تقدير موقف: عودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري

Image: AFP via Getty Images

تمهيد:

بعد أشهر من التمهيد وعشرة سنوات من القطيعة، قرّرت حركة حماس رسمياً إعادة علاقاتها الكاملة مع النظام السوري، الأمر الذي فجّر موجة غضب واسعة تجاه الحركة، خاصة من قاعدتها الشعبية ومناصري الثورة السورية الذين اعتبروا أنها خطوة غير مبررة، ولا تفيد الفلسطينيين، إنما تدور في ظل الحليف الإيراني.

وجاء إعلان “حماس” التي هي جزء لا يتجزّأ من تنظيم الإخوان المسلمين في العالم، عودة علاقاتها مع نظام بشار الأسد خلال وجود رئيسها إسماعيل هنية رفقة أعضاء من المكتب السياسي (أعلى سلطة في الحركة) في العاصمة الروسية موسكو التي كانت أحد الوسطاء الذين تدخلوا لاستئناف العلاقات بين الطرفين، إلى جانب وساطة “حزب الله” اللبناني، الموالي لإيران، والذي أعلن أمينه العام حسن نصر الله، منذ وقت ليس ببعيد، أنه “مهتم شخصيًا بتسوية العلاقة بين (حماس) وسوريا”.

وقالت الحركة في بيانها الخميس 15 سبتمبر إن “حماس تؤكد على مُضيّها في بناء وتطوير علاقات راسخة مع الجمهورية العربية السورية، في إطار قرارها باستئناف علاقتها مع سورية الشقيقة”. وبررت الحركة استئناف العلاقات بأنه “خدمة لأمتنا وقضاياها العادلة، وفي القلب منها قضية فلسطين، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تحيط بقضيتنا وأمتنا”.

وأعربت في لغة أشبه بالاعتذار عن تقديرها لسورية “قيادة وشعباً”، مشيرة إلى أنّ “سوريا احتضنت شعبنا الفلسطيني وفصائله المقاوِمة لعقود من الزمن، وهو ما يستوجب الوقوف معها، في ظلّ ما تتعرّض له من عدوان غاشم”، داعيةً لـ”تحقيق المصالحات والتفاهمات بين مكوّنات الأمة ودولها وقواها عبر الحوار الجاد”. كما دانت الحركة في بيانها القصف الإسرائيلي الذي استهدف مطاري حلب ودمشق مؤخراً، وقالت إنها “إلى جانب سورية الشقيقة في مواجهة هذا العدوان”.

وبحسب معلومات نشرتها وسائل إعلام مقربة من ما يعرف بـ “محور المقاومة” فإنّ عودة العلاقات بين حماس وسوريا، جاءت بعد مباحثات عدّة انطلقت بعد معركة “سيف القدس” بين حماس والقيادة السورية، برعاية من حسن نصرالله، حيث تمّ كسر الجمود كخطوة أولى، بينما وصل العمل في الفترة الأخيرة إلى مرحلة بناء الثقة تمهيداً لاستعادة العلاقة بشكل أكبر وأوسع.

بالتزامن مع ذلك، أثارت خطوات التقارب، أو بالأحرى تزلّف الحركة للنظام، خلال الأشهر الماضية، مواقف معارضة من قبل شخصيات سورية وفلسطينية وعربية، إضافة إلى مواقف أخرى صدرت عن كيانات إسلامية، مثل بيان العلماء الثمانية، بعد اجتماعهم بقيادة حركة حماس، وحمل البيان توقيع كل من الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس هيئة علماء اليمن، والشيخ أسامة الرفاعي رئيس المجلس الإسلامي السوري، والشيخ علي القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والشيخ عصام أحمد البشير نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. والشيخ عبد الحي يوسف عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والشيخ محمد عبد الكريم الأمين العام لرابطة علماء المسلمين، والشيخ سامي الساعدي أمين عام مجلس البحوث بدار الإفتاء الليبية، والشيخ وصفي عاشور أبو زيد عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وتطرح استعادة العلاقات في هذا الوقت تساؤلات عديدة، حول دلالات عودة العلاقات، ودوافع ومكاسب كل من الحركة ودمشق وطهران وحتى موسكو من ذلك، إضافة إلى تبعات الخطوة وانعكاسها على الأطراف المعنية، وهو ما سيحاول مرصد مينا الإجابة عليه في السطور التالية.

