توهج نجم اليسار وأفوله

اكتمال كينونة اليسار واستواؤه لم يأتيا إلا بعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا القيصرية عام 1917 على يد منظرها “لينين” وبقيادة حزبه الشيوعي الذي انقسم إلى بلاشفة ومناشفة (أقلية وأكثرية) حول أسلوب العمل الثوري عنفاً أو اعتدالاً، ولكن بعد سبعين عاماً من الثورة أفل نجم اليسار عالمياً وتفكك الحاضن له. الاتحاد السوفياتي. وللصعود والأفول أسبابه/ تناقش هذه الدراسة الأسباب من خلال المحاور الآتية:

  • جوهر مفهوم اليسار وأسباب التسمية.
  • مراحل نشوء اليسار وتكونه تاريخياً.
  • كتاب رأس المال لماركس مرجع اليسار العالمي.
  • حضور المرأة في الفكر اليساري.
  • تطور الحركة الشيوعية العالمية وأحزابها.
  • الأسباب العميقة لتراجع اليسار عالمياً وأفول نجمه.
  • الولادة الخديجة للثورة الروسية.
  • تفرد الاتحاد السوفياتي بقيادة اليسار العالمي.
  • عدم مواكبة السوفيات لتطور القوى المنتجة.
  • تجاوز الرأسمالية لأزماتها وفشل اليسار في ذلك.
  • اليسار السياسي اليوم وهمومه.

قبل البدء

لا بد لنا، ونحن نبحث في شأن اليسار التقليدي، وما آل إليه من ركود وتراجع، بل من اعتلال في روحه وجسده على السواء، من الإشارة إلى حضوره الفاعل، لدى صعوده، حضوراً إيجابياً هزَّ الهياكل السائدة بمسلَّماتها ومعتقداتها ومرتكزاتها كلها في ميادين السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، وقد سحر اليسار بما فيه من قوة جذب ذوي الألباب، إذ بدا لهم ديناً جديداً فيه الخلاص من الأوجاع كلها، فراح أعلام ذلك الزمان يستلهمون منه أفكارهم ورؤاهم وأساليب تعابيرهم في ميادين الإبداع آداباً وفنوناً مختلفة تَتَجَدد إثراءً لروح الإنسان المبدعة، ودفعاً بها نحو الارتقاء اكتمالاً للجمال، وتطويراً لأساليب عيش الإنسان وأمنه وسلامه.

 كذلك لا بد من الإشارة إلى أنَّ التأثير البالغ لذلك الفكر اليساري، بوصفه مفهوماً نظرياً، ما كان له أن يحدث لولا أنه انطوى على قيم إنسانية عابرة للأطر المجتمعية السابقة على صعيد العالم أجمع. فقد جاء اليسار وريثاً للمفهومات التاريخية التي اتخذت من الارتقاء بالإنسان حياةً ووعياً شعاراً لها، بغض النظر عن الأطر والأشكال والتسميات، ما يعني أنَّ اليسار جاء مكملاً للثورات التاريخية العالمية، على نحو أو آخر، مهما كانت مرجعية تلك الثورات.

وقد بدا، في وقت ما من العصر الحديث، منقذاً للبشرية، وأنَّ فلسفة التغيير التي يقول بها ماركس أخذت تلامس وجه الحياة، وما عادت أحلام بني البشر في الحرية والعدالة والمساواة منظورة في حياة الإنسان الثانية فحسب، بل هي على الأرض، ومن صنع يد الإنسان ذاته.

ولكن هل سارت الحياة باليسار على هذا النحو؟ إذاً لنتتبع رحلة اليسار فكراً وممارسة في ما يأتي:

أولاً: جوهر مفهوم اليسار

يمكن تلخيص مفهوم اليسار الأعم والأشمل بما يأتي:

إن كل من يدافع عما هو قائم، ومن ضمنه تقاليد المجتمع المعهودة هو مُحافِظ/ يميني، وكل من يُريد التحليق بأجنحة الحريات العامة سياسياً واجتماعياً نحو حياة أجمل وأفضل بهدف دفعها إلى الأمام هو يساري/ تقدُّمي.

وهنا يمكن الإشارة إلى أنَّ اليسار غير بعيد عن الجانب الإيجابي في الرأسمالية ذاتها ما دامت في الإطار العام تعمل على الارتقاء بالإنتاج السلعي وتطوير أدوات الإنتاج وآلياته، فزيادة الإنتاج في العلم الماركسي يمكِّن إيجاد الوفرة، ويمكّن تحقيق العدالة في التوزيع.

وثمة فكرة مهمة في بنية الفكر اليساري هي: السعي باستمرار للإمساك بزمام حركة الحياة ذاتها ودفعها نحو الأمام بالمحاولة الدائبة لكشف كنهها بدءاً وسيرورة ومآلاً، ما يعني أنَّ قلق الإنسان الوجودي كائن في عمق فلسفة اليسار.

ويضم اليسار اليوم منظمات جديدة كحركات “الخضر” في أوروبا على سبيل المثال، وجمعيات حقوق الإنسان، وكثيراً من منظمات المجتمع المدني، إن حافظت على استقلالها وشروط تكونها.

ويندرج المثقفون والمبدعون في مجال الآداب والفنون في إطار اليسار، إذ إنَّ أذهان هؤلاء وأنفسهم مجبولة على التطلع نحو الأجمل والأفضل في تشكُّل القيم الإنسانية المرتجاة؛ قيم الحق والخير والجمال، وإعادة صوغ أطرها ومفهوماتها.

يتَّضح من خلال ما تقدم أنَّ لليسار مفهوماً يرتبط بجوهر حياة الناس المادية والروحية، وسواء تبنته فلسفة ما أم حزب أم جماعة أم لم تتبنه. ومن هنا نرى أن الحركة السياسية اليسارية لا يكفيها الاسم ولا الأيديولوجيا التي تتبناها أو الشعارات التي ترفعها، بل لا بد لها من قراءة واقع المجتمع الذي هي منه والعمل على تلبية مطالبه أفراداً وجماعات على غير صعيد. فالناس في النهاية لا تتغذى بالشعارات ولا تغتني روحياً إلا بما يعبر عن عالميها المادي والروحي.

