ثورتا روسيا وإيران.. تناقض في الإيديولوجيا وتوافق في النهج والسقوط؟!

محمود الوهب: كاتب وسياسي له عدة كتب ودراسات في الأدب والسياسة والمجتمع

يُجري الكاتب في بحثه هذا مقارنة ما بين الثورتين البلشفية (الروسية) والإيرانية إنْ في تعاملهما مع مجتمعاتها أو تصدير أيديولوجيتهما للخارج من خلال المحاور التالية:

  • القواسم المشتركة بين الثورتين.
  • أيديولوجيا الثورتين مقدسة غير قابلة للنقد.
  • تشابه الموقف في الثورتين من الديمقراطية والانفراد بالسلطة.
  • أوهام الدولة العظمى وتصدير الثورة.
  • الدموية في التخلص من الخصوم.
  • التهافت على السلطة والخروج عن الإيديولوجيا في سبيلها.
  • المساعدات الخارجية والانفاق على التسلح ثم السقوط.

المدخـــــــــــــــــل

ربما لا يخطر ببال أحد أنَّ هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الثورتين الكبريين (الشيوعية والإسلامية) اللتين قامتا في كل من روسيا وإيران في القرن العشرين بفاصل زمني، قد يكون بعيداً نسبياً، إذ بلغ اثنين وستين عاماً ميلادياً ونحو ثلاثة أشهر فقط.. فقد انتصرت الثورة الأولى منهما في العقد الثاني من القرن المذكور، بينما تأخرت الثانية إلى الثلث الأخير من نهايته، أي في الوقت الذي كانت فيه الأولى تحتضر على نحو غير مرئي.. ولكن عن أية قواسم مشتركة بين الثورتين نتحدث، وكل ما هو ظاهري يشير إلى تناقض نظري عميق في رؤيتي الثورتين؟! ويمكن الإيجاز والقول: إنَّ الأولى نظرت من جهة الإيديولوجيا التي اعتنقتها إلى الأمام، بينما جاء نظر الثانية، وبالمعيار نفسه، إلى الخلف.. اعتمدت الأولى أفكاراً دنيوية جديدة، استمدتها من فلاسفة ومفكرين، وعلماء اقتصاد واجتماع.. وواكبت تطور الاقتصاد الأوربي ونموّه المتسارع، كما تأثرت في الحال التنويرية التي سادت أوربا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان تأثرها الأشد بالحركات السياسية الأوربية المناهضة لطغيان الرأسمالية المنفلتة من كل قيد، والمساهمة في زيادة تعميقها الهوة بين أغنياء الأرض وفقرائها. إضافة إلى إحساس قادتها والمتفاعلين معها بالتخلُّف والظلم الذي يلحقهما بالشعب النظامُ الإقطاعيُّ القيصري الذي لمَّا يزل سائداً في روسيا، زد على ذلك أنَّ رغبة عارمة تعبر عن نفسها لدى الشعوب المنضوية تحت ما يسمى بالإمبراطورية الروسية إلى التحرر والانعتاق، أضافها لينين إلى شعار الثورة الرئيس: (يا عمال العالم، ويا أيتها الشعوب المقهورة اتحدوا).

أما الثورة الثانية فقد اعتمدت الشريعة الإسلامية مرجعية وحيدة لها، وهي إيديولوجيا تستمد قوتها من تأثيرات الحضارة التاريخية التي سادت العالم بفضل الإسلام، حضارة تمثلت كل ما أنجز قبلها من تقدُّم إنساني، وأضافت إليه في مجالات الفكر والعلوم والبناء ما أثرى العالم، وكان أساساً لحضارة أوربية لاحقة، إضافة إلى الطاقة الروحية التي تتمثل في عقول ربع سكان العالم ونفوسهم.. صحيح أن الثورة الإسلامية جاءت وفق فهم خاص، هو الفهم الشيعي للإسلام.. فالولي الفقيه هو ظل الله على الأرض وهو الذي، يحكم باسم الله، ووفق شريعته، لكنها في الفهم العام هي ثورة إسلامية وتعلن عن نفسها بأنها أتت لتوحيد المسلمين في دولة واحدة..!

إيديولوجيا الثورتين مقدسة ولا نقاش

إن أية إيديولوجيا في العالم غير قابلة للنقاش أبداً إذ تغدو مبادئها الفكرية نوعاً من المسلَّمات والبديهيات وإن تجاوزتها الحياة بحركتها والزمن بتقلباته.. وقد ذهبت نظرة كل من قيادتي الثورتين اللتين نحن بصددهما إلى أنَّ أفكارهما ليست صحيحة فحسب بل هي بالغة كمالها! فلا يأتيها باطل من أمام ولا من خلف.. يقول قائد الثورة الروسية “فلاديمير إيلتش لينين” في فلسفة كارل ماركس التي اعتمدتها الثورة الروسية منهجاً لها:

 “إن مبدأ ماركس كليّ القدرة، لأنه صحيح”.

