرّف معرفة الكون والحياة خارج اعتقاده الديني هذا، وكلُّ انزياح عن هذا الفهم هو خروج عن المعتقد الديني، وبالتالي يجب رفضه وإدانته ومواجهته باستخدام القوة، لمنع هذا الانزياح.

 ولكن، يمكن ملاحظة أن التطرف يدخل في علاقة مع الاعتدال العام، فكلاهما يرتبط بالمتغيرات الناتجة عن تطور الحياة بأنساقها المختلفة، وتحديداً أنساقها الدينية والسياسية والثقافية، إضافة إلى أهمية النسق الاقتصادي كنسقٍ حاسمٍ في التطور العام. لذلك نجد أنّ تحديد التطرف كاتجاه عقلي، سيكشف بالضرورة التباين العميق بين بنية وعي الفرد وتغيّر البنى الاجتماعية في حركتها وصيرورتها، وهو ما يمكن فهمه على أن الفرد المتطرّف في هذه الحالة يحيا قطيعةً ما مع فعاليات التغيّر الاجتماعي، بسبب معتقده المرتكز على جمودٍ عقائدي، وبالتالي سيكون في حالةٍ نفسيةٍ فكريّةٍ تسمّى التعصّب (prejudice).

إنّ “التطرّف الديني هو أحد أنماط التفكير الديني، الذي يتجه إلى التصلّب على قيمه ومعاييره وممارساته ضدّ المجتمع والعالم”(3). وهو مُولّد ومُنتج لنمط التفكير الرافض للآخر، إذ يمكن الدلالة على الرفض من خلال الإقصاء، الذي قد يأتي عبر العنف والإرهاب، وعبر مبرراتٍ ترتكز على النصّ الديني لإرضاخ الآخر المختلف.

هذه الحالة تدفعنا للسؤال عن الخصائص الإيديولوجية والسوسيولوجية للمتطرّف الديني. وبالتالي إلى ضرورة معرفة الشروط الاجتماعية والسياسية، التي تسمح بولادة التطرّف، ومعرفة الآليات الإيديولوجية، التي تشكّل وعي ومفاهيم التطرّف وتحدّد سلوكياته. لذلك يمكننا القول: إنّ “التطرّف ظاهرة مركّبة، لا تقبل الاختزال، ويتعذّر تفسيرها بعاملٍ وحيدٍ، ولا تُفهم إلّا بالنظر في أوجهها المختلفة، الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية”(4).

النصوص المرجعية المعتمدة في مفاهيم التطرّف الديني:

يمكن التساؤل عن العلاقة بين مفهوم التطرّف الديني (الإسلامي) وبين الأسطرة، أي علم الأساطير. فالتطرّف الديني يقوم على فهم النصّ الديني كنصٍ ثابت عبر الزمان والمكان، أي إنه نصٌ يحافظ على دلالاته رغم تغيّر شروط الحياة ببعديها الزماني والمكاني.

ولبيان العلاقة أكثر في احتمال وجودها، تُعدُّ “الميثولوجيا” أي علم الأساطير مصطلحاً منحدراً من اللغة اليونانية، وهو يتكوّن من قسمين اثنين هما ثيوس (إله)، ولوجوس (قول وكتابة). وبهذا يصير معنى ميثولوجي يدلّ على البحث عن الإله. أي ذلك العلم الذي يبحث عن الذات الإلهية وتجلياتها في الصفات المنبثقة عنها، بينما التطرّف يقوم على التسليم بثبات القول الإلهي، في وقتٍ تكون معه عجلة الحياة في تطور مستمر. وهذا يعني وجود العلاقة الثبات/النسبية. فكيف يمكن تثبيت الفكرة (النصّ) ضمن حركية الواقع وتغيّر عناصره.

التطرّف هنا يرتكز على الاعتراف بالثبات، وإنكار النسبية، وهو أمرٌ يخرج عن جوهر ما ذهب إليه النصّ الديني، الذي يقول بالعلاقة النسبية بين الأشياء، وهو ما يمكن اكتشافه عبر قوانين حركتها ووجودها.