ثانياً: في أصل تسمية اليسار

اختلفت المصادر في أصل تسمية اليمين واليسار، فهناك من نسبها إلى الإنكليز في القرن السابع عشر: “بعد ثورة كرومويل[1] في بريطانيا، ووضْعِ دستور “الماجنا كارتا” 1215[2]، إذ تكوَّن مجلس البرلمان في بريطانيا (أول برلمانات أوروبا)، وكان الرئيس حينئذ يجلس في منتصف القاعة، وعلى يمينه المتحالفون معه (اليمين)، وعلى يساره المعارضون للإقطاع (اليسار) ولم يكن ذلك إلا محض تنظيم مقاعد وتجمعات. ومع مرور الوقت كان اليمين دوماً يميل نحو طبقة الإقطاع وتأييد سلطات الملك والكنيسة، أما اليسار فكان يتكلم عن توزيع الثروات والأرض والديمقراطية. وأصبح كل تفكير سياسي يميل باتجاه السلطة وحرية الاقتصاد والتعصب للدين هو يميني، وكل تفكير ثوري يتحدث عن العدالة الاجتماعية وحقوق العمال يصنف باليساري.

وثمة رأي آخر ينسبه في الشكل ذاته إلى أحد الأباطرة الفرنسيين ممن حملوا اسم “لويس” وكان له مستشاران عن يمينه وعن يساره، وكان اليميني متشدداً في المحافظة على التقاليد، بينما اليساري كان منفتحاً على التجريب والتغيير.

أما التسمية الأكثر رسوخاً في أذهان الناس هو ما حصل خلال الثورة الفرنسية فعام ١٧٨٩ اجتمع أعضاء المجلس الوطني الفرنسي لِمُناقَشَة مُستقبَّل البلاد أثناء الثورة الفرنسية. وجلس مؤيدو بقاء الملك بكامِل سُلطاتُه (المُحافظون) على يمين رئيس المجلس، بينما جلس مؤيدو تقليص سُلطات الملك على يساره (التقدميون). ولم يزل ذلك التقليد سارياً.

ثالثاً: نشوء اليسار وتكوُّنه تاريخياً

مرَّ اليسار بمرحلتين:

الأولى: نشوءه في ثنايا البورجوازية الثائرة على الملكية الإقطاعية التي غدت عثرة أمام تطور أدوات إنتاجها، فكان يساراً، كما مرَّ في التسمية، يسير مع القوى الإنتاجية الصاعدة ويناضل إلى جانبها في خضمِّ صراعها لإسقاط ما يعرف بالتشكيلة الاقتصادية الإقطاعية، ومواجهة ركائزها الفكرية المتفسخة المتمثلة، آنذاك، بهيمنة الكنيسة ورجالها الذين كانوا في خدمة الإقطاع بل جزءاً منه، وغطاء له.

اندمجت مطالب اليسار في المرحلة الأولى في إطار شعارات البورجوازية الصاعدة التي لخصتها الثورة الفرنسية: بالحرية والعدالة والمساواة، ونضج اليسار في خضم الغنى الفكري الذي رافق نهوض البورجوازية في مدى ثلاثة قرون ساد خلالها أكثر البلدان الأوروبية تطوراً، وملامساً لمختلف جوانب الحياة، في تكامل خصب معطياً الإنسان رؤية جديدة عن العالم. ومن بين المفكرين الذين التقى حول أفكارهم اليسار واليمين (البورجوازية) على السواء: سيغموند فرويد في علم النفس، وتشارلز داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء، وآخرون. وهذا ما يشير على صعيد الفكر أنَّ ثمة توافقاً ما بين البورجوازية على أنَّها يمين، والاشتراكية على أنها يسار، فلكل منهما رؤية جديدة عن العالم، وكلاهما يعتمد العلم الحديث مرجعاً، والعَلمانية فضاء لإدارة الدول، ووسيلة ارتقاء بإنجازات العلوم التي تستمد صحتها من الواقع والتجربة المادية، ويلتقي الاثنان مع ماركس في قوله: “لبيان صحة فكرة ما يجب عرضها على الواقع”.

الثانية: تنقسم المرحلة الثانية إلى أ و ب:

أ- مادي عياني يجسد ما يجري على الأرض في أوروبا وأمريكا اللتين بدتا خلال القرون الثلاثة الماضية وكأنهما على سطح من الصفيح الساخن، إذ إن الطبقة العاملة إلى نضج، وقد أخذت تشكل نقاباتها وأحزابها وتعلن عن مطالبها في تلك البلدان، وتخوض حرباً طاحنة لأجل حياة أكثر إنسانية أمام ظواهر التوحش الرأسمالي، فالتظاهرات الكبرى أخذت تعم العالم الرأسمالي الصاعد ومنها، على سبيل المثال، تلك التي نظمها العمال في مدينة شيكاغو في الأول من أيار عام 1986 وتبعها إضراب في تورنتو شارك فيه ما بين 350 و400 ألف عامل، طالبوا بتحديد ساعات العمل بشعار “ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات فراغ للراحة والاستمتاع”، الأمر الذي لم يَرق للسلطات وأصحاب المعامل، وخصوصاً أنَّ الدعوة إلى الإضراب حققت نجاحاً جيداً وشلت الحركة الاقتصادية في المدينة، ففتحت الشرطة النار على المتظاهرين وقتلت عدداً منهم، ثم ألقى مجهول قنبلة في وسط تجمع للشرطة أدت إلى مقتل أحد عشر شخصاً بينهم سبعة من رجال الشرطة واعتُقِلَ في إثر ذلك عدد من قادة العمال، وحكم على أربعة منهم بالإعدام، وعلى الآخرين بالسجن مدداً مُتفاوتة. وحين كان الجلاد ينفذ حكم الإعدام بالعمال الأربعة كانت زوجة أحدهم هو: “أوجست سبايز” تقرأ خطاباً كتبه زوجها لابنه الصغير جيم، يشير إلى وعي الطبقة العاملة ذاتها، ودورها في ما يعزز المفهوم الماركسي عنها بوصفها طبقة يعوَّل عليها في تحرير الإنسان من اغترابه وعبوديته:

 “ولدي الصغير عندما تكبر، وتصبح شاباً وتحقق أمنية عمري، ستعرف لماذا أموت. ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني بريء. وأموت من أجل قضية شريفة، ولهذا لا أخاف الموت، وعندما تكبر ستفخر بأبيك، وتحكى قصته لأصدقائك“.

