تنافس داخلي.. هل أطاحت الأحزاب الموالية لإيران ببعضها في انتخابات العراق؟

ما تزال تداعيات نتائج الانتخابات العراقية التي جرت في العاشر من شهر تشرين الأول الجاري، تلقي بظلالها على المشهد السياسي في البلاد، وسط تشكيك القوى السياسية الخاسرة، بنتائجها ومطالباتها بإعادة الفرز اليدوي. وفي الوقت الذي توكد فيه الحكومة أن نسبة الشفافية والنزاهة بالانتخابات البرلمانية الأخيرة كانت أفضل بكثير من سابقاتها وبشهادة أممية ودولية، اذ تعتبرها الكتل الموالية لإيران “الأسوأ”، مدعية حدوث “تلاعب” و”تزوير” على حد قول قياداتها، ما ينذر باحتمال حدوث صدامات سياسية وربما عسكرية، وانقسامات حادّة عقائدية وطائفية في الأسابيع والأشهر المقبلة، خاصة أن هذه الكتل هي التي تملك السلاح والمعدات العسكرية الثقيلة، وتشكل جيشا موازيا.

وعلى إثر التوتر المتواصل، قررت مفوضية الانتخابات يوم السبت، إعادة فرز أصوات 234 محطة انتخابية يدويا، موصية في الوقت ذاته برد 322 طعنا جديدا، ما عزز توقعات المراقبين بأن الطعون لن تغير في النتائج التي أعلن عنها سابقا، فيما اتجه بعضهم لنفي اتهامات الأحزاب الموالية لإيران وإثبات نزاهة التجربة الديمقراطية.

ديمقراطية بلا ديمقراطيين..

رغم إقرارهم بوجود بعض الملاحظات الادارية أو الفنية هنا أو هناك سواء بعدم تسجيل أعداد من النازحين أو فتح مراكز إضافية للتصويت في المخيمات، وحصول أعطال فنية في بعض الأجهزة، يرى مراقبون أن الانتخابات الأخيرة، كانت تجربة ناجحة جدا وأفضل من سابقاتها بكثير، مشيرين إلى أنه لم يكن هنالك أي تزوير ولم يستطع أي شخص التصويت بدل شخص آخر وسارت بكل سلاسة ومهنية.

في هذا السياق يؤكد الباحث في الشأن العراقي، “بلال الخليفة” أن التجربة الأخيرة أعطت دلالة واضحة على حجم النضوج الانتخابي والديمقراطي في العراق كما أعطت رسالة ايجابية للشارع، سيتم ترجمتها بالمرحلة المقبلة من خلال تشكيل حكومة قوية تتصدى للازمات وقادرة على تلبية المطالب الشعبية بالإصلاح وأن تكون حكومة لكل العراقيين بمختلف ألوانهم واعراقهم بعيدا عن الاجندات المشبوهة او الولاءات.

وفي تعليقه على الاتهامات التي أطلقتها الفصائل الموالية لإيران، حول عمليات تزوير شهدتها الانتخابات، يرى “الخليفة” أن التشكيك في نتائج الانتخابات، ليس صحيحا، معتبرا أن الصحيح هو أن فيها قدرا من النزاهة لم يشهده العراق سابقا، بدليل أنها جاءت بأكثر من 220 مرشحا للبرلمان يعدون وجوها جديدة، بينهم 35 مستقلا و9 محسوبين على التشرينيين، خاصة مع فوز 97 امرأة بمقاعد نيابية، من بينهن 57 امرأة فزن بالقوة التصويتية للناخبين، من دون الاعتماد على “الكوتا النسوية”.

ويرجع “الخليفة” ما يحصل الآن من حالة إرباك في المشهد العراقي بعد اعلان نتائج الانتخابات، إلى ما أسماه بـ”سيكولوجيا الفوضى والبرانويا” الناجمة عن سياسة المحاصصة التي شهدتها البلاد خلال 18 سنة الأخيرة، مؤكدا أن العراقيين طوال هذه الفترة، لم يتعلمون السلوك الديمقراطي ولم يؤمنون بأهم مبدئين في الديمقراطية، وهما التداول السلمي للسلطة، والعدالة الاجتماعية، مضيفا، “عشنا مفارقة غريبة، لدينا ديمقراطية ولكن بلا ديمقراطيين”.