محطات في العلاقة بين الطرفين:

  • تأسست حركة حماس، في عام 1987، في بداية الانتفاضة الأولى في الأراضي الفلسطينية، كفرع من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتعود العلاقة بين الحركة ودمشق إلى مطلع التسعينيات، وكانت أول زيارة أجرتها قيادة حماس إلى دمشق في كانون الثاني/ يناير 1992، عبر وفد من الحركة قاده رئيس مكتبها السياسي آنذاك، موسى أبو مرزوق.
  • في أيار/مايو 1998 قام مؤسس حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين، بزيارة دمشق، وحظي باستقبال رسمي في مطارها، والتقى بالرئيس السوري وقتها، حافظ الأسد.
  • في العام 1999 نقلت الحركة مكاتبها الخارجية إلى دمشق بعد قرار السلطات الأردنية إغلاق مكاتبها في عمّان، جراء توتر العلاقة بين الطرفين نتيجة عدم التفاهم حول بعض الملفات في القضية الفلسطينية ومنها علاقة “حماس” بالسلطة والضفة الغربية.
  • عاشت الحركة خلال تواجدها في سوريا حالة من الاستقرار السياسي النسبي، إضافة إلى استفادتها من الدعم العسكري واللوجستي والتبني الإعلامي، ومن داخل دمشق، أدارت “حماس” الانقلاب العسكري على السلطة الفلسطينية الذي نفذته في عام 2007، كما حضرت نفسها للانتخابات التشريعية وفازت بها وسلحت عناصرها ودربتهم عسكرياً، في المقابل، استفاد النظام السوري من تواجد الحركة على أراضيه في تسويق نفسه على أنه “العمود الفقري” لما يسمى “محور الممانعة والمقاومة”، مستغلاً شعار “القضية الفلسطينية” لنهب ثروات السوريين ومناكفة إسرائيل والولايات المتحدة وحتى خصومه من العرب في فترات معينة.
  • أدت “الثورة السورية” عام 2011 إلى قطيعة بين النظام السوري وحركة حماس، على خلفية موقف الحركة الضبابي والحيادي من الحراك السلمي، أو بالأحرى عدم إصدارها موقفاً مؤيداً للنظام. وأغلقت السلطات السورية، أواخر العام 2012، مكاتب قيادات حماس في دمشق بالشمع الأحمر، وأبرزها مكتب خالد مشعل الواقع في حي المزة الغربية، ومكتب نائبه موسى أبو مرزوق، والقيادي في الحركة محمد نزال في حي مشروع دمر، بالإضافة إلى مكاتب قيادات أخرى في مخيم اليرموك، وكانت الحركة قد قررت في شباط فبراير 2012 مغادرة البلاد دون إعلان واضح، واتجهت قياداتها إلى مصر، التي كان يحكمها الإخوان، وقطر وتركيا.
  • خلال احتفالات حركة حماس بعيد انطلاقتها الخامس والعشرين ظهر خالد مشعل في غزة أواخر العام 2012 حاملا علم الثوار السوريين لثوان معدودة كما يظهر في الفيديو؛ في المقابل تبنى إعلام النظام السوري خطاباً معادياً ضد الحركة، واصفاً خالد مشعل بالخائن الجاحد المتشرد!