 وقد ظهرت حقيقة الجهة التي رمت القنبلة عندما اعترف أحد عناصر الشرطة بأن من رمى القنبلة كان أحد عناصر الشرطة أنفسهم.[3]

ومثل هذا الأمر حصل مع النساء إذ خرجت تظاهرات ضخمة في مدينة نيويورك من الولايات المتحدة الأمريكية في عامي 1856 و1908 يطالبن بحقوق تتعلق بشروط العمل وبشروط الحياة الإنسانية، وقد قوبلت الأولى بوحشية، بينما حملت النساء في التظاهرة الثانية خبزاً وورداً. وفي العام التالي 1909 احتفلت النساء في مدينة نيويورك بذكرى يوم الثامن من آذار. وبعد نصف قرن، قرر مؤتمر “الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي” المنعقد في باريس عام 1945. أن يكون الثامن من آذار من كل عام يوماً للمرأة في العالم.

ب- انعكاس ما يجري على الأرض في أذهان المفكرين والفلاسفة والمنظرين. ففي “نهاية القرن التاسع عشر حدث تضاد واضح بين الاشتراكية والرأسمالية، وخصوصاً بعد أن غالت الرأسمالية لا في استغلال العمال فحسب، بل أخذت تلتهم حتى المنتجين الصغار، وكان كارل ماركس قد أصدر مع صديقه عالم الاجتماع فريدريك أنجلز البيان الشيوعي عام 1848 ويعد البيان أول وثيقة توضح حدود كل من اليمين واليسار، وتشرح أسلوب الإنتاج الرأسمالي بعدئذ يعكف ماركس على نقد الاقتصاد السياسي في كتابه الشهير رأس المال الذي يمثل عماد الاقتصاد السياسي الماركسي، ويتألف من تسعة مجلدات، أنجزه كارل ماركس عام 1867، لكن مجلده التاسع والأخير جمعه وأتمّه فريدريك أنجلز.

كتاب رأس المال لماركس مرجعية اليسار العالمي

يعد كتاب رأس المال من أهم الأعمال الفكرية التي صدرت في القرن التاسع عشر، ويمكن أن يصنف مع منجزات فكرية كبرى مثل كتاب روح القوانين لمونتسكيو، ونقد العقل المجرد لـ “كانت”، عدا أنه واحد من أهم كتابين مؤسسين في العلوم الاقتصادية، أوَّلهما “بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها” المعروف اختصاراً بثروة الأمم لـ”آدم سميث” الذي كان قد صدر عام 1776. وقد برز في تلك المرحلة كثير من المفكرين الذين عرفوا بالاشتراكيين الخياليين أمثال روبرت أوين، وسان سيمون وغيرهما وحاول بعضهم أن يؤسس كميونات معتمدة على نفسها بالانفصال عن المجتمع الرأسمالي”. ونشط الأدب مندداً بالظلم الإنساني أيضاً كما في روايتي “الغاب” لـ”أبتن سنغلر” عام 1903 عن معامل اللحوم في شيكاغو، و”العقب الحديدية” لـ”جاك لندن” عن أحداث سان فرانسيسكو عام 1908.[4]

وهكذا أخذت الفلسفة الماركسية في التكون لتشكل رؤية متكاملة في الحياة، إذ تصدَّى كارل ماركس بالنقد للفكر الاشتراكي الفرنسي، وللمنهج الجدلي الألماني لدى هيغل المسمى بأبي الديالكتيك إضافة إلى كتاب رأس المال الذي هو نقد للاقتصاد السياسي. ولتكون هذه الفلسفة سلاحاً فكرياً لقادة الثورة البلشفية في بداية القرن العشرين.

ثورة أكتوبر واستواء اليسار ومحاولة تأطيره.

على الرغم من أنَّ صرخات اليسار كانت الأقوى في البلدان الأوروبية وأمريكا، حيث تمركز رأس المال، وأوضاع العمل القاسية، وحيث الاحتجاج الأعمق والأشمل. إلا أنَّ اكتمال كينونة اليسار واستواءه لم يأتيا إلا بعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا القيصرية في السابع من نوفمبر عام 1917 على يد منظرها “فلاديمير إيلتش لينين” وبقيادة حزبه الشيوعي الذي انقسم إلى بلاشفة ومناشفة (أقلية وأكثرية) حول أسلوب العمل الثوري عنفاً أم اعتدالاً. تفرداً أم مشاركة (يرى المناشفة أنَّ الثورة الروسية هي ثورة ديمقراطية لا عمالية) إذ إن روسيا لم تتخلص من بقايا النظام الإقطاعي. ومعروف أن الثورة بحسب كثير من المهتمين والباحثين قد أتت في بلد أقل تطوراً من بقية البلدان الأوروبية، لكنه الأكثر معاناة بسب نظام القنانة (العبودية) الذي كان سائداً قبل الثورة بعقدين من الزمن، وبسبب هزيمة روسيا في الحرب العالمية الأولى. وما خلفته من بؤس لدى الشعب.

وتظلُّ الثورة الروسية، كأيِّ حدث عظيم في التاريخ، موضع جدل، على الرغم من نجاحها، بتأسيسها أكبر إمبراطورية في التاريخ حالمة بمد نفوذها إلى العالم أجمع.[5]

وقد جسد مسيرة ثورة أكتوبر الكاتب والصحافي الأمريكي “جون ريد” في كتابه: “عشرة أيام هزت العالم” إذ جاء تغطية مباشرة لحركة الثورة والثوار.

