تهديد واتهامات بالتزوير.. نتائج الانتخابات تضع العراق أمام أزمة مفتوحة

بينما تواصل المفوضية العليا للانتخابات في العراق، عمليات إعادة فرز الأصوات يدويا في آلاف المراكز الانتخابية، تتواصل الضغوط والتهديدات التي تطلقها فصائل وجماعات مسلحة وأحزاب موالية لإيران، معتبرة أن النتائج التي أظهرت خسارتها، “مفبركة ومرفوضة”، ما أثار المخاوف من اندلاع حرب أهلية بين الفصائل الشيعية التي ترفض التخلي عن نفوذها الكبير، خاصة بعد استخدم تحالف “الفتح”، الممثل لـ”الحشد الشعبي”، في بيان جديد له، مصطلحات أثارت قلقاً سياسياً وشعبياً واسعاً مثل “تهديد السلم الأهلي” و”الاستقرار”، في معرض تأكيده على رفض نتائج الانتخابات.

مصادر مقربة من مفوضية الانتخابات، التي احتجب مسؤولوها عن الظهور للإعلام مع مواصلة إغلاق المنطقة الخضراء حيث مقر عمليات المفوضية وتجري أيضاً فيها عمليات العد والفرز اليدوي، قال إن النتائج ستتغير بواقع 5 إلى 6 مقاعد للكتل الكبيرة، زيادة أو نقصانا، بعد الانتهاء من عمليات الفرز، مشيرا إلى أن هناك مرشحين أعلن فوزهم مسبقاً لن يكونوا في قوائم الفائزين الجديدة التي ستصدر لاحقاً.

“الفتح”يُشعل نار المواجهة

فتح أعضاء في تحالف “الفتح” النار على مفوضية الانتخابات، معتبرين أن تغيير نتائج الاقتراع لأكثر من مرة يؤكد وجود تلاعب بأصوات الناخبين و”هو ما يدق ناقوس الخطر وقد يؤدي بالبلد الى الهاوية”.

عضو التحالف، “فارس البديري” قال في تصريحات صحفية إن “ما حدث من إعلان لنتائج الانتخابات، عبارة عن عملية ممنهجة لإقصاء الكتل الكبيرة من العملية السياسية من خلال لعبة تقف خلفها دول وكتل وجهات معينة لإبعاد الأطراف المضحية للعراق”، مشيرا إلى أن “ما حدث يدق ناقوس الخطر وقد ينزلق العراق الى الهاوية.

وكشفت مصادر مقربة من مفوضية الانتخابات، عن خسارة عدد من المرشحين المستقلين لصالح تحالف “الفتح”، في جنوب العراق، على الرغم من أن الدوائر التي فاز بها المرشحون كانت المفوضية أعلنت اكتمال احتساب أصوات جميع المحطات الانتخابية فيها.

يشار إلى أن تحالف “الفتح”، كان أبرز الخاسرين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ووفقا للنتائج الأولية، فقد فاز التحالف بـ14 مقعدا فقط (من أصل 329)، بعد أن حلّ في المرتبة الثانية برصيد 48 مقعدا في انتخابات 2018.

ويضم تحالف “الفتح”، بزعامة “هادي العامري”، أذرعا سياسية لفصائل شيعية متنفذة مرتبطة بإيران من بينها: “عصائب أهل الحق”، و”حزب الله” العراقي، و”حركة النجباء”، وزاد نفوذها بصورة كبيرة منذ الحرب ضد تنظيم “داعش” (2014-2017).

ورغم أن هذه الفصائل تابعة رسميا للقوات المسلحة العراقية، وتتلقى رواتبها وأسلحتها من الدولة ضمن إطار “الحشد الشعبي”، إلا أنها خاضعة فعليا لأوامر قادتها المرتبطين بإيران، حسبما يقول مراقبون.

المحلل السياسي “عمران البرماوي”، يرى أن الفصائل المنضوية تحت تحالف “الفتح” تحولت إلى ما يشبه دولة داخل دولة، حتى أن نفوذها يفوق سلطة الحكومة وقواتها المسلحة، متوقعا حدوث مواجهة مسلحة بينها وبين الجيش العراقي، وكذلك “سرايا السلام”، الجناح العسكري للتيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي تصدر الانتخابات برصيد 73 مقعدا، استنادا إلى النتائج الأولية التي نشرتها المفوضية.

ويعتبر “البرماوي” أن المواجهة شبه مؤكدة وبدت ملامحها جلية للجميع، مشيرا إلى أن المصادقة على النتائج الأولية وجعلها نهائية من شأنها الذهاب بالبلاد نحو الفوضى، لأن الفصائل الموالية لإيران لن تقبل الهزيمة، كما أن أي تغيير في النتائج بحسب “البرماوي” سيبدو لتلك الفصائل اقرارا من لجنة الانتخابات بالضعف والانصياع للضغوط ما سيدفع التحالف للمطالبة بأكثر، وربما استخدام السلاح للضغط.

ويضيف المحلل السياسي، “قد تكون هناك مشاورات وتوافقات في الدهاليز المظلمة، من أجل عدم تعقيد الموقف واللجوء لمنطق الحكمة والعقل، وقد تكون هناك تنازلات من بعض الجهات للحفاظ على أمن البلاد”.

