ثقافة القوة وثقافة الضعف

عبد الناصر محمد

منظومة الثقافات السالبة هي السبب الأساس في انحطاط المجتمع وترهلّه وتخلّفه عن أسباب النهوض. كثقافة الصدام والمؤامرة والهزيمة والضعف والمحن والانتقام. فما معنى أن تكون القوة ثقافة؟ أو أن يكون الضعف ثقافة كذلك؟

هذه الورقة تناقش هذا التساؤل مُحاولةً الإجابة عنه.

  • المجتمعات القوية تبحث عن مكامن القوة وأسباب تفعيلها.
  • المجتمعات الضعيفة تتعايش مع الضعف والهزيمة وتسوّغهما.
  • المجتمعات الضعيفة وثقافة التسويغ.
  • متعة نظرية المؤامرة في المجتمعات الضعيفة.
  • نظرية المصالح في المجتمعات القوية.
  • لماذا انعدمت لدينا ثقافة القوة واستسلمنا لثقافة الضعف.

المدخل

لا شك في أن قيمة المجتمعات الإنسانية تقاس بمنظومة الثقافات السائدة فيها، وأن منظومة الثقافات الإيجابية هي التي تمنح المجتمع قوة ومجداً ومكانة مرموقة بين المجتمعات الأخرى، كثقافة الحوار والسلام والنظام، وثقافة النصر والقوة والتعاون وقبول الآخر. لكن منظومة الثقافات السالبة هي السبب الأساس في انحطاط المجتمع وترهلّه وتخلّفه عن أسباب النهوض. كثقافة الصدام والمؤامرة والهزيمة والضعف والمحن والانتقام.

فما معنى أن تكون القوة ثقافة؟ أو أن يكون الضعف ثقافة كذلك؟

لو قلّبنا صفحات التاريخ وصفحات الحاضر فسوف نجد بلا شك مجتمعات تمتاز بالقوة وأخرى تتصف بالضعف. ولو بحثنا في عمق الأسباب التي جعلت هذه المجتمعات قوية وجعلت تلك ضعيفة لوجدنا أن الأولى تحكمها ثقافة القوة والأخرى محكومة بثقافة الضعف.

فأبناء المجتمعات القوية يحبون القوة ويبحثون عن أسبابها وعواملها، ويحرصون على النصر ويتحمسون له؛ بينما الآخرون الضعفاء متعايشون مع ضعفهم وكأنه قدر محتوم وقضاء مبرم.

اعتاد الضعفاء-لدى مواجهتهم أي استحقاق- أن يتعاملوا معه بما يمتلكونه من قدرات وطاقات من دون إضافة أو تطوير. وعندما يكون الاستحقاق أمراً كبيراً أو خطباً داهماً من النوع المركب والمعقد فلا يصح مطلقاً مواجهته بالإمكانات الحاضرة والطاقات ذاتها، ولا بد من عمليات تأهيل ملائمة وعمليات تطوير وتنمية تتلاءم مع الحالة التي استجدت.

ويقعون في حيرة في ابتكار الخطط والحلول لمواجهة الأهداف أو المشكلات. وينشغلون بردّات الفعل والتعاطي المرتجل مع الحدث لحظة بلحظة وأولاً بأول. وربما يدخلهم هذا النوع من التعاطي في دوامة لا تنتهي من التكرار العقيم وإعادة إنتاج الأخطاء ذاتها.

لكن الأهداف أو العقبات التي نواجهها معظمها يكون لها حل وحيد وبسيط ولا يحتاج إلى طويل انتظار أو تردد. فالحل يكمن في أن نكون أقوياء، فبالقوة نتلافى نقاط الضعف معظمها التي كنا سنبذل جهداً مضنياً وأوقاتاً كبيرة لعلاجها.

الضعفاء ينشغلون بترميم الآفات الواقعة عليهم بسبب ضعفهم من دون أن يفكروا بمعالجة أصل المشكلة وهي الضعف المستحكم بهم، وقد يؤدي الانهماك بعلاج آفة إلى إنتاج آفات أخرى حتى لو كانت الوصفة العلاجية صحيحة.