أما إيديولوجية الثورة الثانية فلا حاجة لمن يزكِّيها، أو يقرر صحتها، إذ هي مقدسة، وتشريع منزل من لدن خالق عظيم. ومهما يكن من أمر، وعلى الرغم من التناقض التناحري كما تسميه الماركسية بين الإيديولوجيتين، ففي معاينة الاثنتين من خلال ما جرى على أرض الواقع، ولا زال يجري لدى الثانية فإنَّ الكثير من القواسم المشتركة بين هاتين الثورتين؟!

بالطبع لن أناقش هنا فكرة الإيديولوجيا التي اعتمدها كل من قادة الثورتين، ولا المقارنة بينهما ومدى صحة كل واحدة، فلا أريد للموضوع أن يتشعب، ثمَّ لا أظنني بحاجة لذلك، لا لشيء، بل لأنَّ الطرفين تجاوزا ما قالا به، وفي أحسن الأحوال أساءا إلى الفكر الذي اعتقدا به، ووعدا شعبيهما بالخلاص من خلاله، كما أنَّ الواقع يضع، على الدوام، أمام البناة من البشر، مهام جديدة لم تكن في تصوراتهم، ولا فيما رسمته عقولهم على الورق، وبشرت به الشعوب عبر شعارات سوف تذروها الرياح حين لا تصدقها الأفعال في الواقع الحي.. إذ إن واقع الحياة يفرض أفكاراً جديدة على الدوام، أفكاراً تنبثق عن علاقة الإنسان في محيطه المادي.. وأما ضجيج الشعارات الفاقع فلا يخلِّف غير حالات من عدم الرضى الشعبي.. إذ إنَّ الشعوب، على المدى الطويل، لا تتغذى بالكلام..

القواسم المشتركة بين الثورتين في التطبيق العملي؟!

أشرت إلى أنَّ ثمة قواسم مشتركة في ممارسة الفكر الثوري على أرض الواقع، والحقيقة أن هذه القواسم تأتي من السياسة بكل ما فيها من أنانية، وتعصب، ونزعة للسيطرة، وبسط للنفوذ باسم الوطن أو القومية، ومن براغماتية السياسة، ومخالفة الواقع للنظرة الجامدة إلى الإيديولوجيا، وهذا ما عرف في الثورة الشيوعية بـ”الجمود العقائدي”. فالإيديولوجيا رغم وجودها النسبي في حياة الإنسان، ورغم تأثيرها على قيمه الإنسانية العليا، وحشدها لطاقاته الروحية، في أزمان متباينة، وزجها في البناء في أحيان كثيرة، إلا أنها كأفكار قابلة للحياة والموت وتتوافق في هذه الميزة مع حياة مبدعها الإنسان! كما أن وضعها ككتلة واحدة، والزعم بصحتها المطلقة، مسألة مغلقة تعاكس محتوى حركة الحياة دائمة التجدد والتحديث، وتنطوي على السالب والموجب، الصحيح والخاطئ، ونفي بعضهما للآخر.. وللمثال أقول:

عندما يأتي لينين بعبارة: “إن مبدأ ماركس كلِّي القدرة لأنه صحيح” ألا يتبادر إلى ذهن القارئ الفطن سؤال بدهي وعلمي، هو: من تراه قرر صحة هذا المبدأ، وعلى أيِّ أساس؟! فماركس نفسه لا يسلم بهذه البديهية ويقول: “لبيان فكرة ما يجب عرضها على الواقع..!” ويقول أيضاً: “علينا إعادة النظر بأفكارنا كلما أتى العلم بجديد..!”

وكذلك الحال بالنسبة للإيديولوجيا الأخرى التي كثيراً ما اختلف الفقهاء في دقائقها وتفصيلاتها وبخاصة حين تأتي الحياة بأمر ما جديد، على غير مثال، وما أكثر ذلك.. وغالباً ما يأتي الخلاف من تضييق المعنى وتأطير النص، وعدم إعمال العقل في ربط النص بالحدث، وبأسباب النزول وبواقع الحياة، وهذا ما يعبَّر عنه بموضوعة “العقل والنقل” التي تخص التراث عموماً. إضافة إلى صراع المذاهب التي تخفي لدى تشكُّلها مصالح خاصة لمبتدعيها..