إذاً عدم علميّة الذهن المتطرّف تكمن في أنَّها تتجاهل الحركيّة المستمرّة لحركة الكون بكل مكوناته، وهذا ما يجعل من الزمن عنصراً ميتاً خارج نسق الحياة. فإذا كان الزمن ميتاً أو ذا قيمة صفرٍ، أي لا قيمة له أمام النص الديني الثابت، فما مبررات نصٍ ثابتٍ لا زمن له. هذا هو المآل الطبيعي لذهنية التطرّف، التي تقول بصفرية الزمن. وبالتالي تثبيت النص خارج سياقات الحياة المتغيّرة، التي وضع الله لها نواميس حركتها وتغيّرها.

ولإجراء مقابلةٍ علميةٍ، نقول: نصٌّ ثابتٌ/حياةٌ متغيّرةٌ. إذاً هناك خلل في فهم هذه العلاقة، هذا الخلل لا يمكن أن يصدر عن إلهٍ عظيمٍ، خلق الكون، ووضع له قوانين حركته، فيأتي من يتجاهل هذه القوانين، ويقوم بتثبيت النصّ، لكي يعدم زمن التغيّر. زمن التغيّر هنا يعني بالضرورة كشفاً عن تغيّر البنى الاجتماعية بأنساقها المختلفة، وتحديداً السياسي والاقتصادي، وهذا يعني أنّ مقاومة تغيّر البنى تدفع إلى تثبيت نسقٍ سياسيٍ قائمٍ على هذا الثبات الوهمي.

هذا النمط من العلاقة سيقودنا إلى البحث عن العلاقة الجدلية التي يتوافق فيها السياسي مع الديني لاكتشاف صيرورة الحركة. ولكن لا يمكن إغفال هذه الجدلية بين الديني والسياسي في مراحل من تطور البنى يكون فيها الدين شكلاً إيديولوجياً معبّراً عن درجة التطور الاقتصادي والسياسي العام.

“إنّ فهم النصّ الديني، يتجاذبه اتجاهان، وهما، اتجاهٌ حرفيٌ، يقف عند ظاهر النصوص والمعاني اللفظية، واتجاه مقاصدي، يتحرّى مدلولات النصوص ومراميها وغاياتها، إذ تكون أهمية الفهم المقاصدي في الارتقاء بصاحبه إلى درجة التقليد والتلقين والاجتهاد في الفهم والتفسير، انطلاقاً من النصوص، واستناداً إلى التفكير العلمي السليم، واعتماداً على الأدلة، وتفاعلاً مع الوقائع التاريخية، واللحظة الحضارية”(5).

ولبيان أنّ التطرّف ليس جوهر الدين الإسلامي، يمكن الاستناد إلى آياتٍ قرآنيةٍ، تبيّن أنّ الإسلام يدعو إلى الوسطية في الحياة والتعامل، “وكذلك جعلناكم أمّةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس”(6).

القول الإلهي واضحٌ وجليٌ في هذه الآية. إذ ورد فعل جعل وهو بمعنى قطع في الأمر وصيّر، أي، إنّ الله صيّركم أمّةً وسطاً، فكيف إذاً يتولّد التطرّف والمغالاة؟! كذلك قال الله تعالى: “قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قومٍ قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السبيل”(7).

إذاً إنَّ النص الديني يدعو إلى عدم الغلو في الدين خارج الحق، فالغلو يدفع إلى ارتكاب الخروج عن طاعة الله، وممارسة الضلال، وهذا يعني ابتعاداً عن جوهر وروح الدين الإسلامي الوسطي.

وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: “إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين”(8). إذاً لا يمكن اتهام جوهر الدين الإسلامي بالغلو والتطرّف وهو يشير صراحةً إلى عدم اتباعهما! ولكنّ التطرف لدى بعض الجماعات الإسلامية، المتمثّل بالحركات الراديكالية، استند إلى نصوصٍ قرآنيةٍ، فسّرها وفق منطوقه العقلي بعيداً عن نسبية النصّ وضرورته. فالمتطرفون مثل داعش، استندت إلى قول الله:

“أُذنَ للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا، وإنّ الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلّا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقويٌ عزيز”(9).

هنا يحوّل الفكر المتطرّف الأمور النسبية إلى أمورٍ قطعية، ليس فيها سوى اتجاه واحد، يتركّز في نقطة التعصّب العضوي لدى المتطرّف. ولهذا نستطيع أن نعدَّ “المتطرّف شخصية ذات سلوكٍ مضطربٍ يعكس بنية نفسية تقوم على كراهية الآخر عند العجز عن فهمه أو تقبل وجهة نظره”(10).