وإذا ما تجاوزنا تلك المرحلة وما تلاها من ثلاثة عقود عجاف تخللتها أحداث مريرة (سيأتي ذكرها). لكنَّ أبرز تلك الأحداث هي الصراعات على السلطة خلال إصابة لينين وبعد موته عام 1924 إثر محاولة اغتياله عام 1918، إذ كان للرصاصة التي أصابت عنقه أكبر الأثر في انهيار صحته. وقد أزالها الأطباء من عنقه عام 1922، ولكنهم لم يستطيعوا إلغاء آثارها القاتلة، إذ تسببت في تعرض لينين لنوبات دماغية عدة، شلته عن العمل، وكان آخرها 21 كانون الثاني 1924 القاضية. حنط جسد لينين ودفن في الساحة الحمراء في موسكو. أما قاتلته فهي فتاة يهودية عضو في حزب الاشتراكيين الثوريين، وهذا اعترافها: “اسمي فانيا كابلان، اليوم أنا من أطلق الرصاص على لينين، فعلت هذا بكامل إرادتي، لا أريد أن أتكلم عمن أعطاني المسدس وليست عندي أي تفاصيل أخرى. لقد عقدت العزم على قتله منذ مدّة طويلة، أعتبره خائناً للثورة، لقد تم ترحيلي إلى معسكر “أكاتوي” في سيبيريا لاشتراكي في عملية اغتيال ضابط قيصري في كييف، قضيت 11 عاماً في السخرة، وبعد ثورة فبراير تم تحريري، إذاً فولائي لتلك الثورة وحكومتها وما زلت على هذا العهد”[6].

أعدمت كابلان رمياً بالرصاص في فناء الكرملين على يد جندي بحري من أسطول البلطيق اسمه “بافل مالكوف”، يوم 3 سبتمبر 1918م وقد أشرف على عملية الإعدام “ياكوف سفيردلوف” أشهر زعماء البلاشفة ومدير اللجنة التنفيذية للحزب الشيوعي الروسي وأعطى تعليماته بعدم دفن جثمانها.

كما مرَّ معنا خلال نمو الثورات البورجوازية وبروز أعلام فكرية أنارت لتلك الأجيال دروب الحياة الجديدة. برز الاتحاد السوفياتي قوة عظمى، وخصوصاً بعد نصره في الحرب العالمية الثانية وتكوُّن المنظومة الاشتراكية، وقيام الثورة الصينية وتأثر أعداد كبيرة في ما يسمى بالعالم الثالث وبدا العالم كله وكأنما يزحف باتجاه الشيوعية اعتقاداً وإيماناً أو تأثراً ونزوعاً نحو التحرر والانعتاق وأخذت الحركات الثورية في القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تهز أركان العالم، وتنامت الحركة الشيوعية العالمية في ميادين الحياة كافة، وأخذت الرأسمالية ترى ملايين البشر تزحف باتجاه الشيوعية التي بدت -عبر عقود عدة- قد توسطت القرن العشرين، بوصفها ديناً جديداً يبشر به أعلام مرموقون يعدُّون منارات ورواداً للبشرية المستعبدة في مدى تاريخها. فعلى صعيد السياسة لمعت أسماء في البلدان الرأسمالية ومستعمراتها وفي البلاد الاشتراكية سحرت الأجيال الصاعدة: كفيدل كاسترو، وتشي غيفارا وهوشي مينة، والجنرال جياب، وماو تسي تونغ، وكثيرين غيرهم، إضافة طبعاً إلى قادة ثورة أكتوبر ومنتجهم في الفكر السياسي.

أما في مجالي الفن والأدب فقد صعد مبدعون عباقرة، وسَمُوا العصر بميْسَمِهم الإنساني الجميل، ومن بين هؤلاء نذكر أمثلة فقط، إذ هم بالمئات، إن لم أقل بآلاف: بابلو بيكاسو في الفن التشكيلي، وأرنست همنغواي وناظم حكمت في الرواية والشعر، وتشارلي شابلن ومارلون براندو في السينما، وميكيس ثيودوراكيس في الموسيقا، والأخير لمن لا يعرفه مؤلف موسيقى فيلم، زوربا اليوناني التي تنضح بالحب والإقبال على الحياة كما شخصية بطل الرواية والفيلم. وعرف عن ثيودوراكيس مناصرته الشديدة للقضية الفلسطينية.

حضور قوي للمرأة

وقد رافق نموَّ ذلك الوعيِّ كلِّه حضور قوي للمرأة تماشياً مع فكرة ماركس القائلة:

“لمعرفة مقدار تقدُّم أو تخلُّف أيِّ مجتمع ما عليك سوى معرفة مكانة المرأة عندهم”.[7]

 فكانت تجربة “فالنتينا تريشكوفا” المرأة السوفياتية التي اعتلت سفينة فضائية ودارت حول الأرض وفي فضائها الخارجي ما يعطي الدليل على أنَّ الحياة شهدت انقلاباً شاملاً لم يطل الإنتاج الاقتصادي فحسب، بل راح يلامس القيم الاجتماعية، ومفهوماتها الأخلاقية والإنسانية. ولعل حدوث هذا التطور العلمي في بداية ستينيات القرن العشرين قد أعطى اليسار عموماً والسوفيات تحديداً إيذاناً بتصدُّر العالم الإنساني الجديد فمن يحوز على درجة أرقى في العلوم يمسك بزمام العالم على حدِّ تعبير “لستر ثارو” في كتابه: “الصراع على القمة” الذي أشار في معرض تنبئه بمن سيتصدر العالم في القرن الحادي والعشرين، إلا أن الاتحاد السوفياتي ما كان له إثبات وجوده في القرن العشرين بوصفه نداً للولايات المتحدة الأمريكية وإيذاناً بالتفوق عليها لولا تفوقه العلمي، وخصوصاً في ميدان الفضاء. بينما يعد المؤرخون، كما مرَّ، أن أقوى إمبراطورية في القرن العشرين، وبحسب معايير خاصة تأخذ النفوذ على مساحات معينة من الأرض وعدد السكان، كان الاتحاد السوفياتي، قد شكلها.[8](ويكيبيديا)

تطور الحركة الشيوعية العالمية

بعد نجاح ثورة أكتوبر أخذت الأحزاب الاشتراكية والعمالية تتكون في العالم أجمع ومن ضمنها البلدان الأوروبية إذ إن وجود الحزب ضرورة موضوعية لقيام أي ثورة اشتراكية بحسب لينين، وتأسست قيادة للحركة الشيوعية العالمية وهي “الكومنترن” مركزها موسكو وعرفت بالأممية الشيوعية أو الكومنترن (بالإنكليزية: Communist International، تختصر Comintern) منظمة دولية شيوعية ظهرت في موسكو خلال شهر مارس 1919. دعا المؤتمر التأسيسي للأممية إلى المحاربة بالوسائل المتاحة كلها، بما في ذلك القوة المسلحة، من أجل إسقاط البورجوازية الدولية، وإنشاء الجمهورية السوفياتية الدولية (نواب العمال والفلاحين) كمرحلة انتقالية إلى الإلغاء الكامل للدولة. هذه الدعوة استدعت تشكيل حلف معاكس هو “حلف مناهضة الكومينترن” وهو اتفاق أبرمته ألمانيا النازية مع إمبراطورية اليابان (انضمت إليهما في وقت لاحق بلدان أخرى) في 25 نوفمبر سنة 1936 وكان موجهًا ضد الأممية الشيوعية (الكومنترن) بصفة عامة، والاتحاد السوفياتي بصفة خاصة.