ما يهمنا الآن هو ملاحظة بعض القواسم المشتركة بين هاتين الثورتين اللتين كان لهما تأثير في حياة الملايين من الناس، وكانتا إشكاليتين لا في قيامهما فحسب، بل في مسارهما، وحتى في سقوط الأولى واحتضار الثانية.

أولاً: الموقف من الديمقراطية والانفراد بالسلطة

كان الحزب الذي ساهم بتأسيسه لينين قائد الثورة الروسية يسمى بـ: “حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي “قبل أن يتحول إلى الحزب الشيوعي.. إذاً هو حزب عمالي اشتراكي ديمقراطي، لكنَّ لينين أوجد فهماً خاصاً للديمقراطية يتناسب مع الإيديولوجيا، والمحافظة على السلطة، فعرّفها على أنها: “معرفة الضرورة” بمعنى ضرورتها للشعب والوطن في مرحلة معينة. وعلى ذلك فقد أطلق عليها اسم: “الديمقراطية الشعبية” لكن البيروقراطية الحزبية في الدولة والمجتمع، ضيَّقت الخناق عليها إلى درجة أنَّ القيادات الحزبية والنقابية التي تخضع لمبدأ “المركزية الديمقراطية” في التنظيم، وتحظر الصراع العلني للأفكار، غدت ثابتة راسخة تقود العمل وفق نمطية محددة، ولا تغادر أماكنها القيادية إلا في حالات الموت، أو إذا خالفت المركز القيادي الوحيد الموحد.. فالانضباط حديدي والطاعة الحزبية بتعريف لينين كما هي في الجيش فالحزب: “جيش في مراحل نضاله السري، وشبه جيش في الأوقات العادية”. وهكذا يضيق الأفق أمام النقد وبالتالي تغلق أبواب الإبداع أمام الشعب، فالإبداع يأتي من حركة الشعب وحيويته لا من تحويله إلى مياه آسنة، تصير مع الزمن مرتعاً للطحالب.

أما الديمقراطية في الثورة الخمينية التي كانت تطالب بها فصائل الثورة من يسارية وليبرالية، فقد استبعدها الخميني )روح الله( إذ هي ليست من الإسلام في شيء:

“لا تستخدموا مصطلح (الديموقراطية)، إنه مفهوم غربي”.[1] وقد فعل الأمر نفسه بالنسبة للصحف ففي منتصف شهر آب/أغسطس من العام 1979 أغلقت عشرات الصحف والمجلات المعارضة لفكرة الحكومة الخمينية، ولما جرت احتجاجات شعبية وسياسية ضد هذا التوجه المخالف لمبادئ الديمقراطية، استنكر الخميني، غاضباً، رفض الناس تصرف حكومته، فقال، عندئذ، كلاماً لا يليق لا بسياسي فحسب، فكيف برجل دين يزعم أنه روح الله:

 “كنا نظن أننا نتعامل مع بشر، من الواضح أن الأمر ليس كذلك”[2]

 وكان قبل ذلك قد أوصى بتوحيد المعارضة حينما كان في منفاه في العراق.. وقبلت الأحزاب الإيرانية المشاركة رغبة منها في تحقيق انتصار للثورة أسرع وأقوى، وإيماناً منها بالدمقراطية تفعيلاً لحركة المجتمع! ولكن ما إن انتصرت الثورة حتى شتت الخميني شمل المعارضة، فإما حلاً لأحزابها أو إعداماً لقادتها أو وضعهم في السجون والمعتقلات..! وهكذا حقق رغبته المعلن عنها سابقاً: “في ظلّ غيبة إمام العصر والزمان التي طالت، ولا أحد يعرف متى تنتهي، لا يجوز تعطيل أحكام الشريعة، ومن ثمّ يجب على الفقهاء والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أن ينهضوا لمهمة قيادة الأمة”.

ثانياً: أوهام الدولة العظمى وتصدير الثورة

منذ أن انتصرت الثورتان أخذت قيادتاهما العمل على أمميتهما وتصدير ما أنجزتاه، لا إلى دول الجوار فحسب، بل إلى شعوب العالم أجمع متخذتين من إيديولوجية كل منهما منطلقاً.

وقد انطلقت الثورة الروسية من أنَّ النظام الرأسمالي قد قسم المجتمع إلى طبقتين متناحرتين هما طبقة العمال وطبقة الرأسماليين.. وأنَّ طبقة العمال التي أوجدتها الرأسمالية، كحفارة لقبرها، ستقوم بواجبها الثوري لتحرير المجتمعات وتخليصها من القهر والاستغلال والاغتراب بإقامتها “دكتاتورية البروليتاريا” بحسب المفهوم الماركسي، وعلى ذلك فقد بادر الكومنترن (قيادة الحركة الشيوعية العالمية) إلى تشكيل أحزاب شيوعية في العالم أجمع، بغض النظر عن مستوى التطور لكل بلد، وحتى إن لم يكن هناك طبقة عاملة، كما هو الحال في معظم بلدان العالم الثالث حيث لا يوجد نظام رأسمالي، بل إقطاعي وقبل الإقطاعي أيضاً.. لكنها الغايات السياسة البعيدة، ونزعة السيطرة، تدفعان دائماً إلى ليِّ ذراع الواقع خدمة للنظرية كما هو الحال مع “سرير بروكرست” في الميثولوجيا اليونانية..!