إذاً يمكن الاستدلال على أن التطرّف لدى بعض الجماعات الإسلامية له عوامل بيئية، تشكّل أسباباً له، ومن هذه العوامل جهل الجماعات الإسلامية المتطرفة لطبيعة الدين، وكذلك ضيق أفقهم الفكري البعيد عن فهمٍ علميٍ لنسبية الأمور، فالمتطرّف يرفض التفكير، وبالتالي يهاجم العقل، ويلتصق بحرفيّة النصّ، وكأنّ الحياة ثابتةٌ عند مربعها الأول، في وقت نزول الرسالة على النبي محمّد (ص).

الالتصاق بحرفيّة النص يكشف عن خوفٍ من فكر الآخر، وفهم هذا الفكر، ولهذا يحتمي المتطرّف بأفكار السلف، وبراية الفرقة الناجية، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبتخليص المجتمع الإسلامي من البدع. ووسيلته في ذلك اللجوء إلى تكفير من يخرج عن هذا القياس، على أنهم ارتدّوا عن الإيمان، أو أنهم من أصحاب البدع، وهو يعني شكلاً من أشكال حماية الذات المغلقة.

الركائز السياسية والاجتماعية لمفاهيم التطرّف الديني:

التطرّف الديني هو محمولٌ فكري، يتأتى نتيجة ظروفٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وفكريةٍ، تتوفر عناصرها في المجتمع، وحين نتحدث عن ظروفٍ اجتماعية، فنحن نعني طبيعة المجتمع، وتركيب بناه الاجتماعية، ودرجة تطور هذه البنى اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. فالتطرّف أساساً يعتمد على عوامل بيئية موجودة، ترجع إلى التفاوت الفكري، وتحديداً على مستوى المذاهب الفكرية أو الدينية.

وإذا أردنا معرفة الركائز الاجتماعية للتطرّف الإسلامي في مجتمعاتنا العربية، علينا أن نضيء ثقافة الجماعات المكونة لهذه المجتمعات. وكذلك علينا معرفة درجة وعيها للدين التي تأتي أساساً من الفهم العلمي والعقلي له. وحين نقول الفهم العلمي والعقلي فنحن نناقش الشروط الموضوعية والذاتية، التي ارتكزت عليها الديانات، حين صارت تلبيةً لحاجات الناس، وتطور المجتمعات. وعليه يمكن فهم أسباب نشوء نزعاتٍ ونحلٍ إسلامية، تختلف في اتجاهاتها الدينية، فالتيار السلفي مثلاً “يهاجم العقل، وينفر من العلم، ويتمسك بما كان عليه السلف في كلّ شيء، انتصاراً للدين وخوفاً عليه من أفكار الأغيار”(11).

إن فهم كثيرٍ من النحل الدينية مثل النحل البابية التي أسسها علي محمد رضا الشيرازي عام 1259ه، أو البهائية التي أسسها ميرزا حسين علي محمد عام 1270ه، والأحمدية التي أسسها مرزا غلام أحمد القادياني عام 1318ه، وغيرها من النحل كالإخوان المسلمين، والتكفير والهجرة.. الخ. يتطلب فهم سياقها الفكري، وفهم الظروف الموضوعية التي نشأت في ظلها.

إن جميع النحل والحركات التي ذكرناها، تتفق على أن لدى كلٍ منها “فصل الخطاب”، وأنها جاءت بدعوتها لتكمل رسالة النبي محمّد (ص). وكلُّ واحدة منها تدّعي أنها الفرقة الناجية، وأن لا ولاء إلّا لله، وأن الانتماء للوطن أو العرق يقف خلفه الحكّام الطواغيت، وأن الإسلام دين ودولة، والدولة هي الخلافة الإسلامية، وأن المجتمع المدني دونهم كافر.

هنا نستطيع القول: إنّ “التطرّف الديني يرتبط بمعتقداتٍ وأفكارٍ بعيدة، عما هو معتاد ومتعارف عليه سياسياً واجتماعياً ودينياً دون أن ترتبط تلك المعتقدات والأفكار بسلوكيات مادية عنيفة في مواجهة المجتمع أو الدولة، أما إذا ارتبط التطرّف الديني بالعنف المادي أو التهديد بالعنف، فإنه يتحول إلى إرهاب”(12).