  • عقب فوز إسماعيل هنية برئاسة المكتب السياسي صيف العام 2017 ووصول يحيى السنوار إلى زعامة الحركة في غزة أواخر العام ذاته، بدأت “حماس” تتودد إلى النظام السوري، حيث قال السنوار فور استلام منصبه إن “حماس” مستعدة للتعامل مع النظام السوري بخاصة مع تسارع وتيرة حل الأزمة في دمشق”، وفي عام 2018 قال هنية إنّ “حماس” “لم تعاد يوماً النظام السوري “الذي وقف إلى جانبنا في محطات مهمة وقدم لنا الكثير”. وفي عام 2019 أثنى عضو المكتب السياسي محمود الزهار على بشار الأسد. وقال “فتح لنا كل الدنيا، لقد كنا نتحرك في سوريا كما لو كنا نتحرك في فلسطين، وفجأة انهارت العلاقة على خلفية الأزمة السورية، وأعتقد أنه كان الأولى ألا نتركه وألا ندخل معه أو ضده في مجريات الأزمة”.
  • في 4 آذار/ مارس 2020، بدا أن هناك جهوداً روسيةً تستهدف تسهيل التقارب بين دمشق وحماس، إذ تحدث إسماعيل هنية، في مؤتمر صحافي في موسكو، معلناً أن الحكومة والمواطنين السوريين كانوا منذ سنوات داعمين رئيسيين لحماس. وبرّأ هنية، حماس، قائلاً: “لا يمكننا أن ننسى هذا التاريخ. لا توجد سياسة أو أي قرار من قبل حماس للانخراط في الملف السوري، وأنا أنفي بشدة وجود أي مقاتل أو شهداء من حماس في إدلب، أو قبل إدلب، أو حتى في الثورة السورية”.
  • في أيار مايو 2021 نقل الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، طلال ناجي، تحيات رئيس النظام السوري بشار الأسد للفصائل الفلسطينية ومن بينها “حماس” بعد زيارته لدمشق ولقائه الأسد قبل أن يأتي الرد بعد أيام من خلال ممثل الحركة في لبنان أسامة حمدان بقوله في تصريح تلفزيوني “من يحيّنا بتحية نرد بخير منها”.
  • في 21 من حزيران يونيو الماضي، جاء أول إعلان عن قرار “حماس بإعادة علاقاتها مع دمشق، عبر وكالة “رويترز”، التي نقلت عن مصدر من داخل الحركة لم تسمِّه، أن الجانبين عقدا عدة اجتماعات “رفيعة المستوى” للوصول إلى هذا القرار. وفي 28 من الشهر نفسه، قال عضو المكتب السياسي في الحركة، خليل الحيّة، “جرى نقاش داخلي وخارجي على مستوى الحركة من أجل حسم النقاش المتعلق باستعادة العلاقات مع سوريا”. وأضاف، “وبخلاصة النقاشات التي شاركت فيها قيادات وكوادر ومؤثرون، ومعتقلون داخل السجون، تم إقرار السعي من أجل استعادة العلاقة مع دمشق”.