الوجه الآخر كان في مزاعم الثورة الإيرانية التي انطلقت من الآية القرآنية الكريمة القائلة:

 «إن هذه أمتكم أمةٌ واحدة، وأنا ربكم فاعبدون»، (سورة الأنبياء، آية 92) ومثلها أيضاً في (سورة “المؤمنون” آية 52) مع استبدال كلمة “فاعبدون” بكلمة “فاتقون”. (سورة المؤمنون نزلت بعد سورة الأنبياء).[3] ما أريد قوله:

إنَّ نظرة ما إلى بعض مواد الدستور الإيراني ترينا أنه أعدَّ ليعمل به مسلمو الأرض، فالمسلمون أمةٌ واحدة، والله واحد، والقرآن واحد، وهذا ما ورد في مقدمة الدستور:

 «لقد أتمّ مجلس الخبراء المؤلّف من ممثلي الشعب، تدوين هذا الدستور.. في مستهلّ القرن الخامس عشر لهجرة الرسول الأكرم.. على أمل أن يكون هذا القرن قرن تحقّق الحكومة العالمية للمستضعفين، وهزيمة المستكبرين كافة..».

ويشير المشرّع إلى أن الغرض من إقامة الحكومة الإسلامية، هو إعداد الظروف اللازمة كي «تتحقق حكومة المستضعفين في الأرض (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين). (المادة 11 من الدستور الإيراني). لكن المادة (15) من الدستور نفسه تفضح الغايات السياسية لاستغلال بعض آيات القرآن إذ تقرر أنَّ رئيس الجمهورية «يُنتخب من بين الرجال المتدينين السياسيين.. شرط أن يكون مؤمنًا ومعتقدًا بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية، والمذهب الرسمي للبلاد، وأن يكون إيراني الأصل، ويحمل الجنسية الإيرانية». أما الخميني «القائد» فقد وصفته المادة (107) من الدستور، بأنه «المرجع المعظّم والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية ومؤسّس جمهورية إيران الإسلامية، سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني (قُدس سرّه الشريف) الذي اعترفت الأكثرية الساحقة من الناس، بمرجعيته وقيادته».[4]

يؤكد الدستور الإيراني فرسنة الإسلام. بعيداً عن الشرع، فالحديث الشريف الوارد في صحيح البخاري عن أنس بن مالك عن النبي محمد (ص) يقول: “اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة”.[5] هذا يعني أنًّ الإسلام فوق القومية.. أما إذا كانت القومية في الميزان فالأجدر أن يؤخذ بآلية الاختيار التي جرت في اجتماع السقيفة، وذلك ما حاجج به وليُّ الشيعة الإمام “عليٍّ بن أبي طالب” مَنْ اختلف معهم حول الإمامة بأحقيته في الخلافة بحسب الآلية نفسها سواء لجهة انتمائه إلى قريش، أم لقربه، وقرابته من رسول الله (ص).

وواضح بالطبع أنَّ الثورتين اتخذتا رسلاً لها في البلدان الأخرى يمتثلون لرأيهما ويتمثلونه.. فإذا كانت الثورة الشيوعية قد اعتمدت الأحزاب الشيوعية كرسل لها، ينطقون باسمها، ويرسمون سياستهم وفق إرادة الرفاق السوفييت.. فإن الثورة الإيرانية دفعت بمعتنقي المذهب الشيعي لتمثيل الثورة الإيرانية في بلدانهم، ووضع أنفسهم تحت إمرة المرشد الأعلى ولي الفقيه في إيران، وهذا ما فخر به جهاراً “حسن نصر الله” “العربي اللبناني” أمين عام حزب الله، ومن هم مثله في بقية البلدان العربية.

ثالثاً: الدموية لدى التخلص من الخصوم

لن أدخل هنا في الكثير من التفصيلات فجميع ثورات العالم تتخذ من القتل أسلوباً للتخلص من خصومها، وغالباً ما يكون الشعب الثائر وقادته أيضاً في حالة هياج وخاضع لأهواء غالباً ما تكون دفينة، ويأتي الوقت المناسب لاستيقاظها، لكني سآتي على ذكر بعض الحوادث الأكثر دموية وإيلاماً وتعارضاً مع روح الإيديولوجيا التي يعتنقها الطرفان..