هذه الحالة يمكن وضعها على قاعدة التطرّف الإيديولوجي الذي يكون عادةً ظاهرةً معقّدةً. فهو عبارة عن معتقداتٍ ينتج عنها أنشطةٌ واتجاهاتٌ واستراتيجياتٌ، تتبناها الشخصية المتطرّفة، أو الجماعة المتطرّفة بطريقةٍ بعيدةٍ عن الأوضاع السائدة بين الناس.

ووفق هذه الرؤية، يمكن وسم المتطرّف بأنه حالة دوغمائية (Dogmatism)، أي إنه شخصّ يقبل الشيء قبولاً مطلقاً، أو يرفضه رفضاً مطلقاً، بغضّ النظر عن محتوى الشيء أو معقوليته. لذلك تعدُّ الدوغمائية إطاراً فكرياً يعبّر عن الاتجاهات المحافظة، التي تمتاز برفض التغيير، والركون إلى المألوف، والموروث، والتقليدي، في المواقف والسياسات والسلوك. وتظهر نتائج الدوغمائية من خلال الأصولية الدينية، ومن خلال المبالغة في معاقبة الآخر، وعدم التسامح مع المختلف، ورفض الحجج العلمية والعقلية.

إن مفاهيم التطرّف الديني الإسلامي وجدت تربتها الحقيقية في مراحل حدوث الانعطافات السياسية، أي في المراحل التي تفترض استجابة سياسيةً لمتغيراتٍ واقعيةٍ، تجري في الحياة والمجتمع.

وبما أن الدوغمائية حال سكونية فكرية، فأي مغادرة لها، هو خروج حقيقي من رحم الأمان الفكري والاجتماعي والسياسي ما يهدّد اعتقاد المتطرّف سواءٌ كان فرداً أم جماعةً.

التطرف الديني اغتراب عن نسبية الواقع:

ينشأ التطرّف الديني نتيجة لظروف عديدة، من هذه الظروف غياب المرجعية الدينية، وتراجع دورها في إصلاح المجتمع، فوجود هذه المرجعية الفاعلة، يضيّق هوّة الخلاف الفكري بين الاتجاهات المتعددة إلى حدٍ ما. ويعمل على وأد التطرّف الديني في مهده، أو التقليل من فعاليته الاجتماعية السلبية.

المرجعيات بالمعنى العام هي الجهات المخوّلة بتصحيح المفاهيم والأفكار والاعتقادات، التي تشكّل قاعدةً للتطرّف. ولهذا وبما أنَّ التطرّف حالة ثباتٍ فكريّ، ينتج عنها سلوك عنفي، قد يصل إلى درجة الإرهاب، فإن المقابل الموضوعي لهذا التطرّف هو تبديد حالة الثبات الفكريّ، عبر وضع النصّ الديني في سياقه الموضوعي أي عدم أخذه وكأنه قيمة فكريّة ثابتة، لا تخضع لشروط حركة الزمن، وتغيّر الأشياء نتيجة هذه الحركة.

وللكشف عن ثبات الفكر لدى المتطرّف وانغلاقه، يمكن ملاحظة ذلك، من خلال محاولته إخضاع الظروف الحالية المعاصرة، لزمنٍ آخر هو زمن نزول النصّ الذي يبعد زمنياً نحو ألفٍ وأربعمئة سنة إلى الخلف من اللحظة الراهنة.

التطرّف يتسلح بأفكارٍ وهميةٍ عن الأصالة والرجوع إلى السلف الصالح، بمعنىً آخر، يعمل التطرّف على أخذ المجتمع من زمنه الحاضر بشروطه السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعبّر عن درجة تطوره، ووضعه في زمنٍ ماضٍ كانت له شروطٌ خاصة، تعبّر عن درجة تطوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي. هذا الفهم يُراد منه إثبات مقولة أن السلف الصالح في ذلك الزمن هو المرجعية الدائمة. إن هذه المقولة تعني نقل زمننا بشروطه الخاصة ودرجة تطوره إلى زمنٍ آخر أقل تطوراً وبشروط كانت تحكمه. وهذا جهل علمي، واغتراب يمارسه الفكر المتطرّف. فالتطرّف هنا يغيّب النقد الفكري، وتحليل الظاهرات، ويمتنع عن استخدام القوانين العلمية للتمييز بين الأمور، ومن ضمنها الحق والباطل، والفقر والجهل والأمية التي في مجموعها تلعب دوراً في ولادة ظاهرة التطرّف.