ومن أبرز الأحزاب الشيوعية الأوروبية إضافة إلى الحزب الشيوعي السوفياتي:

الحزب الشيوعي الفرنسي

أسس عام 1920 أي بعد الثورة البلشفية بثلاث سنوات، منفصلاً عن القسم الفرنسي الاشتراكي الدولي للعمال:(SFIO)  وقد شارك في ثلاث حكومات منذ تأسيسه:

الحكومة المؤقتة للتحرير (1944-1947)./ وفي بداية رئاسة فرنسوا ميتيران (1981/1984)

وفي التجمع اليساري بقيادة ليونيل جوسبان (1997-2002)

وللحزب تأثير قوي في السياسة الفرنسية في المستوى المحلي، على الرغم من انخفاض دعمه الانتخابي في العقود الأخيرة.

الحزب الشيوعي الإيطالي: أسس يوم 21 يناير 1921 في ليفورنو بالانفصال عن الحزب الاشتراكي الإيطالي. قاد الانقسام أماديو بورديجا وأنطونيو غرامشي. وحظر الحزب رسمياً في العهد الفاشي للدكتاتور موسوليني، لكنه عاد ليكتسب شعبية واسعة بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة مشاركته بحركة المقاومة الإيطالية، وحقق نجاحات انتخابية باهرة يقارب معدلها ثلث الأصوات. وكان صاحب مبادرة تكسل ما عرف بالشيوعية الأوروبية. لكن الحزب حل نفسه عام 1991 بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وورثه حزب اليسار الديمقراطي الإيطالي وحزب إعادة التأسيس الشيوعي. إلى جانب حزب اليسار بقيادة جان لوك ميلينشون.

ويشار إلى أنه في عز الاتحاد السوفياتي، لم يبق بلد في العالم لا يوجد فيه حزب شيوعي أو حركة يسارية تقيم علاقات مع الاتحاد السوفياتي بما في ذلك الحزب الشيوعي في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان حزباً صغيراً لكنه موضع اعتزاز الحركة الشيوعية.

الحزب الشيوعي الأمريكي (بالإنكليزية: (CPU) Communist Party USA)، يعدُّ أكبر حزب شيوعي في الولايات المتحدة، أسس سنة 1919. الحزب الاشتراكي الأمريكي الذي كان يضم 40 ألف عضو، لكن أعداد الشيوعيين تناقصت مع بدء دعايات الخوف الأحمر والمكارثية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وقد حُظِرَ بعدها الحزب من الانتخابات لأنه يقف ضد الديمقراطية والليبرالية.[9]

وله تأثيره الواسع. ويقول “هارفي كلير” أستاذ العلوم السياسية في جامعة أتلانتا إيموري:

 “بالتأكيد كان للحزب الشيوعي تأثير في الحياة الأمريكية.”

وفي أوج الحزب ما بين الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، كانت هناك شبكة قوية للحزب في أنحاء البلاد، وحقق عدداً من النجاحات الانتخابية في المستوى الوطني. وكان ثلاثة من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين ينتمون سراً إلى الحزب الشيوعي. وتسبب اشتعال الحرب الباردة في ملاحقة الشيوعيين وحلفائهم في الولايات المتحدة. وجاءت أبرز حملات الملاحقة بوساطة “لجنة مجلس الأنشطة غير الأمريكية”، ولاحقا بوساطة السيناتور جو ماكارثي.

الأسباب العميقة لتراجع اليسار وأفول نجمه

إذا كانت الحركة الشيوعية قد ولدت قوية، بالأفكار الجديدة التي طرحتها في مواجهة الرأسمالية فإن التصوُّر الذي وجد لدى بعض قادتها عن تأطير العالم وقيادته بجعل الفلسفة الماركسية نظرية وأيديولوجيا لا يأتيها الباطل، ما يعني في النهاية أن الشيوعية هي نهاية العالم. فإن هذه النزعة بالذات هي التي أودت بالاتحاد السوفياتي الذي أمضى حياته صراعاً من أجل هذه الفكرة على الرغم من كل ما قيل ويقال عن عدالة جوهرها وعلى الرغم من كل عمل ملموس في هذا السبيل جرى على الأرض. إذ لا يمكن لأحد أن يؤطر الحياة ولا أحد يستطيع إيقاف حركة الحياة وتجددها المستمر وهذا ما عبر عنه غوتة موجزاً جوهر المادية الجدلية إحدى أهم مكونات الفلسفة الماركسية:

“جافة هي النظرية يا صديقي وشجرة الحياة في اخضرار دائم”. وإذا كانت هذه الفكرة جوهر تراجع اليسار كما تجلى في مدى سبعين عاماً فلا بد من قراءة بعض الأفكار التي وجدها الباحثون والمهتمون وموجهو الانتقادات إلى التجربة السوفياتية ومنها:

 أولاً: الولادة المبكرة للثورة الروسية

يرد بعضهم تراجع اليسار السياسي إلى أن ثورة أكتوبر في الأساس قد ولدت “خديجة” بعكس ما توقعها ماركس فالتشكيلة الاقتصادية الرأسمالية لم تستنفد إمكاناتها. والحقيقة أن الشيوعية التي احتكرت اليسار بتجربة الاتحاد السوفياتي الذي بدأ مع تفرد حزب البلاشفة بالسلطة مواجهاً ضغوطاً داخلية وخارجية توجت بحرب ساندت طرفها المعادي للثورة قوى خارجية إضافة إلى العنف الذي استخدم لدى تطبيق التعاونيات الزراعية وراح ضحيته ملايين من الشعب الروسي والشعوب السوفياتية ما ترك أثراً سلبياً وجروحاً لم تندمل بل أخذت تفعل فعلها داخلياً وخارجياً على الرغم من الإنجازات التي أشير إليها كلها.