في الثورة الشيوعية يصعب تقدير عدد القتلى وحوادثها إذ شاب الثورة حروب أهلية وتدخلات أجنبية.. فاختلطت تصفيات الخصوم السياسية بتصفيات رفاق الحزب من معارضي سياسة ستالين تحديداً إلى معارضيه أيضاً في عملية التحويل الزراعي وتكوين التعاونيات الزراعية (الكولوخوزات).. ويقدر عدد ضحايا ستالين ما بين ثمانية ملايين إلى اثني عشر مليوناً، وثمة من يقدرها بأكثر، وعموماً، فقد خسر الاتحاد السوفييتي إبان الثورة وخلال الحربين العالمية أكثر من خمسة وعشرين مليوناً.. وما يهمنا هنا الإشارة إلى مذبحة أسرة القيصر الأخير التي عرفت تاريخياً بمذبحة آل رومانوف..!

وصف يورفسكي المسؤول عن المذبحة إلى رؤسائه البلاشفة في أعقاب تنفيذه لمهمته في (تقرير عثر عليه عام 1989 ونشر عام 1992 في كتاب: “إدوارد رادزينسكي وآخر القياصرة”)

ووفقا للمذكرة، نقرأ ما يلي:

“أيْقَظُوا الأسرةَ. فجر 16 تموز 1918 وقيل لهم: إنه سيُنْقَلُون إلى موقع جديد لضمان سلامتهم تحسباً لأعمال العنف التي قد تترتب على وصول الجيش الأبيض (الجيش الذي يحارب إلى جانب القيصر) إلى يكاترين برج (المدينة التي هم فيها). فجُمعت الأسرة ودائرة صغيرة من الموظفين الذين ظلوا معهم في غرفة صغيرة في الطابق السفلي من المنزل وطلب منهم الانتظار. ثُبِّتَ الكسندر وإليكسي في كراسي المقدمة. وبعد عدة دقائق، دخل الجلادون الغرفة، برئاسة يورفسكي. وأبلغ القيصر وعائلته بالمهمة التي سيتم تنفيذها. وكان القيصر يكرر كلمة: “ماذا..؟!” وقتل القيصر، والإمبراطورة في الحلقة الأولى لإطلاق النار؛ بينما أصيب كل من الخادمة ماري والدكتور بوتكين والامبراطورة والخادمة ديميدوفا بجروح. وكان الدخان الكثيف يملأ الغرفة نتيجة العدد الكبير من الأسلحة التي تطلق من مسافات قريبة، وكذلك من الغبار المنبعث من الجص على الجدران بالرصاص. مما لا يسمح برؤية واضحة وغادر المسلحون الغرفة لبضع دقائق، تاركين وراءهم كل الضحايا، وبعد أن عادوا، قتل الدكتور بوتكين وذبح إليكسي الصغير علي يد مسلح حاول مراراً وتكراراً إطلاق النار أو طعن الفتى في الجذع حيث كان محمياً بمخيط المجوهرات في ملابسه، وأخيراً أطلق مسلح آخر عيارين ناريين في رأسه. وقتلت تاتيانا وأولغا برصاصة واحدة في الرأس لكل منهما، وكان آخر الضحايا ماريا وأناستاسيا.[6]

موجز ما جرى في الثورة الإسلامية..

بعد نصف سنة بدأ قمع معارضة الخمينية المعتدله المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري، واضطهد العديد من كبارها، ورموزها منهم ” الشريعتي مداري” الذي وضع تحت الإقامة الجبرية. وفي آذار/ مارس 1980 بدأت “الثورة الثقافية”، فأغلقت الجامعات التي اعتبرت معاقل لليسار مدة سنتين لتنقيتها من معارضي النظام الديني. في تموز/يوليو فصلت الدولة البيروقراطيه 20.000 من المعلمين و8.000 تقريبا من الضباط باعتبارهم “متغربين” (لديهم ميول غربية) أكثر مما يجب. واستخدم الخميني أحياناً أسلوب التكفير للتخلص مع معارضيه، وعندما دعا قادة حزب الجبهة الوطنية إلى التظاهر في منتصف عام 1981 ضد القصاص، هددهم الخميني بالإعدام بتهمة الردة “إذا لم يتوبوا”.