السياق:

جاءت خطوة حماس في إعلان رغبتها استعادة التقارب مع النظام السوري في ظل جملة من المتغيرات والمعطيات المحلية الخاصة بالحركة، والإقليمية المؤثرة عليها، فيما يلي أهم هذه المعطيات والمتغيرات:

  • إعادة تموضع دول الإقليم وإحياءهم لسياسة المحاور والأحلاف، المحور الإيراني الذي يضم سوريا وحزب الله وفصائل عراقية ويمنية وحركتا حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، يأتي مقابل تحالفات باتت تشكل في المنطقة وتضم إسرائيل.
  • تراجع حضور “الثورة السورية” وتغيّر مواقف عدة دول من النظام السوري، وقد أعادت بعض البلدان العربية علاقاتها مع سوريا وافتتحت سفاراتها في دمشق، وفتحت أخرى قنوات تواصل سياسية واقتصادية، كالجزائر التي تدعو لعودته إلى “الجامعة العربية”.
  • التقارب التركي الإسرائيلي وانعكاسه سلباً على حركة حماس المتواجدة في تركيا، وقد قالت سفيرة تل أبيب في أنقرة إيريت ليليان علناً إن “إسرائيل بذلت جهوداً لإغلاق مكتب حماس في إسطنبول ونجحت في ذلك، وتعمل حالياً على ترحيل الناشطين من تركيا”.  ولم تنف “حماس” ذلك وقال عضو المكتب السياسي فيها موسى أبو مرزوق إن “تشويشاً كبيراً طرأ على علاقات حماس بتركيا، وذلك بعد تحسين أنقرة علاقاتها بإسرائيل ودول عربية أخرى وفي ضوء ذلك نحن ملتزمون بالتفاهمات التي يجريها الأتراك ونقدرها”، لكن أبو مرزوق رفض أن يؤكد المعلومات حول تضييق السلطات التركية على ناشطي الحركة وطلبها منهم مغادرة البلاد، إلا أنه أشار إلى أن إسرائيل تشن على أعضاء حركته الموجودين في إسطنبول هجوماً إعلامياً كل يوم.
  • الفشل الذي أصاب كافة الحركات الإخوانية في الوصول إلى السلطة.
  • القيادة الجديدة لحركة حماس تحت رئاسة تيار محسوب على طهران، وأبرز شخوصه يحيى السنوار وصالح العاروري الذي بشغل منصب نائب رئيس المكتب السياسي، ويُعتقد أنه عراب إعادة العلاقات مع دمشق. ومن أبرز تجليات وصول هذا التيار هو التزلف المبالغ فيه لإيران خلال السنوات الخمس الماضية، واعتبارها شريكاً ومكوّناً أساسياً في صمود “حماس” و”المقاومة”، إضافة إلى وصف قاسم سليماني بـ “شهيد القدس” وتضخيم الدعم الإيراني لغزة مع مزاعم بتقديم طهران عشرات ملايين الدولارات للقطاع.
  • الحرب الروسية على أوكرانيا التي ألقت بظلالها على دول المنطقة واللاعبين الفاعلين فيها، ومن الأمور اللافتة في هذا الإطار أنّ إعلان حركة حماس استئناف علاقتها مع دمشق تزامن مع وجود وفد رسمي لها برئاسة رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية بموسكو في زيارة رسمية، استمرت لأيام بدعوة من الخارجية الروسية.
  • ربطاً بالنقطة السابقة، تأتي خطوة حماس وسط حالة من التوتر في العلاقات وتبادل للاتهامات بين إسرائيل وروسيا، على خلفية الحرب في أوكرانيا، إذ يُتردّد أنّ إسرائيل انخرطت بالفعل في الحرب ضد روسيا وزوّدت أوكرانيا، وبشكل سرّي، بنظام دفاعي ضد المسيرات (على الأرجح ضد المسيرات الإيرانية) عبر بولندا. يضاف إلى ذلك مساعي تل أبيب إلى أخذ مكان روسيا في مجال ضخّ الغاز الطبيعي للقارة الأوروبية.
  • طي صفحة الخلاف وإعادة العلاقات الكاملة بين قطر ودول المقاطعة خلال قمة العلا في 5 يناير/ كانون الثاني 2021، حيث ترتبط حماس والدوحة بعلاقة وثيقة تجلت بالدعم القطري للحركة في عام 2007 عندما كانت قطر واحدة من البلدان الوحيدة التي دعمت حماس بعد أن أطاحت الحركة بالسلطة الفلسطينية الأكثر إعتدالاً في قطاع غزة في إنقلاب دموي، كما استمر الدعم القطري  للحركة تحت ستار إعادة إعمار غزة وتنفيذ المشاريع التنموية. ولكن اللافت هنا أنّ بيان حماس جاء بعد أقل من 24 ساعة من تبرؤ أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، من تنظيم الإخوان المسلمين، حيث قال في حوار مع صحيفة “لوبوان” الفرنسية: “ليس لدنيا مثل هذه العلاقات”، كما نفى الأمير القطري تواجد أعضاء من تنظيم “الإخوان” أو أي عضو من التنظيمات التابعة له، في بلاده، وقال: “نحن دولة ولسنا حزباً، نتعامل مع الدول والحكومات الشرعية وليس مع التنظيمات السياسية”.
  • اشتداد حدة الاستهداف الإسرائيلي على نقاط تابعة للمليشيات الإيرانية في سوريا، حيث بات معدل القصف الإسرائيلي يتراوح بين ضربة واحدة، أو اثنتين خلال الأسبوع الواحد، وأصبح يطال مواقع حساسة؛ مثل مطاري دمشق وحلب، وهو ما أثار انتقادات من موسكو وتهديدات من طهران.