فالكيان الضعيف يستدعي مزيداً من الضعف، ويستجرّ كثيراً من العجز. وفي المقابل فإن الكيان القوي يلتقط مزيداً من القوة ويجتذب كثيراً من المنعة، فالقوة هي العلاج الأفضل لكل داء وهي الحل لكل مشكلة.

الضعفاء يخسرون حتى وهم يكسبون. يحدث هذا حين يشاغلهم القوم بمعارك صغيرة تافهة ويستنزفون ما لديهم من طاقات فيفرحون بكسب بعض النقاط في زاوية ضيقة من ميدان الصراع، لكنهم لا يدركون أن ما فقدوه من طاقات وأوقات وأهداف، أهم كثيراً مما كسبوه من نقاط.

لكن الأقوياء يكسبون حتى وهم يخسرون. حين يحققون أهدافاً جسيمةً في مكان مستحق وزمان ملائم، حينئذ سينشغلون عن صغائر الأمور فتفوتهم بعض المكاسب الصغيرة من النوع الذي لا يؤثر في المسيرة ولا يعطل البرامج.

يرى الضعفاء أن النوازل كلها واقعة عليهم والسبب ببساطة لأنهم رضوا بالإقامة في الأماكن المنخفضة وفيها يظن الضعفاء أنهم مستهدفون بكل نازلة تسقط عليهم علماً بأن كثيراً من النوازل تصيبهم فقط لأنهم واقعون في المستوى الخفيض.

ويشكو الضعفاء من انعدام الفرص وفقدان الحيل والوسائل، ويتهمون الآخرين بتعمد الإضرار بهم ومنعهم من التمنفع بأي فرصة. لكن السبب وراء انعدام الفرص يكمن في التموضع في المكان الضيق، والتقوقع على برامج عتيقة، ولو فكر الضعفاء لحظة واحدة بالتحرر من ضيق المكان وقلة الخيارات لانفتحت عليهم آفاق كثيرة وفرص وفيرة.

يعاني الضعفاء كثرة استهداف الآخرين لهم وكأنهم هدف لكل رماية، لكنه وهم الضعيف أيضاً، لأنه تموضع في مرمى الآخرين الباحثين عن مصالحهم أو المتمرسين على أذية الضعيف، ولو غيّر الضعفاء أماكنهم لتحاشوا كثيراً من الضربات بل قد يحققون كثيراً من المكاسب.  

ويشعر الضعفاء أن الضربات تأتيهم من حيث لا يحتسبون وأن الجميع يتربص بهم.  ومردّ ذلك الشعور أنهم انغلقوا على أنفسهم في الغرف المظلمة واكتفوا بما لديهم من وعي مكتوب، غير راغبين في أي تحديث على معلوماتهم، يتغير كل شيء حولهم ولا يتغيرون، فتأتيهم المصائب من حيث لا يحتسبون، ولو أنهم أضاؤوا مصابيح الوعي والمعرفة لتفادوا كثيراً من الضربات ولأبصروا كثيراً من المصالح التي كانوا يظنونها مهالك. 

خيارات الضعفاء محدودة، وهم دوماً يواجهون نوعين منها: إما السيء أو الأسوأ، والعاقل منهم من يتحاشى الخيار الأسوأ، بينما تنفتح خيارات الأقوياء على الحسن والأحسن، والحكيم في الأقوياء هو الذي يختار الأحسن دوماً.

يرى الضعفاء أن الجميع يتآمر عليهم ويستهدفهم بالمكائد والمؤامرات وتلك الرؤية تدعوهم إلى مزيد من العزلة والانغلاق والعقد الفكرية والنفسية، الأمر الذي يجلب لهم مزيداً من المكاره والمضرات، فيزداد إيمانهم بـ «نظرية المؤامرة» التي يرون من خلالها الأشياء كلها قاتمة معتمة، حتى المنافع والمصالح يشككون فيها باعتبار العالم لا يمكن أن يقدم لهم أي خير أو منفعة.

لكن الأقوياء يرون أن كثيرين يتطلعون إلى التمصلح بهم والتمنفع بإمكاناتهم وقدراتهم فيتبنون بذلك «نظرية المصالح»، ويقرؤون الواقع انطلاقاً منها. وبهذا المعنى فإن الضعيف أساء الظن بنفسه قبل أن يظن بالجميع الشر. والقوي أحسن الظن بنفسه فرأى الأشياء بطريقة مختلفة.