وقد بادرت قيادة الثورة في البداية إلى إعدام كبار الجنرالات، وبعد شهرين أعدم أكثر من 200 من كبار مسؤولي الشاه المدنيين بهدف إزالة خطر أي انقلاب، وأجرى قضاة الثورة من أمثال القاضي الشرعي “صادق خلخالي” محاكمات موجزة افتقرت إلى وكلاء للدفاع أو محلفين أو إلى الشفافية، ولم تمنح المتهمين الفرصة للدفاع عن أنفسهم، ومن بين الذين أعدموا بدون محاكمة (عملياً) أمير عباس هوفيدا، رئيس الوزراء السابق لإيران، أما الذين هربوا من إيران فلم يكونوا محصنين.. فإذا كان ستالين قد أرسل وراء تروتسكي (خصمه الشخصي) بعد عقد ونيف من يغتاله في المكسيك (اغتيل عام 1940على يد الـ: كي جي بي بأسلوب بشع جداً)، فإن الخميني فعل الأمر نفسه مع رئيس الوزراء الأسبق شابور بختيار إذ لاحقه بعد مرور أكثر من عقد من الزمن فاغتيل في باريس عام 1991.[7]

رابعاً: التهافت على السلطة والخروج عن المعتقد أو الإيديولوجيا

يبدو من خلال سلوك كل من لينين والخميني أنهما مستعجلان للإمساك بزمام السلطة فكلٌّ أوجد لنفسه المبرر الذي يناسبه للإمساك بالسلطة السياسية، وللقفز فوق واقع بلاده الموضوعي، فما هو معروف أن توقعات ماركس لقيام الثورة العمالية، أن تكون في البلد الأوربي الأكثر تطوراً، ولم تكن روسيا قد بلغت شأواً من التطور الصناعي الذي بلغته بقية الدول الأوربية الكبرى كألمانيا وإنكلترا وفرنسا.. إذ إن روسيا كانت متخلفة عن الجميع، والمسألة مرتبطة نظرياً بالانقسام الطبقي، وبتكون البروليتاريا ما يساعد على الاحتفاظ بالثورة ويجنبها العثرات.. ولم تكن روسيا كذلك إذ لم تتخلص من نظام القنانة إلا في نهاية القرن التاسع عشر عام 1868، ومع ذلك فقد رأى لينين غير ذلك، مستغلاً حالة البلاد الثورية المستندة إلى تذمر الناس الاجتماعي، فقال جملته الشهيرة محدداً موعد الثورة بدقة:

 ” بالأمس لم يكن الوقت قد حان وغداً سيفوت الأوان.. الآن..”

ومثل هذا الأمر فعله الإمام الخميني الذي أعلن التحضير للثورة مخالفاً مقدَّسه الذي تستند إليه الطائفة الشيعية كلها، وهو ترقب المهدي الذي سيأتي ويملأ الدنيا عدلاً.. كان الإمام الخميني في مرحلة الستينيات من القرن العشرين، مجرد «معارضٍ» لنظام الشاه، طالب بتقييد صلاحياته الملكية المطلقة بضوابط الدستور، ولكنه تحوّل في السبعينيات إلى «ثائرٍ» يطرح فكرة الإطاحة بالشاه، وإقامة نظامٍ بديل يتولّى فيه الفقهاء مسؤولية الحكم بشكلٍ مباشر. ذلك أنه في ظلّ غيبة إمام العصر والزمان التي طالت، ولا أحد يعرف متى تنتهي، لا يجوز تعطيل أحكام الشريعة، ومن ثمّ يجب على الفقهاء والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أن ينهضوا لمهمة قيادة الأمة.

وعلى ذلك فقد أعلن الخميني في أواخر السبعينيات أن ممارسة «التقية» حرامٌ، وأنه حان الوقت كي تتحول «المعارضة» إلى “ثورة” وفي كتابه «الحكومة الإسلامية»، وانطلاقًا من فكرة «الولاية الاعتبارية» التي تشمل كل الاختصاصات التي شملتها «الولاية التكوينية» أو «الولاية التأسيسية» التي كلّفها الله سبحانه وتعالى للنبي المعصوم وآل بيته الأطهار، راح الخميني يعمل على تأسيس سلطةٍ للفقهاء على جمهور المسلمين، تتجاوز ولايتهم التقليدية على أمور الحسبة والقضاء، وولايتهم على القُصّر والأيتام والأرامل، ووظيفتهم في بيان أحكام الشريعة فيما يستفتيهم فيه جمهورُ المقلّدين.

وهكذا تحولت نظرية «ولاية الفقيه» التي طوّرها الإمام الخميني، بعد نجاح الثورة، من مسألةٍ تتعلق بقيادة جمهور المؤمنين خلال سنوات الغيبة، دون تخصيص أي دورٍ سياسي يتولاه الفقهاء بالنيابة أو بالوكالة عن الإمام الغائب، إلى مسألةٍ تتعلق بالقيادة السياسية لمجتمع سياسي منظّم، وتنصّ على مركزية الولي الفقيه في نظام الحكم الإيراني، وعلى تفرّده بالمرجعية الدينية لكل شيعة العالم، بغضّ النظر عن الحدود الجغرافية والفروقات الإثنية.