ثانياً: القيادة الواحدة والمعلم الواحد

وكما انفرد الحزب الشيوعي بقيادة الثورة الروسية، ومن بعدها الاتحاد السوفياتي، انفرد الاتحاد السوفياتي بقيادة اليسار العالمي ما أدى إلى تململ لدى بعض الأحزاب الشيوعية التي كانت ترى أن ثمة مصالح وطنية أو قومية لدى هذا الحزب أو ذاك في هذا البلد أو ذاك، تختلف أو تتباين مع مواقف المركز الأممي. وكان السوفيات يرون وخصوصاً خلال ما عرف بـ: “الحرب الباردة” أنَّ المواقف المفككة تضعفهم، وتصب في طاحونة الإمبريالية العالمية، إذ إن المعركة مع هذه الأخيرة واحدة، وهذا ما دفع بعض الأحزاب الأوروبية التي تتميز بلدانها بأجواء الحرية والديمقراطية إلى الخروج على طاعة السوفيات. وخصوصاً بعد تدخلهم العسكري في “هنغاريا” عام 1956 وفي “تشيكوسلوفاكيا” عام 1968. إذ بلور الحزب الشيوعي الإيطالي موقفه من موسكو في اجتماع جرى عام 1977 بينه وبين الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الشيوعي الإسباني حين دشنوا “الشيوعية الأوروبية”، وهو تيار فكري انتشر بين الأحزاب الشيوعية الأوروبية في السبعينيات والثمانينيات، كان يدعو إلى التعاون مع فئات سياسية أخرى كالليبراليين والمسيحيين الديمقراطيين من خلال المؤسسات الديمقراطية الموجودة لغرض الانتقال الاشتراكي “في ظل الحرية والسلام والنظام التعددي”.[10](ويكيبيديا).

ثالثاً: عدم مواكبة السوفيات لتطور القوى المنتجة.

نما اليسار وترعرع في ثنايا انقلاب يتفوق ويتقدم على الانقلابات التاريخية كلها كالانقلاب الذي حصل لدى صناعة العجلة مثلاً أو انقلاب اكتشاف البارود. إنه الانقلاب الذي مكَّن الانسان لا من الأداة (المحراث الروماني)، بل من الآلة التي تحرك الأداة (المحراث الحديث)، ومكنات النسيج، والقطارات ما أدى إلى ما نحن عليه اليوم من ثورتي الاتصالات والمعلوماتية وسواهما.

إذاً على اليسار، في هذه الحال، أن يكتسي رقياً إنسانياً عالياً، وقيماً إنسانية أكثر حساسية ورهافة. وعليه أن يساير التطور العلمي المتسارع على الصعد كلها، إذ يرى ماركس: “إنه على الماركسيين أن يعيدوا النظر في أفكارهم كلما أتى العلم بجديد..”

لكن البيروقراطية سدت منافذ العقل والنمو، فالسوفيات الذين بهروا العالم بعلم الفضاء، وريادته تخلفوا في ما يتعلق بتطوير السلعة التي يحتاج إليها المواطن كماً وشكلاً، وحين يتخلف اليسار تكنولوجياً، يتخلف اجتماعياً وإنسانياً أيضاً.

رابعاً: أعباء جسيمة حملها اليسار

حمل الاتحاد السوفياتي أعباء بقايا العلاقات الإقطاعية وبخاصة الاجتماعية منها في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث أو النامي (كناية عن التخلف)، ففي وقت كانت فيه الدول الرأسمالية تستنزف ثروات تلك البلدان بطرائق مختلفة وأساليب وحشية، مساهمة في إيجاد مخارج لأزماتها. كان الاتحاد السوفياتي يقدم مساعدات سخية إلى عدد من الأنظمة العسكرية التي تزعم أنها ترفع شعارات وطنية/ تقدمية، وتعادي الإمبريالية، لكن سياسييها معظمهم كانوا حريصين على سلطتهم، وسلطانهم أكثر من حرصهم على أوطانهم وشعوبهم.

أما على صعيد أوضاع الاتحاد السوفياتي الداخلية، وعلى الرغم من أن الماركسية تتحدث عن وفرة الإنتاج لتحقيق العدالة الاجتماعية، كما مرَّ سابقاً، فإن تلك الوفرة لم تتحقق، وإن وجدت، فلم تلبِّ أذواق الناس، ولم ترتقِ إلى السلع المشابهة في البلدان الرأسمالية. وقد قسمت الماركسية حاجات الناس وضروراتها على مرحلتين الأولى مرحلة الاشتراكية وشعارها: “من كل إنسان بحسب قدرته ولكل إنسان بحسب عمله” أما المرحلة الثانية أي المرحلة الشيوعية فكان شعارها: “من كل إنسان بحسب قدرته ولكل إنسان بحسب حاجته” ولم يستطع السوفيات تطبيق المرحلة الأولى وهي الأبسط بسبب عدم توازن الإنفاق بين ما هو وطني وما هو أممي، ويبدو أن الحرب الباردة رجحت الاهتمام بالجانب الأممي. والأهم من ذلك والمؤثر سلباً أنَّ مبدأ “المساواتية” في الأجور استبدل بشعار مرحلة الاشتراكية فكان سقوط الحافز المادي الذي من شأنه أن يرفع سويَّة الإنتاج وكميته. وقد تركت المساعدات الأممية انعكاساً سلبياً برز في أمرين اثنين:

– عدم جدوى تلك المساعدات التي لم يحسن استخدامها في كثير من الحالات.

– تركت ردة فعل لدى شعوب الاتحاد السوفياتي نفسها إذ إنَّ تلك المساعدات، في النهاية، من كدهم وتضحيات آبائهم وعلى حساب رفاههم، إضافة إلى ما كان يشاهد من تمايز بين الشيوعيين القياديين خصوصاً سواء كانوا سوفياتيين أم أجانب، والمواطن السوفياتي العادي.

