تغوّل في السلطة.. هل تسحب الثقة من الغنوشي؟

تونس

أقر مكتب البرلمان التونسي، مساء أمس الجمعة، عقد جلسة عامة الخميس المقبل، للتصويت على سحب الثقة من رئيس البرلمان “راشد الغنوشي”، بناء على لائحة مقدمة من 4 كتل نيابية.

وقال “الغنوشي” في تصريح إعلامي، عقب اجتماع للمكتب بمقر البرلمان، إنه واثق من أنها ستكون لحظة لتجديد الثقة به كرئيس للبرلمان وإعادة تزكيته. وأضاف: “لم آتِ على ظهر دبابة لرئاسة البرلمان بل جئت بالانتخاب، ولست منزعجا من سحب الثقة مني، لذلك قبلنا إعادة اختبار الثقة”.

“الغنوشي” أكد: آنه تجاوز الاعتراضات الشكلية التي تحتوي عليها اللائحة وهي كثيرة، وكان من الممكن إسقاطها شكلا في اجتماع المكتب، ولهم الأغلبية لذلك. لكنه قبل التحدي احتراما لإرادة 73 نائبا الذين تقدموا باللائحة (من إجمالي 217)، وهذا عدد ليس قليلا، واحتراما للديمقراطية التونسية . وكرر “الغنوشي” في مناسبتين العدد 73 وكان واضحًا استثناؤه لـ16 نائبًا انضموا للائحة سحب الثقة وهم من نواب الحزب الدستوري الحر، إذ لم يشر لهم.

وقال: انهم “متفائلون بمستقبل تونس ما دام الشعب هو السيد وهو الذي ينتخب، والبرلمان هو السلطة العليا في البلاد قائمة على الديمقراطية وعلى نظام تعددي”.

استحالة تسيير البرلمان

وبغض النظر عما ستفرزه الجلسة العامة في علاقة بلائحة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب، فإنه لا يختلف اثنان اليوم حول استحالة استكمال رئيس مجلس نواب الشعب “راشد الغنوشي” إدارة شؤون مجلس نواب الشعب وتسيير دواليبه في ظروف عادية، خاصة وأن أكثر من تسعين نائبا من مجموع مائتين وسبعة عشر معارضين له وعبروا عن رغبتهم في سحب الثقة منه واستبداله بشخصية تحظى بالإجماع والتوافق.

ان بحث “راشد الغنوشي” على التغوّل في السلطة وتوسيع موقع حركة النهضة وطنيا وإقليميا ساهم بشكل مباشر في تغذية الصراع مع رئيس الجمهورية “قيس سعيّد” حول عديد المسائل منها الدبلوماسية و”الزعاماتية”، إضافة الى محاولة “الغنوشي” وبشهادة أغلب النواب الاستحواذ على إدارة المجلس وتحويل السلطة التشريعية الى سلطة أحادية يتحكم فيها رئيس المجلس في تجاوز للأعراف وللنظام الداخلي لمجلس نواب الشعب.

واذا ما استبعدنا فرضية حل مجلس نواب الشعب من قبل رئيس الجمهورية قيّس سعيّد الذي اعتبر في آخر لقاء له مع رئيس البرلمان راشد الغنوشي ونائبيه “أن البرلمان صار يعيش حالة من الفوضى ولا أحد يقبل بها.. والوسائل القانونية المتاحة في الدستور متاحة لدي اليوم وهى كالصواريخ على المنصات ولكن لا أريد اللجوء اليها…” فان استقالة الغنوشي اليوم من رئاسة البرلمان باتت ضرورية لاستكمال السلطة التشريعية عملها في ظروف طبيعية والابتعاد عن حالة الفوضى والصراعات الحزبية داخل البرلمان حول مسائل تسيريه لا تهم الشعب الذي انتخب هذا المجلس في شيء.

فحتى في حالة فشل التصويت بالإجماع على لائحة سحب الثقة في الجلسة العامة المنتظرة خلال الأيام القادمة فمن الحكمة اليوم أن يفكّر الأستاذ راشد الغنوشي في الاستقالة من رئاسة المجلس نظرا لعدة عوامل أبرزها كثرة معارضي مجلس النوّاب لراشد الغنوشي من مختلف الكتل داخل البرلمان ومن الأحزاب خارجه.