يقول الخميني: إنَّه بحث ولاية الفقيه، وتبيّن له أنّ «ما ثبت للرسول والأئمة، فهو ثابتٌ للفقيه، ولا شكّ يعتري هذا الموضوع»[8]، ولذلك «إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيهٌ عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع، ما كان يليه النبي منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا».[9]

إنها السياسة تطوِّع كل من أو ما يعترض طريقها لمصالحه ونذكر في هذا المجال أن كلاً من لينين والخميني وقَّعا اتفاقين ذليلين للإبقاء على الثورة ولبقائهما في السلطة..!

 وقّع الأول معاهدة برست/ليتوڤسك، أحادية الجانب إذ أُجبرت الحكومة السوڤيتية على توقيعها في 3 مارس 1918 متنازلة عن بعض المناطق وخروجها من الحرب العالمية الأولى، وهو يقول إنني أشعر بالذل.(موقع المعرفة). بينما وقع الثاني اتفاقاً مع العراق بعد أن أذاقه العراق المرارة، وهو يقول في خطاب إذاعي: “ويلٌ لي.. أنا أتجرّع كأس السُّم.. كم أشعر بالخجل لموافقتي على اتفاقية وقف إطلاق النار مع العراق”. والاتفاقية إقرار بهزيمة إيران المذلة عام 1988، وقبولها بقرار مجلس الأمن (رقم 598) الداعي لوقف الحرب مع العراق. (صحيفة عاجل الإليكترونية).

 خامساً: المساعدات الخارجية والإنفاق على السلاح، ثمَّ السقوط

لا شك في أن تصدير الثورة، والتدخل في شؤون الدول الأخرى، والسعي لحلِّ عقدة العظمة، يحتاج إلى جيوش جرارة، وإلى أسلحة فتاكة، وإلى أجهزة مخابرات متقدمة، وذلك كله يتطلب نفقات إضافية.. هذا إلى جانب تقديم المساعدات والمعونات المالية والعينية إلى العملاء وهذا ما سعت إليه الثورتان، رغم مخالفة ذلك لجوهر مبادئهما إذ جاءتا لإنصاف شعبيهما اجتماعياً وإنسانياً.. بينما جاء الواقع على نحو آخر تماماً.. وإذا كانت روسيا قد فُرضت عليها حربان عالميتان وحرب التدخل استدعت تكوين جيش ضخم وتصنيع أسلحة حديثة ومتطورة باستمرار، وهي لا شك دولة عظمى وغنية، فإن الفكرة الجوهرية التي كانت خلف التسليح هي القائلة: بحماية النظام الاشتراكي، ولكن المفارقة المحزنة أن الأسباب العميقة للسقوط جاءت من فرط التسليح الذي التهم قوت الشعب ومستلزمات التنمية، كما جاء من تسلّط البيروقراطية وفسادها. ولا بد هنا من تذكّر ما قام به الرئيس الأمريكي رولاند ريغان (حكم ثماني سنوات من 1981 حتى 1989)، من تهديد للاتحاد السوفييتي بالتجويع من خلال إطلاقه برنامج حرب النجوم.. وكان السوفييت حينذاك يعانون تورط دخولهم إلى أفغانستان وكان فرح الأمريكيين بتلك الورطة لا يوصف (وهم الذين ذاقوا المر في الفيتنام)، يذكر “فايروس فانس” وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس جيمي كارتر أنه ليلة دخول السوفييت، وكان الوقت في أمريكا بعد منتصف الليل، فلم يستطع من شدة فرحه تأجيل إخبار الرئيس فأيقظه مخالفاً تعليمات الرئاسة ليبشره بأن السوفييت دخلوا إلى أفغانستان، إذ كانت بالفعل ورطة كبرى، بل قاصمة للظهر، إذ لم يخرج السوفييت منها إلا في العام 1988 لدى مرحلة البيروسترويكا الذي أعقبها سقوط الاتحاد السوفييتي.. وكان الاتحاد السوفييتي قد تدخل قبل ذلك في المجر عام 1956 وفي تشيكوسلوفاكيا عام 1968.