يشار إلى أن زعيم التيار الصدري، “مقتدى الصدر” كان قال في تغريدة على “تويتر”، إن “تأييد مجلس الأمن لنتائج الانتخابات العراقية وتبني نزاهتها بل القول بأنها فاقت سابقاتها فنياً يعكس صورة جميلة عن الديمقراطية العراقية من جهة، ويعطي الأمل لإذعان الأطراف التي تدعي التزوير في تلك العملية الديمقراطية من جهة أخرى”، مشيرا إلى أن “جر البلد إلى الفوضى وزعزعة السلم الأهلي بسبب عدم قناعتهم بنتائجهم الانتخابية أمر معيب يزيد من تعقيد المشهد السياسي والوضع الأمني، و يعطي تصوراً سلبياً عنهم، وهذا ما لا ينبغي تزايده وتكراره”.

تصريحات “الصدر”، جاءت بينما تتواصل حالة الغضب لدى الأحزاب العراقية المحسوبة على “الحشد الشعبي” المدعوم من إيران، ضد النتائج التي حملت ما يمكن تسميته بـ “زلزال” ضرب الكتل النيابية التابعة لتلك الأحزاب، لا سيما تحالف الفتح الذي حصل على 15 مقعداً نيابياً فقط.

يذكر أن تحالف الفتح، الذي يعتبر الأقوى داخل ميليشيات الحشد الشعبي، حصل على 17 مقعدا فقط في البرلمان العراقي المكون من 329 مقعدا، فيما كانت حصته 47 مقعدا في البرلمان المنتهية ولايته.

عضو التحالف “محمود الحياني”، أكد على وجود تلاعب بأصوات الناخبين لاستهدف الأطراف الداعمة للحشد الشعبي، لافتا إلى أن تغيير نتائج الاقتراع تم بإياد خارجية من اجل التآمر على الحشد، معتبرا أن “الحشد الشعبي يتعرض لمؤامرة كبيرة، بهدف إنهاء وجوده من قبل إطراف داخلية وخارجية لا تريد مصلحة العراق”.

استراتيجية “الصدر” أسقطت “الفتح“..

كشف تقرير نشره معهد “تشاتام هاوس” البريطاني، عن الاستراتيجية التي اتبعها التيار الصدري، ومكنته في النهاية من الفوز على أبرز منافسيه، تحالف الفتح المدعوم من طهران.

التقرير الذي اعتمد، على أرقام مأخوذة من النتائج الأولية التي نشرتها مفوضية الانتخابات في العراق على موقعها الرسمي، قال إن الصدريين حصلوا على عدد أصوات أقل مما حصلت عليه كتلة الفتح، مع ذلك حققوا الفوز بحصولهم على 73 مقعدا، بفارق يقترب من 60 مقعدا عن تحالف الفتح الذي لم يتمكن إلا من حصد 17 مقعدا فقط.

وتؤكد الأرقام التي نشرتها مفوضية الانتخابات العراقية، وفقا لتحليل المعهد، أن تحالف الفتح، الممثل للحشد الشعبي والحليف القوي لطهران، أحرز نحو 670 ألف صوت في الانتخابات التي جرت في العاشر من هذا الشهر، بينما حصل الصدريون على 650 ألفا فقط.

قانون الانتخابات..

يقول تقرير “تشاتام هاوس”، إنه رغم أن نتيجة الانتخابات ربما تشير إلى زيادة شعبية التيار الصدري مقابل تراجع الدعم الشعبي لتحالف الفتح، إلا أن إجمالي عدد الأصوات الذي حصل عليه الطرفان يكشف عن قصة مختلفة.

وبصرف النظر عن دقة مخرجات المعهد بشأن عدد الأصوات، يتحدث التقرير عن خطأ استراتيجي ارتكبه تحالف الفتح في التعامل مع قانون الانتخابات الجديد الذي تم إقراره في عام 2019، ما أدى لخسارته.

يشار إلى أن القانون الجديد للانتخابات، يقوم على مبدأ التصويت الفردي الذي لا يسمح بتحويل الأصوات، ويعرف أيضا باسم نظام الفائز الأول، ويجري داخل دوائر انتخابية متعددة المقاعد.

كما يهدف القانون لخلق عملية انتخابية أكثر شفافية لا تحتاج إلى حسابات معقدة للفوز بالمقاعد كما أنه يضمن علاقة أوثق بين الناخبين والمرشحين.

لكن القانون الجديد يتطلب من الأحزاب والقوى المتنافسة اعتماد معايير دقيقة لاستراتيجياتها، أذا ارادت تحقيق النجاح في صناديق الاقتراع، وفقا للتقرير.