رابعاً: تجاوز الرأسمالية لأزماتها

الرأسمالية كما السياسة براغماتية تتحرك وفق حركة السوق، فلا يهم الرأسمالية الكلاسيكية من القوانين الأخلاقية إلا ما يحقق لها المنفعة ولا سيما الاقتصادية، على وجه الخصوص. وعلى ذلك فقد كان للأفكار والآراء التي تولدت نتيجة الثورة الصناعية في أوروبا دور بارز في تحديد ملامح الرأسمالية. إذ دعت إلى الحرية وتبنت الدفاع عنها، وكانت الحرية بالفهم الرأسمالي هي حرية العمل وانتقال السلعة لكنها، في النتيجة، شملت الحريات السياسية والأخلاقية والاجتماعية. ومن هذه النقطة بالذات انطلاقة تجاوز الرأسمالية لأزماتها وتفوقها على اليسار وخصوصاً في ميدان الإنتاج.. فشعار الحرية، كما هو معروف، ارتبط مباشرة بتوسع الإنتاج الصناعي الذي اتخذ، من عبارة آدم سميث “دعه يعمل، دعه يمر” شعاراً للرأسمالية، وتعبيراً عن حرية السلعة الرأسمالية التي يراد لها أن تقتحم العالم، دونما حواجز أو معوقات على الرغم من أنها تحمل جواز مرورها بقوتها الذاتية، فهي، كما وصفها، في ما بعد، كارل ماركس بالذات، في البيان الشيوعي إذ يقول:

 “إن لدى السلعة البورجوازية من القوة ما يجعلها تدُّك أسوار الصين دونما مقاومة”.[11]

تجليات البراغماتية الرأسمالية، في النقاط الآتية.

أ- قدرة الرأسمالية على تحسين أوضاع مجتمعاتها

تأثرت الرأسمالية بما يعتَدُّ به اليسار فتدخلت دولها في تطوير المواصلات والتعليم ورعاية حقوق المواطنين وسن القوانين ذات الصبغة الاجتماعية، كالضمان الاجتماعي، والشيخوخة، والبطالة والعجز، والرعاية الصحية، وتحسين الخدمات ورفع مستوى المعيشة. يعني: (صارت البورجوازية ماركسية أكثر من الماركسيين) وجاء هذا التوجه الإِصلاحي الجزئي من ملاحظة ظهور العمال بوصفهم قوة انتخابية في البلدان الديمقراطية، وبسبب لجان حقوق الإِنسان، ولأجل وقف المد الشيوعي الذي يناصر العمال ويدافع عن حقوقهم ومكتسباتهم.

ب- استخدام الرأسمالية لمبدأ القوة.

أشير إلى قمع التظاهرات الداخلية في البلدان الرأسمالية معظمها في مرحلة صعودها وأكثرها بقوة السلاح. وقد استخدم الأسلوب نفسه على النطاق الخارجي أو العالمي إذ نشَّطت الرأسمالية في مرحلة الحرب الباردة أساليبها الخشنة، ومنها الانقلابات العسكرية والاغتيالات الفردية والإعدامات وللمثال: اغتيال (باتريس لومومبا/ الكونغو1961 عبر انقلاب عسكري)، (أرنستو تشي جيفارا 1967/تتبع مخابراتي)، (مجازر إندونيسيا بين أعوام 1965 و1968 وقتل ما بين خمسمئة ألف إلى مليون شيوعي أو متعاطف)، (إعدام عبد الخالق محجوب الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني ورفاقه عام1971/ انقلاب مخابراتي) (موت سلفادور الليندي/ التشيلي 1973/ في انقلاب عسكري على الشرعية) وحين تفشل الانقلابات العسكرية فإن التدخل المباشر كان حاضراً كما حدث في الفيتنام ثم في أفغانستان على نحو غير مباشر، بعد دخول السوفيات إليها، وبعدئذ في العراق.[12]

ج _ سباق التسلح

 لم يستطع السوفيات مجاراة الأمريكان في هذا المجال، كبرنامج حرب النجوم المرهق حقيقة، وقد أعلنته أمريكا في عهد رولاند ريغان الرئيس الأربعين للولايات المتحدة الأمريكية الذي ارتبط اسمه بإطلاق هذا البرنامج الهادف لإحباط أي هجوم قد تتعرض له الولايات المتحدة أو إحدى حليفاتها بالصواريخ البالستية، إضافة إلى أنَّ البرنامج جاء في إطار سياسة كاملة وضعها ريغان لجر الاتحاد السوفياتي إلى سباق تسلح مهلك، وعبارته مشهورة: “سنجعلهم يجوعون” ونجح ريغان فعلاً، بحيث يعده بعضهم مهندس تفكيك الاتحاد السوفياتي.

د- اليسار والدين

نشأ اليسار ردة فعل على هيمنة الكنيسة على القرار السياسي في القرون الوسطى في أوروبا فقد كان اليسار منذ بداياته معارضاً لتدخل الدين في الشؤون السياسية، وعندما برزت نظريات تشارلز داروين على السطح قام اليسار بدعمها بقوة، كما مرَّ، مقتنعاً بأن قانون الانتقاء الطبيعي في علم الأحياء والوراثة يمكن تطبيقه حرفياً على المجتمعات وعلم الاجتماع. في الوقت الذي كتب الأمريكان على الدولار عبارة: “بالله نحن نؤمن أو نعتقد”. وعلى الرغم من أن لدى اليمين مواقف من الكنيسة وبخاصة في بدايات الثورات البورجوازية إلا أنه لم يعلن الإلحاد، ولم يغلق الكنائس، بل قلص نفوذها مكتفياً بفصل الدين عن الدولة.

وما تزال إلى الآن قضايا كثيرة محل خلاف بين اليمين واليسار السياسي قضايا مثل عقوبة الإعدام، ومبدأ العين بالعين إذ يعارضها اليسار بينما يقول اليمين بها وكذلك قضية الإجهاض التي يرفضها اليمين رفضاً قاطعاً بينما يتقبلها اليسار.[13](ويكيبيديا)

ه- تفرع اليسار وتبنيه قضايا جديدة

في الستينيات ظهر تيار يساري جديد عُدّ أقصى اليسار أو اليسارية الراديكالية أو اليسار الجديد الذي اختلف عن اليسارية التقليدية بتوجيه اهتمامه نحو قضايا اجتماعية تعدت حدود كونها قضية دفاع لفئة معينة وبدأ عدد من اليساريين الجدد نشاطاً ملحوظاً في مجال حقوق الإنسان، وحقوق الحيوان، وحماية البيئة، وحرية الرأي والتعبير، وحقوق المثليين، والتوجه الجنسي، ومعارضة رهاب المثلية، وغيرها من القضايا التي اتخذت أبعاداً أكثر شمولية من اليسارية التقليدية.