يشار إلى أنه، خلال الساعات القليلة الماضية، تصاعدت نبرة التصعيد من الفصائل الشيعية التي خسرت الكثير من مقاعدها في الانتخابات، كما قال الإطار التنسيقي، الذي يضم معظم القوى السياسية والفصائل الشيعية، في بيان، إن المضي بالنتائج المعلنة “يهدد بتعريض السلم الأهلي للخطر”.

الصدر ليس إياد علاوي…

بينما يتصاعد التوتر بين التيار الصدري وعدد من القوى السياسية والفصائل المسلحة الحليفة لإيران، وتحديداً مليشيا “كتائب حزب الله”، خاصة بعدما لوّحت الأخيرة باللجوء إلى طرق لم تحددها، لرفض نتائج الانتخابات، وعقب حديث المسؤول الأمني في الحزب “أبو علي العسكري” عن أن القبول بنتائج الانتخابات يعني تهديد السلم الأهلي، بدأ زعيم التيار الصدري السياسي البارز مقتدى الصدر، العمل على تشكيل تحالف برلماني يمهد لتشكيل حكومة جديدة في البلاد.

وكشف “الصدر” الخميس، النقاب عن تسمية لجنة للتفاوض مع الكتل السياسية لتكوين تحالف برلماني يمهد لتشكيل الحكومة العراقية، مضيفا أنه “نود إعلام جميع الأطراف السياسية أن اللجنة المفاوضة التي تمثلنا دون غيرها حصرا، ولا يحق لأحد التدخل بعملها”.

يشار إلى أن المسؤول الأمني في “حزب الله” أبو علي العسكري، كان قد اتهم في “تدوينة”، رئيس الحكومة “مصطفى الكاظمي” وعناصر في جهاز المخابرات العراقية بتغيير نتائج الانتخابات البرلمانية بالاتفاق مع جهات سياسية، لم يسمها.

تدوينة “العسكري” تزامنت مع اجتماع “الإطار التنسيقي”، الذي يضم غالبية زعماء الأحزاب العربية الشيعية، عدا التيار الصدري، كما يضم قادة الفصائل المسلحة، حيث جرى خلال الاجتماع التأكيد مجدداً على رفض نتائج الانتخابات، ووصفها بأنها “خطر على السلم الأهلي”.

ويقول الباحث في الشأن العراقي، “محمد السامرائي” إن مقتدى الصدر يدرك تماما أن آلية الفرز اليدوي أو إعادة تدقيق نتائج الانتخابات لن تؤدي إلى تغييرات كبيرة في النتائج، وهو ما دفعه للتركيز على البدء بإجراءات تشكيل تحالف لاختار الحكومة الجديدة.

ويضيف، “لاحظنا خلال اليومين الماضيين كيف أن بعض الكيانات الخاسرة حصلت على مقعد أو مقعدين، بالتالي فإن هذا الأمر يؤكد أن عودة الفرز والتدقيق لا يمثل إلا حالة ترضية للخاسرين، فيما ستبقى الكتل التي حصلت على عدد كبير من المقاعد في مواقعها”، مشيرا إلى أن “الصراع الحالي بين الفصائل المسلحة والتيار الصدري، ليس جديداً، إذ إن الصدر دائماً ما يشتبك إعلامياً مع قادة الفصائل”.

ويؤكد السامرائي أن “مقتدى الصدر” يُتابع غضب الفصائل المسلحة، لكنه ترك مساعده “جليل النوري” يتكفل بالرد على تصعيد المليشيات تجاه فوز تياره.

وكان “النوري” قد قال في تغريدة عبر “تويتر”: “لا تُتعِبوا أنفسكم، ولا تُضيّعوا وقتكم بانتظار رسائل الخارج، فالأمر حُسم، والصدر ليس علاوي”، في إشارة إلى أن مقتدى الصدر لا يشبه إياد علاوي الذي كان قد حصد نحو 90 مقعداً في انتخابات عام 2010، لكنه لم يُشكل الحكومة آنذاك.

ثم عاد الصدر وغرَّد هو الآخر بعد تغريدة العسكري، قائلاً: “لن يتزعزع السلم الأهلي في وطني، فلا يهمني إلا سلامة الشعب وسلامة العراق، وأوصي بضبط النفس، ولن تمتد أيدينا على أي عراقي مهما كان”، واصفاً الحكومة المقبلة بأنها لا شرقية ولا غربية، بل وطنية.

تعليقا على ذلك، يرجح “السامرائي” أن يجلس الصدر مع قادة الأحزاب والكيانات السياسية التابعة للحشد الشعبي للاتفاق على شخصية رئيس الحكومة المقبلة، متوقعا أنه لن يكون من الفصائل، حيث سيتم اختيار شخص متفق عليه من الطرفين”، مشددا على أن الصدر لا يرغب بالدخول في مواجهة مع الفصائل الموالية لطهران لكنه في الوقت نفسه لن يقبل أن يتم التوصل لأي تسوية سياسية عبر التهديد والتلويح باستخدام السلاح.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.