إن اغتراب التطرّف الديني لدى الجماعات الإسلامية المتطرفة عن نسبية الواقع، تقف خلفها عوامل متعددة، أهمها وجود أنظمة حكم قمعية متطرفة، تمارس العنف، وهذا ما يدفع إلى التطرّف والتعصّب من خلال ادعاء الجهة المتطرّفة، أنها صاحبة الحق المطلق. هذا الانحراف يُبنى على غياب معايير العدالة والعقلانية، ويتخذ من مفهوم التعصّب لفكر السلف الديني أداةً لرفض أي مفهومٍ خارج سياق فهمه الديني السلفي.

ولكن في هذه الحالة، تتكشّف حالة الجهل بالدين وأصوله وقواعده ومقاصده، فالدين في حالته الأولى يكون متلائماً مع درجة التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تلك الشروط كانت متوفرة في مرحلة من مراحل تطور المجتمع العربي، ولكنها شروط لم تعد تتوفر في المراحل اللاحقة.

وهنا يمكننا طرح السؤال حول الأسباب الحقيقية المولّدة للتطرّف إذ يمكننا القول:

“يعدُّ التطرّف ظاهرةً معقّدة ومتشابكةٌ، تشترك في بروزها في المجتمع عواملُ وأسبابٌ عدّة، حيث تتداخل العوامل الشخصيّة والنفسيّة مع الثقافية والسياسية والاقتصادية، لتشكّل ظاهرة التطرّف والإرهاب، التي تحقّق أهدافها بممارسة العنف والقتل، وتحسم خلافاتها بإلغاء الآخر وإقصائه من الوجود”(13).

وفي هذا الاتجاه انعقد في العاصمة السعودية الرياض مؤتمرٌ لمكافحة الإرهاب عام 2005م، وقد بيّنت نتائج ذلك المؤتمر، أنّ الأسباب الرئيسة للإرهاب، تتمثّل بعوامل محددة، ذات طابع سياسي واقتصادي وحقوقي، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب “الفقر المدقع، والنظام والهيكل الاجتماعي غير العادل، والفساد، والاحتلال الأجنبي، والاستغلال الشديد، والتطرّف الديني، والانتهاك المنتظم لحقوق الإنسان، والتهميش الاقتصادي، والاستلاب الثقافي نتيجة العولمة”(14).

تفكيك ذهنية التطرّف الديني:

يجد التطرّف الديني تربةً خصبةً له في الدول والمجتمعات التي تتعرّض لصراعات داخلية، هذه الصراعات تؤدي إلى ظهور تنظيماتٍ مسلّحةٍ، تتخذ من الدين الإسلامي ستاراً، وترتكب أبشع الجرائم بقتل الناس وفقاً لمقاييسها الشكلية، التي تدعي أنها روح الدين الإسلامي.

إنّ هذه التيارات الدينية المتطرّفة تقيم خطابها الفكري والسياسي على رفض الصورة الجديدة للمجتمعات الحديثة، التي تأخذ بمنهج المدنية الواضحة. فهذه المدنية تُعدُّ فساداً أخلاقياً، وتفكيكاً لبنى المجتمع، وتحديداً تفكيك الأسرة. ولذلك فهم يعتقدون أن هذه المدنية تكرّس فردية الإنسان، وتدفعه لإشباع رغباته وميوله، حتى لو كانت على حساب الأخلاق الدينية والفضائل الإسلامية.

هذه الرؤية والاعتقاد يولدان ثقافة التكفير، وهي ثقافة خطيرة لها جذور في تاريخ الفكر الإسلامي منذ مراحله الأولى، وتحديداً مرحلة الخوارج.