بالإضافة الى تقلّص شعبية الغنوشي لدى فئة واسعة من الشعب التونسي نتيجة عدم تحكمه في سير دواليب السلطة التشريعية وساهم بطريقة غير مباشرة في استفحال ظاهرة العنف والفوضى داخل البرلمان وهي سابقة في تاريخ تونس.

وآخر الاسباب هو عدم استطاعة “الغنوشي” مستقبلا إدارة البرلمان حتى في صورة اسقاط لائحة سحب الثقة في الجلسة العامة وذلك لفقدانه ثقة الأغلبية ولاهتزاز صورته الاعتبارية في المشهد السياسي وداخل البرلمان وفقدانه السيطرة والتحكم في السير العادي للبرلمان وادارة أشغاله.

إن تجاوز تعطيل المؤسسة الدستورية وفق عديد المتابعين للشأن البرلماني وللمشهد السياسي ينطلق باستقالة “راشد الغنوشي” من رئاسة المجلس وبالبحث عن شخصية اعتبارية تحظى بإجماع الكتل البرلمانية وتكون قادرة على التجميع لا التفريق.

الغنوشي سبب الأزمة

ويُعطي الفصل 51 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي إمكانية سحب الثقة من رئيسه أو أحد نائبيه بموافقة الأغلبية المطلقة (50%+1) من أعضاء المجلس، بناء على طلب كتابي معلل يقدم لمكتب المجلس من ثلث الأعضاء على الأقل، ما يعني أن هذه اللائحة تحتاج إلى 109 أصوات للمُصادقة عليها.

وحول هذه المسالة أكد النائب “وليد جلاد” عن حركة تحيا تونس ان لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي ستمر بأكثر من 109 أصوات بكثير.

واعتبر “وليد الجلاد”، أن “الغنوشي” عاجز عن تسيير البرلمان وغير قادر على تنظيم حوار بين الفرقاء في المجلس، موضحا أن رئاسة البرلمان يجب أن تؤول لشخصية جامعة. وقال المتحدث أن السبب الرئيسي للأزمة التي يعيشها البرلمان هو رئاسة راشد الغنوشي له.

من جهته، أكد “حسونة الناصفي” رئيس كتلة الإصلاح الوطني، ان اللاحة بينت الأسباب التي دفعت الى طلب سحب الثقة من الغنوشي وهي سوء ادارته للجلسات وعلاقاته المتوترة جدا مع رؤساء الكتل ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية وسوء أداء مكتب المجلس الذي تجاوز أحكام القانون ويشرع لخرق النظام الداخلي وزج مجلس نواب الشعب في علاقات خارجية لا علاقة له بها وسوء علاقة رئيس البرلمان برؤساء الكتل.

وأضاف “الناصفي”، أن الغنوشي لم يقم بشيء ليخفف من حدة الاحتقان داخل البرلمان ولم يكن محايدا في التصويت في مكتب المجلس وهو يصطف مع مجموعة ضد مجموعة و لم يعين معه مستشارين يساعدونه في تخفيف الازمة السياسية بل ان كل تعييناته لم تخرج من دائرة الاصطفاف السياسي و عمقت الازمة أكثر.

قلب تونس قد يحسم المسالة

وعموما يعتبر المشهد البرلماني متحركا ما يصعّب راهنا التكهن بحصول اللائحة على 109 أصوات من عدمه، خاصة وان قلب تونس تحول بكتلته النيابية إلى بيضة القبان فان مال إلى الطرف هنا سيكون للائحة الأغلبية المطلوبة وان بقي في تحالفه المشبوه مع النهضة فإنها لن تمر باعتبار أن التجربة أثبتت سرعة تغير مواقف النواب والكتل البرلمانية.

كما أن ارتباط المسارين البرلماني والحكومي سيكون له دوره في تحديد مسار اللائحة إما نحو المرور أو السقوط وذلك وفق الصفقات والمقايضات التي يمكن أن تحصل في علاقة بطبيعة الحكومة وتركيبتها وفي علاقة بحصول كتل برلمانية وأحزاب على مناصب في الحكومة القادمة.

وبالتالي تبقى كل الاحتمالات مفتوحة وتبقى كل السيناريوهات ممكنة بما فيها المفاجآت الأخيرة مثل تعثّر تشكيل الحكومة والاتفاق على رئيسها إلى جانب فشل النهضة في إيجاد مقايضات أو تفاهمات لإنقاذ الغنوشي ليكون رئيس الجمهورية أمام خيار حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©