لا يريد الضعفاء الإقرار بأن كثيراً مما يصيبهم يتعلق بهم لا بالآخرين، ولو أنهم غيروا طريقة تفكيرهم لحصدوا نتائج مغايرة لما يعانونه من نكبات وإخفاقات، وهم يتجنبون تقويم أعمالهم لأنهم لو فعلوا ذلك لوقعت المفاجأة التي لا يرغبون في مواجهتها، ولوجدوا مسيرتهم خالية من الإنجازات وممتلئة بالإخفاقات.

يبحث الضعفاء عن أي شيء يسوّغون به ضعفهم، فحين يتكاثر الأعداء عليهم يشعرون بأنه الفرج بعينه، وأنها حالة مثالية أن تلفهم المحن وتحوط بهم الشدائد لأنهم بذلك يسوّغون عجزهم، ويستبشرون حين يثبتون نظريتهم التي تنبئ أن العالم يتآمر عليهم.

ويستأنس الضعفاء حين ينكشف لهم شيء من ضعف الآخرين حتى لو كانوا أقوى منهم كثيراً، بل يستجلبون السعادة من هذا. لذلك تبقى أعينهم منفتحة على ما يفعل الآخرون تتربص بهم أي موقف يبرر عجزهم.

الضعفاء العجزة يرتاحون حين يسردون معالم المحنة الواقعة عليهم لأنهم بذلك يطمئنون إلى أن سبب عجزهم يتعلق بالآخر لا بهم، وفي لحظة من البلاهة تراهم يفتخرون بالمحن ويتباهون بالشدائد، وكأن المحن هي منجزاتهم التاريخية التي من خلالها يبنون مجدهم الزائف. وهذا الأمر طبيعي فمن لا يمتلك إنجازات يفاخر بها فسوف يفاخر بآثار السياط على ظهره أو ظهر أخيه وأمه وأبيه وفصيلته التي تؤويه.

لكن الأقوياء مهتمون بمراجعة أعمالهم وحصاد النتائج للبناء عليها، وليس لديهم ما يخشونه أو يقلقون له سوى مستوى النجاحات التي حققوها فهم ناجحون بلا شك.

قد يحصد الأقوياء نتائج أعمال لم يخططوا لها، ولم يفكروا بها ويجنون ثماراً لم يزرعوها. إنها منافع القوة وربما كانت ثمار إخفاق الضعفاء التي تصب دوماً في مصلحة الكبار المقتدرين. فالقوي يأخذ حصته وحصص الآخرين.

وقد يعاني الضعفاء نتائج كوارث لا ذنب لهم فيها، ويدفعون أثماناً باهظة لأخطاء لم يرتكبوها، لكن ضعفهم هو ما يجعلهم يدفعون الثمن مرتين.

المشكلة الحقيقية ليست في ضعف الضعفاء لكنها في انعدام «ثقافة القوة» لديهم، الأمر الذي أوصلهم إلى درجة أن يروا في الضعف خيراً حين يتكالب الأعداء عليهم لضعفهم فيظنون أنهم على خير وهدى، من باب أن أفضل الناس هم الذين يبتليهم الله بالمحن ويختبرهم بالفتن ويكثّر أعداءهم، كحال الأنبياء والأولياء. فكيف سيسعى لترميم ضعفه من كان يرى نفسه في مقام الأنبياء الأخيار، والأولياء الطاهرين؟.   

من غاب عن تحصيل مصالحه فلا يعتب على المجتهدين في تحصيل مصالحهم، والعاكفين لتحقيق تطلعاتهم، والأمر بين الناس تدافع، والغلبة للأقوى. الأقوى وعياً وتخطيطاً واستثماراً وإعداداً. والتاريخ لا يرحم الضعفاء المتفرقين، ولا يعذر البسطاء المتخلفين. والعالم يحترم الأقوياء المتمكّنين، والجدل الحقيقي هو كيف نبني قوتنا التي نبني بها مجدنا ونصنع نهضتنا؟.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.