يذكر أنه في ظل الأنظمة الانتخابية القديمة التي اعتمدت على نظام القائمة المفتوحة أو المغلقة، كان يمكن إعادة توزيع الأصوات التي حصل عليها مرشح ما على مرشحين آخرين من نفس الحزب.

وبالتالي في حال كان الفوز بمقعد في البرلمان يحتاج لخمسة آلاف صوت مثلا، وحصل أحد المرشحين على 10 آلاف فإن الفائض يذهب لمرشح آخر من الحزب ذاته.

المحامي “نبيل الزبيدي”، لا يخفي اتفاقه مع ما ورد في تقرير المركز البريطاني، مؤكدا أن القانون الجديد ينص على عدم جواز تحويل الأصوات التي يحصل عليها المرشح لمرشح آخر، مما يؤدي إلى إهدار عدد كبير من الأصوات، وهذا ما حصل مع تحالف الفتح، بحسبه.

ويعتبر “الزبيدي” أن “فشل” تحالف الفتح في إجراء “تقييم دقيق للتشريع الجديد” جعلهم يحصلون على مقاعد أقل بكثير عن تلك التي حصدها التيار الصدري، مشيرا إلى أن الصدريين تعاملوا بـ”فعالية” أكثر مع القانون الجديد، ودرسوا بدقة مستويات الدعم داخل كل دائرة انتخابية، وبناء على تلك المعطيات، قاموا بتسمية العدد الصحيح من المرشحين للترشح في الدوائر الانتخابية، ثم تمكنوا من إقناع أنصارهم بتوزيع الأصوات بالتساوي بين المرشحين.

بالإضافة إلى ذلك، يشير تقرير “تشاتام هاوس”، إلى ما امتلاك التيار الصدري، ما وصفها بـ”أدوات رصينة” سواء على الإنترنت أو في الشارع، ومنها إنشاء تطبيق على الهواتف المحمولة فيه تفاصيل عن كل منطقة انتخابية، بالإضافة إلى مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي لكل دائرة انتخابية، وموظفين متخصصين يركزون على كيفية الحصول على المقاعد بدلا من مجرد عدد الأصوات، بحسب التقرير.

نتائج عكسية عززت السقوط..

اعتمد تحالف الفتح استراتيجية تقديم مرشحين متعددين في كل دائرة انتخابية في محاولة منهم للحصول على مقاعد أكثر، لكن هذه الاستراتيجية أدت لنتائج عكسية على اعتبار أنه عندما يتنافس عدة مرشحين من نفس الائتلاف على الأصوات في منطقة واحدة، فإنه يخاطر بتشتيت الأصوات وعدم حصول أي منهم على أصوات كافية ليتم انتخابه، حسبما يقول تقرير المعهد البريطاني، الذي أشار إلى أن تحالف الفتح يتكون من عدة أحزاب متنافسة، كمنظمة بدر وصادقون وسند، حيث أراد كل حزب ترشيح مرشح خاص به ضمن قائمة الفتح، مما أدى إلى إهدار الأصوات.

على العكس من ذلك أخذ التقرير مثالا لاستراتيجية الصدريين في الدائرة الأولى بمحافظة القادسية، حيث تقدم الصدريون بمرشح واحد فقط وفازوا بأكبر عدد من الأصوات.

كما رشحوا امرأة واحدة في الدائرة ذاتها تمكنت من الفوز بمقعد عبر الكوتا المخصصة للنساء، على عكس أحزاب أخرى تقدمت بعدة مرشحين، ولم يحصل أي منهم على أصوات كافية للفوز بمقعد واحد.

بالإضافة إلى غياب الاستراتيجية، يرى الصحفي “ضياء العامر” أن نتائج تحالف الفتح التي كشفت عن خسارة مدوية له في الانتخابات تشي بفقدانه ناخبيه، بسبب رفضهم لسلطة السلاح ومطالبتهم بتعاف اقتصادي سريع، معتبرا أن هذه النتيجة المحرجة لتحالف الفتح والحشد الشعبي الذي دخل البرلمان للمرة الأولى في العام 2018 مدفوعا بالانتصارات التي حققها الى جانب القوات العسكرية الحكومية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تفسر بإخفاقه في تلبية تطلعات ناخبيه.

ويرجع “العامر” أبرز أسباب عزوف جماهير الفتح والحشد عن التصويت لهما هو العنف والممارسات القمعية المنسوبة للفصائل الموالية لإيران والمكونة للحشد الشعبي الذي يتألف من نحو 160 ألف مقاتل.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.