الدوافع:

يبدو أنّ الظروف الإقليمية والدولية المتغيرة سابقة الذكر أجبرت الطرفين على إعادة تقييم سياستها الخارجية وإجراء تغييرات في علاقاتها وسياساتها تحت الضغط الإيراني. وهنا تأتي أهمية الوقوف على الدوافع المحتلمة للطرفين نحو هذا التقارب:

أ- بالنسبة لحركة حماس:

  • التضييق الحاصل على الحركة في معظم الدول العربية مع انحسار مد الربيع العربي ووصول قوى مضادة للإسلام السياسي بما أضعف أو أوقف نشاط الحركة في دول رئيسية مثل مصر والسودان، ناهيك عن حظرها في دول أخرى.
  • عدم وجود بدائل كافية لمد الحركة بالمال والسلاح.
  • الإستجابة للضغوط الإيرانية في ظل ارتفاع تأثيرالجناح القريب لإيران، مثل كتائب القسام والقيادة السياسية الحالية للحركة.

ب- بالنسبة للنظام السوري:

  • محاولة تغيير الصورة التي رسمت له خلال الثورة، والمجازر التي تعرض لها الشعب السوري، عبر بروباغندا تظهره بدور الداعم للقضية الفلسطينية، في محاولة لإضفاء شرعية وإعادة الثقة لهذا النظام على المستوى الشعبي الداخلي والعربي والإسلامي.
  • الإستجابة للضغوط الإيرانية، فطهران هي الداعم الأبرز للنظام، كما هو الحال بالنسبة لحركة حماس.
  • الاستحواذ على مزيد من أوراق الضغط في الإقليم.

ج- بالنسبة لإيران:

  • إحكام سيطرتها على كل الفصائل في المنطقة ومن بينها الفلسطينية للاستمرار بالادعاء داخليا أنها المدافع الأول عن فلسطين والمسجد الأقصى كما تكرر دائما في خطاباتها.
  • جمع الحلفاء في معسكر واحد، واللافت هنا أنّ إيران طرحت عودة العلاقات مع الأسد شرطاً لاستئناف دعمها المالي للحركة، وفق بعض التقارير.
  • تبييض الصورة الطائفية التي ظهرت فيها إيران خلال السنوات الماضية، عبر دعم حركة إسلامية “سنّية” وربطها بمشروع طهران العابر للحدود وتبرير سياساتها التوسعية المعروفة باسم “تصدير الثورة”.

الدلالات:

بعد أن تناولنا الظرف والتوقيت الذي جاءت فيه الخطوة، ودوافع الأطراف المعنية لتحقيق المصالحة بين حركة حماس والنظام، صار بالإمكان الوقوف على هذا التطور من خلال قراءة دلالاته، وهي وفق التالي:

  • تحكّم التيار الموالي لإيران، ويمثله السنوار وكتائب القسام، بحركة حماس، على حساب تيار خالد مشعل القريب من المعسكر الخليجي.
  • النظام السوري لم يعد يملك قراره، حيث بات هناك تأثير كبير من قبل حزب الله وإيران وروسيا على صناعة القرار السوري. وليس أدل على ذلك أنه حتى اللحظة لم يصدر عنه أي تصريح حول بيان الحركة، الأمر الذي يشير إلى أنه لا يزال متلكئاً ومتوجساً من حركة حماس، وهو ما تكشفه الرسائل التي لاتزال وسائل الإعلام القريبة منه تتبناها، حول “عدم وفاء وخيانة الحركة لسوريا”.
  • يبدو أن روسيا تسعى إلى ترسيخ دورها كلاعب دولي مؤثر، كما أنه على وقع مايوصف بـ “انكسار الجيش الروسي في أوكرانيا” بسبب الدعم الأمريكي، تسعى موسكو إلى تعزيز الأواصر مع دول ومنظمات مناوئة للولايات المتحدة 
  • فشل روسيا في دفع الدول العربية المؤثرة، كالسعودية ومصر، للتطبيع الكامل مع النظام، واستبعاد دمشق من المشاركة في قمة الجزائر، ربما دفع موسكو إلى خيارات أخرى قد تكون عملياً عديمة الجدوى والتأثير، كمصالحة حماس والنظام.
  • مسألة إعادة العلاقات بين حركة “حماس” ودمشق جاء بعد وساطات أو بالأحرى ضغوطات من إيران وذراعها “حزب الله”، نظرا لما تقدمه طهران من دعم كبير للطرفين، وبالتالي فهما مضطرين إلى تنفيذ ما تفرضه إيران عليهما، بناء عليه فإنّ طهران لن تتوانى في الاستثمار في إعادة هذه العلاقات، من جهة تمرير أهدافها ومصالحها وطموحاتها في المنطقة.