 وإنصافاً للتاريخ وللثورة الروسية نقول: إنَّ تلك الثورة قدمت ما قدمته للشعب الروسي وللشعوب التي انضوت تحت لواء ما يسمى بالاتحاد السوفييتي خلال سبعين عاماً وبدا الاتحاد السوفييتي في بداية الستينيات وكأنه يتسلق عرش العالم.. لكنه، في النهاية، لم يصمد، وقد كُتب الكثير حول الأسباب لكنَّ فقدان الحريات وسطوة البيروقراطية وإهمال مطالب الشعب الذي يرى بعينيه ما يُنْفَق على السلاح وبلدان العالم، ويراكم في صدره.. ومن ذلك وللمثال فقط أقول إن الوفود الشيوعية القيادية التي كانت تزور الاتحاد السوفييتي كانت تعود من “مول” اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، ببضائع جيدة وبأسعار تافهة، وما كان المواطن السوفييتي بقادر على دخول تلك الأماكن.. بل كان مضطراً للوقوف على الدور مدة ساعات طويلة، ناهيكم بما كان يهدر على تسليح بلدان العالم الثالث، ولمساعدتها في بناء اقتصادها، رغم أن معظم حكوماتها، كما دلت التجارب، من العسكر غير المهتمين بالبناء ومن هنا بالذات، فإننا لم نر تأثيراً لاثني عشر مليون شيوعي حين قام يلتسين مدعوماً من الغرب باستيلائه على السلطة، كما أنهم لم يدعموا انقلاب الضباط الأربعة من الحرس القديم عام 1991.

ولا تختلف الثورة الخمينية في سعيها نحو القوة وإنفاقها في غير حاجة شعبها، رغم أنها لا توازي قوة الروس العسكرية ولا الاقتصادية، وليس لديها الخبرات العلمية والتقنية الأخرى ولا الرؤية الصائبة إلى الحضارة المعاصرة.. ولعل ما قاله الخميني في تطلبه يشير إلى ذلك:

“كل ما نفتقده هو عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب، وعزيمتهما الجبّارة. وإذا عزمنا على إقامة حكم إسلامي، سنحصل على عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب أيضاً.[10]

أي إنه يراهن على الإيديولوجيا، وعلى دولة الإسلام العالمية، وأول ما فكر به التمدد في مناطق الجوار، وكانت البداية الخشنة في العراق والناعمة في سورية، وغرقت إيران في أوهامها خلال ثلاثين عاماً من العسكرة والحروب والمخابرات والمليشيات وتبديد ثروات البلاد.. وألَّبت العالم ضدها ومع كل أسف لم تستطع أن تبني بناء حضارياً ولا أن تكسب ثقة شعبها. ويعترف اليوم الرئيس الإيراني “حسن روحاني” الذي يعيش مع دولته مأزقاً لا يحسد عليه، في اجتماع رسمي بأن الأوضاع الإيرانية عموماً كانت أيام الشاه أفضل من الآن. وخصوصاً لجهة أوضاع الأقليات القومية والطائفية وحقوق المواطنة، ولوضع المرأة والشباب أيضاً.. وتقدر الأمم المتحدة بأن متوسط إنفاق إيران في سوريا يعادل 6 مليارات دولار سنوياً، وعلى سبيل المقارنة هذا يعني أن إيران ساعدت النظام السوري بما يعادل نصف ميزانية دعم الأسعار في الداخل سنويا، وإذا كانت إيران أنفقت هذا الرقم بشكل منتظم خلال ستة أعوام من الحرب السورية هذا يعني أنها دفعت 36 مليار دولار، وهذا يعادل ثلاثة أضعاف الميزانية الدفاعية السنوية لإيران.[11] من هنا ومما ذكر سابقاً فإنَّ الثورة الإيرانية آيلة إلى السقوط المفجع.. رغم أنَّها مازالت تتنفس، لكنها، من وجهة  نظر الكثير من الباحثين ومتابعي الشأن العام، في موت سريري، أو في نزعها الأخير، ويؤكد ذلك واقع الحال والعوامل التي أودت بالثورة الأولى..!


الهوامش:

[1]– موقع الفرات الإخباري.

[2]– علا عبد الله/موقع المصري اليوم.

[3]– قرآن كريم

[4]– د. هلا رشيد أمون/ قراءة في الدستور الإيراني/جريدة الشرق الأوسط/العدد/13556/ تاريخ 09 يناير 2016.

[5]– موقع إليكتروني “فذكِّر.

[6]– ويكيبيديا.

[7]– ويكيبيديا.

[8]– المرجع الديني كمال الحيدري/موقعه الرسمي.

[9]– المرجع السابق.

[10]– أ. د ناصر بن علي القفاري/ مجلة البيان/العدد333 / 11 شباط 2015).

[11]– تقرير لتلفزيون “الحدث” تاريخ  3 حزيران 2018 عن موقع الرئاسي الإيراني..


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.