ولمواجهة هذه الذهنية المتطرّفة، يجب أن يكون هناك تصورٌ واضحٌ لبرنامج عملٍ قريبٍ واستراتيجي، يعمل على حلّ المشاكل المولّدة للتطرّف. ولعلّ أهم هذه المشاكل التي تحتاج إلى حلٍ هي مشكلة البطالة والفقر، وتطوير التعليم، وتنمية القدرات الفكرية، وإتاحة المجال أمام الأفراد للمشاركة في صناعة قرارات مستقبل بلادهم.

ولكن المطلوب أكثر من ذلك، هو تجديد الخطاب الديني، ولا نقصد بذلك تغيير معالم الدين، بل أن يكون الخطاب الديني ملبيّاً لحاجات التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وهذا يدفعنا إلى جعل الخطاب الديني خطاباً لا يغترب عن ثوابته الإسلامية، والاعتراف بمحدودية العقل البشري، ومراعاة الاختصاص الفكري بشكلٍ موضوعي.

تفكيك ذهنية التطرف الديني، تتعلق بالكشف عن الخلل، الذي يتحكّم بطريقة ربط الخطاب الديني مع نصوص الدين وجوهر عقائده، وذلك من خلال أن يكون هذا الخطاب منفتحاً على واقع الحياة المعاصرة بأسلوب متجدد، يرتكز على احترام الثقافات الأخرى، والدخول معها بحوارٍ فكريٍّ بنّاء. وهذا يتطلب الاعتراف بالتعدد الديني القائم على رفض تحطيم فكرة الانتماء الوطني، والذهاب إلى فكرة الانتماء إلى الجماعة، التي تتكثّف كحالٍ منعزلة عن الواقع، كذلك نجد دائماً أن العامل الاقتصادي عامل حاسم في توليد التطرّف أو منع ظهوره، وهذا يتعلّق بضرورة وجود تنميةٍ اقتصادية، تُغلقُ المنافذ التي يتسلّل منها التطرّف، ويمكننا الاعتراف أنّ” هناك علاقة عكسيّة بين التنمية الاقتصادية والعنف، أي كلُّما تزايدت مظاهر الإصلاح الاقتصادي، انحسرت مظاهر العنف السياسي ومعدلاته.15

الخاتمة:

إن تفكيك التطرّف يحتاج بالضرورة إلى تفكيك الأسباب المولّدة له، أو الشروط الاقتصادية والسياسية والفكرية التي تساعد على ولادته، وهذا يتطلّب رؤية وطنية واسعة، تضيق فيها مساحات الانتماء للجماعة الدينية لمصلحة الانتماء للجماعة الوطنية الجامعة.


المراجع:

  1. Almaany.com/ar/dict/ar-ar تطرّف
  2. moqatel.com/openshare/behoth/mmfsia15/extremity/sec01.doc_cvthtm مفهوم التطرّف
  3. https://www.mominoon.com/pdfl/2017-8/mollakhassat+pdf 25-26 نوفمبر2011 صالون جدل الثقافي – الرباط – المغرب
  4. المصدر السابق رقم 3
  5. https://ar.lemaghreb.tn صفاقس: ندوة علمية حول أهمية الفهم المقاصدي للنص الديني في مقاومة التطرّف 15/4/2019 منصف الكريمي
  6. سورة البقرة الآية 143 قرآن كريم
  7. سورة المائدة الآية 77 قرآن كريم
  8. https://library.islamweb.net/newlibrary/displayumma.php?/ang التطرف بين الحقيقة والاتهام
  9. سورة الحج الآيتان 39 – 40 قرآن كريم
  10. https://www.mominoun.com/articles/5615 عصمت نصار: التطرف الديني يضع الهوية الإسلامية كقربان على مذبح ديونيسيوس عيضان السيد علي 27 يناير 2018
  11. المصدر السابق نفسه
  12. edvc.vob.edu.ly/assets/uploadslpagedownloads/687da-28-4.pdf المجلة الليبية العالمية العدد الثامن والعشرون 25 سبتمبر 2017 التطرف والتعصب الديني أسبابه والعوامل المؤدية إليه. د. اسماعيل صديق عثمان
  13. com/article/697668.hym الأسباب الداخلية للإرهاب والعنف والتطرف. د. هناء الصديق القلال 13/2/2015
  14. المصدر السابق
  15. https://www.diwanalarab.com/spip.php?.article51146 15 تشرين الثاني نوفمبر 2018 عادل تامر.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.