 في مرحلة ما بعد الحداثة بدأ اليسار بالابتعاد تدريجاً عن النظريات الماركسية والأممية ولا تقبل التحليلات والتفسيرات الشمولية التي تبنتها الشيوعية وبدأ توجه جديد لليسارية بالتركيز على خصوصية المجتمع الذي نشأ فيه التيار اليساري واعتبرت هذه الوسيلة أكثر واقعية ونفعاً من الأسلوب اليساري القديم في محاولة نسف كامل، وإعادة بناء كامل للمجتمع.

ز- اليسارية والشيوعية

هناك فروقات كبيرة بين الشيوعية والحركات اليسارية الأخرى، اليساريون معظمهم يرفضون أي صلة بالشيوعية بسبب الشمولية التي كانت موجودة في نظام الحكم في الاتحاد السوفياتي والصين التي عدَّها اليسار سياسة قمعية. ويرى الفيلسوف اليساري النمساوي “كارل بوبر” “أنَّ الشيوعية حالة خاصة ورأى وجوب تحليلها بمعزل عن اليسار السياسي”.[14] وكذلك رأى “ليون تروتسكي” الذي آمن بالثورة الدائمة على أن تقوم في البلدان الأوروبية كلها وبالتدريج، لا في روسيا وحدها وعدَّ الستالينية خروجاً على مبادئ الشيوعية، وخيانة لها، وقد عرف هذا التيار بـ: “التروتسكية”.

وقد عارض كثير من الحركات اليسارية في أوروبا مبدأ التسلط الشمولي في الاتحاد السوفياتي، وفي العقود الثلاثة الأخيرة طرأت تغيرات على الصين إذ تحولت من دولة شيوعية تقليدية إلى تيار أقرب إلى اليمين وبرز يساريون جدد في الصين مرحبين بمرحلة ما بعد الحداثة والتركيز على خصوصية الصين الثقافية والتاريخية.

ذلك كله أدى إلى سقوط الاتحاد السوفياتي، وما فعل ميخائيل غورباتشوف بالبيروسترويكا (إعادة البناء) إلا أنه أزاح الستارة عن بناء متهرئ، وآيل إلى السقوط، وحين قام يلتسن بانقلابه، وتصدى له العسكر القديم لم يتحرك أحد من ملايين الشيوعيين الروس لدعمهم.

اليسار السياسي اليوم ومهماته.

اليسار اليوم هو وريث اليسار السابق، ومخلِّصاً إياه من نواقصه وسلبياته، ومطوراً رؤيته وفكره بحسب ما حصل في العالم من تطورات علمية وتكنولوجية، وكذلك بكل ما حدث من تغيرات على صعيد السياسة والاقتصاد، وتكديس السلاح الأكثر رعباً وإخافة لكل ما هو حيٌّ على وجه الأرض. ويمكن لليسار اليوم أن يحمل حيث يوجد همَّ وطنه وشعبه في الدرجة الأولى، ثم أن يكون الضمير الإنساني للعالم أجمع، وعلى ذلك فاليسار نصير للحرية بمفهومها الأعمق والأشمل وهو على نقيض من الدكتاتورية والاستبداد، كيفما تجليا، وأينما وجدا، وبأي مسمى كان، ويناضل اليسار اليوم، واليسار السياسي كان وسيبقى إلى جانب العدالة الاجتماعية ويقف اليسار إلى جانب نصرة القضايا العامة التي تقف معوّقاً أمام نمو البشرية نمواً متقارباً على غير صعيد ويمكن إيجاز مهماته الكبرى وما يجب أن يتبناه اليوم دونما دخول في التفاصيل بما يأتي:

أولاً: السعي لردم الهوة التي تزداد اتساعاً بين البلدان المتطورة والأخرى المتخلفة، على غير صعيد، وبخاصة بين الفقراء والأغنياء، بين المليار الذهبي، وبقية سكان الكوكب الأرضي الذي يعرفه الجميع اليوم بالقرية الصغيرة.

ثانياً: ترسيخ فكرة السلم العالمي، ومناهضة الحروب التي تتسبب بمزيد من المشكلات التي تحتاج معها إلى موازنات خاصة لترميمها، ولا بد من تخفيف زيادة الإنفاق على السلاح والتسلح تصنيعاً واستخداماً.

ثالثاً: التصدي لقضايا الفساد والإرهاب وتجاوز البيئات الحاضنة لهذين الوباءين بزيادة الوعيين المعرفي والأخلاقي في ميادين الحياة كافة، وصيانة ذلك بالقوانين وبالسهر على تطبيقها.

رابعاً: التصدي للمشكلات الكبرى التي تهدد الحياة على سطح الكرة الأرضية كما يقول العلماء كقضايا البيئة ومن ضمنها التصحر والتلوث على الأرض وفي الفضاء.

خامساً: الارتقاء بعمل المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها) ورفع يد الدول العظمى عنها وإيجاد سبل يمكن تطبيقها بحق الخارجين على شعوبهم والقوانين الدولية.

سادساً: تمكين المرأة أكثر فأكثر والعمل على مد نشاطها إلى أوسع مجال في إدارة شؤون الحياة المختلفة. ورعاية الطفولة عموماً، وضحايا الحروب وضحايا العلاقات غير القانونية على نحو خاص.


المصادر

[1]– ويكيبيديا.

[2]– المصدر السابق.

[3] (ويكيبديا).

[4] (ويكيبديا).

[5] (ويكيبديا).

[6] – موقع مصر المدنية، مقال سامح جميل.

[7]– كارل ماركس، علم الاجتماع، صفحة على الفيسبوك.

[8]– ويكيبيديا.

[9] – خليل أندرواس، مقالة، الحوار المتمدن.

[10] – ويكيبيديا.

[11]– البيان الشيوعي نسخة p.d.f على الإنترنت.

[12] – ويكيبيديا.

[13] – ويكيبيديا

[14]– اللجنة الإعلامية للحزب الشيوعي الأردني، موقع الحوار المتمدن.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.