التداعيات:

دون شك، تحمل عودة العلاقات بين “حماس” ودمشق العديد من التبعات والتداعيات، لعلّ أهمها:

  • يُحذر باحثون في الإسلام السياسي من ذوبان الحركة في أيديولوجيا إيران، وسط حديث عن تبني بعض أفراد الحركة للمذهب الشيعي فعلاً كما يحصل اليوم مع عدة ميليشيات سورية كانت تتلقى الدعم من ايران وانتهى بها المطاف تنادي بالثأر للحسين!.
  • في حال عادت العلاقات بين النظام السوري وحركة حماس إلى سابق عهدها فمن المحتمل أن تزداد حدة الانقسام داخل الساحة الفلسطينية، على اعتبار أنّ حركة حماس موجودة ضمن تحالف إيراني، والسلطة الفلسطينية وحركة فتح (بزعامة الرئيس محمود عباس) موجودان ضمن التحالف المناقض له (السعودي).
  • من المتوقع أن تنعكس الخطوة سلباً على القاعدة الشعبية للحركة في قطاع غزة، إضافة لخسارة حاضنتها من فلسطينيي سوريا خاصة بعد ما تعرضوا له خلال السنوات الماضية من قتل وتشريد واعتقال على يد حكومة دمشق. هذا الأمر رأيناه فور إصدار حماس بيانها، حيث تبرأ عدد من عناصرها وقياداتها من الخطوة، مثل عيسى الجعبري -وزير الحكم المحلي في الحكومة العاشرة التي شكلتها حماس بعد فوزها في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006- حيث قال “إني أبرأ إلى الله تعالى مما قررته حركة حماس، بشأن إعادة علاقتها بالنظام السوري المجرم”.
  • من غير المرجح أن تحصل حماس من نظام الأسد على ما حصلت عليه سابقاً من امتيازات في التدريب العسكري والدعم اللوجستي وغيره، سواء بسبب عدم قدرة النظام على ذلك، أو عدم رغبته بذلك في ظل فقدانه الثقة بالحركة.
  • هناك إشكالية متعلقة بانكشاف سوريا وتعرضها بشكل مستمر لاستهدافات إسرائيلية، بناء عليه فإنّ دمشق لم تعد آمنة لوجود مكاتب وقيادات “حماس” كما كان الحال قبل العام 2011، بل ستكون تلك المكاتب وقادتها عرضة للقصف الإسرائيلي. كما قد يعرض عناصر الحركة أنفسهم للاعتقال من قبل النظام ذاته، وسط حديث عن تعميمات جديدة تمنع دخول الفلسطينيين إلى سوريا دون موافقة “الفرع 235″ المعروف بـ”فرع فلسطين” بالعاصمة دمشق.
  • هناك إشكالية متعلقة بانتماء حماس إلى تنظيم الإخوان فكراً وعقيدة، وأنّ التنظيم يعادي نظرياً نظام الأسد.

الخلاصة:

يشكل تطبيع حماس مع نظام بشار الأسد تجسيداً لما يسمّى “الواقعية السياسية”، فالحركة بهذه الخطوة تلبي طلبات الممول الإيراني، وتتماهى مع إرهاصات الغزو الروسي لأوكرانيا، وما تسبّب به من فتور في العلاقات الروسية الإسرائيلية. ولكن في المقابل، فإن سوريا 2022 مختلفة عن سوريا ما قبل 2011 على كافة المستويات؛ سواء السياسية حيث هي منعزلة ومنبوذة من محيطها، أو الاقتصادية حيث نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، أو حتى الأمنية حيث تكاد الطائرات الإسرائيلية لا تغادر أجواء البلاد.

وبناء على المعطيات التي قدمناها آنفاً، يمكن القول إن توجّه الحركة نحو النظام السوري في هذا التوقيت وبهذه الطريقة، وإن تمّ بسبب العزلة التي تعانيها الحركة، فهو يعكس قصور وسذاجة في آليات صناعة القرار الإستراتيجي لدى الحركة، كما سيتسبب بمزيد من الانقسام الفلسطيني عامة، والتشظي داخل الحركة ذاتها.

المراجع: