جريمة قتل مروعة بتونس تثير من جديد السجال حول عقوبة الإعدام بين مؤيد ومعارض

جريمة قتل بشعة، جدت أواخر الأسبوع المنقضي، تمثلت في اقدام شاب اصيل ولاية القيروان على ذبح فتاة بعد ان افتك هاتفها، واغتصبها ثم قطعها الى أجزاء والقى بها في مجرى مياه مواز للطريق السريعة وعليها اثار تعفن.

هذه الجريمة أدت الى تغذية حملات المطالبة بتنفيذ عقوبة الإعدام، وبلغت الأمور حدّ تنظيم وقفة احتجاجية أمام قصر الرئاسة، ليعود الجدل من جديد بين دعاة القصاص مرتكبي الجرائم والقتل والإرهاب، والمدافعين عن حقوق الإنسان الرافضين لتنفيذ الإعدام.

المطالبة بتفعيل عقوبة الإعدام

وقد تجمهر عشرات المواطنين من بينهم عائلة الضحية رحمة، أمام قصر الرئاسة بقرطاج، لمطالبة الرئيس التونسي بتفعيل عقوبة الإعدام في تونس، وردّد المحتجّون شعار: “يا قيس، طبق طبق الإعدام”. واكتسحت مواقع التواصل الاجتماعي، موجة غضب غير مسبوقة، تطالب بتطبيق عقوبة الإعدام بحق المشتبه به في قضية قتل الشابة رحمة لحمر. وتناقل مدوّنون صوراً للضحية مقطّعة بآلة حادة، مؤكّدين أنّها تعرّضت للاغتصاب والتقطيع قبل سرقتها.

وعثرت وحدات الأمن على “جثة الفتاة ملقاة بعد اختفائها بثلاثة أيام، بحسب بلاغ رسمي، إذ أكّدت وزارة الداخلية أنّه “بعد إجراء التحرّيات الفنية والميدانية المعمّقة، تمكّنت الوحدات التابعة لمنطقة الأمن الوطني بحدائق قرطاج، من حصر الشبهة في شخص قاطن بالجهة وإلقاء القبض عليه بإحدى حضائر البناء، وقد اعترف في التحقيق، أنّه بعد أن احتسى كمية من المشروبات الكحولية، شاهد الشابة، فلحق بها ودفعها بمجرى مياه بين الأشجار، ليتولّى بعد ذلك خنقها بيديه حتى يتأكّد من وفاتها، وسرقة هاتفها الجوال والفرار”.

وعلى أثر هذه الجريمة، ثار عدد كبير من التونسيين، مطالبين بتفعيل عقوبة الإعدام في قضايا “الإرهاب” وجرائم “الشرف” و”الخيانة العظمى”. حتى ان بعض النواب بالبرلمان اعتبروا ان هذه المسالة ستكون أولى معاركهم في المستقبل، واعتبروا ان هناك قانون كامل لتحقيق العدالة الالهية متمثلة في “ولكم في القصاص الحياة”.

الجرائم أصبحت استعراضاً

ووجه المحتجون، دعوة من أعماق الأعماق إلى الرئيس، قيس سعيد، لتفعيل عقوبة الإعدام وهو الذي قدّم نفسه باسم رئيس الشعب، لتحقيق العدالة وتحمّل المسؤولية وتحكيم الضمير. وشدّد المحتجون على ان رئيس الجمهورية سيسأل أمام ربه عن دماء رحمة وآلامها وهي تذبح، وعن شرفها، وعن فجيعة أهلها وأوجاعهم.

وقال المطالبون بتفعيل عقوبة الإعدام، إن القضاء يصدر يوميا أحكام الإعدام، ولكنها لا تنفّذ منذ وقع تعليق تنفيذ حكم الإعدام في تونس سنة 1991. وأكّدوا أنّ تونس دخلت في مرحلة التّوحش الكامل، ففقد التونسيون حق التنقل، لأنهم فقدوا الأمان وصارت الجرائم استعراضاً لأبشع ما يمكن أن يتخيّله بشر.

واعتبر اهل الفتاة الضحية رحمة ان منظمات حقوقية ميّعت هذه القضايا، لأنها تفكر في حق الفرد على حساب حقّ المجتمع. مشددين على أنّ الإعدام حلّ من الحلول الردعية للحدّ منها ومقاومتها، وإعطاء العبرة حتى وإن لم يقض ذلك على الجريمة تماما. وتساءلوا عن معنى عدم تنفيذ حكم الإعدام بمن قتل جنود تونس واغتصب بناتها وقتل وذبح بكل برودة دم. ثم يتمّ إيواؤه السجن ليأكل ويشرب على نفقة الشعب ويقضي نصف العقوبة، ويخرج للمجتمع من جديد.

منظمة العفو الدولية على الخط

في المقابل، جدّدت منظمة العفو الدولية بتونس، في بيان لها، مطالبتها تونس بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام، وذلك على خلفية تتالي الحملات التي تطالب بتطبيق حكم الإعدام بحق مرتكبي جرائم الاغتصاب والقتل. واعتبرت: “عقوبة الإعدام انتهاكاً لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص الحق في الحياة، والحق في عدم التعرّض للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهانة”.

وأشارت المنظمة في البيان ذاته إلى “عدم فاعلية حكم الإعدام في الحدّ من الجريمة”. وأضافت أنّ “معدّل جرائم القتل، مقارنة بعدد السكان، انخفض منذ إيقاف العمل بتنفيذ الإعدام بعدد من البلدان إلى أقل من النصف”.

ودعت المنظمة “الدولة التونسية إلى الاستمرار في تطبيق التزامها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لقرار إيقاف التنفيذ في اتجاه الإلغاء التام لعقوبة الإعدام. كما تدعو المنظمة رئيس الجمهورية إلى المصادقة على البروتوكول الثاني التابع للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام وإدراج الحق غير القابل للتقادم في الحياة وإلغاء عقوبة الإعدام في كل التشريعات التونسية، والعمل من أجل تحويل كلّ العقوبات الصادرة سابقاً إلى عقوبات بالسجن المؤبد أو أيّ عقوبة بديلة”.

هذا ونادى نشطاء حقوقيون بإلغاء عقوبة الإعدام من المنظومة التشريعية التونسية بصورة نهائية وذلك بعد ان التزمت تونس منذ سنة 1989 بوقف تطبيق الإعدام وتقيدت منذ 1991 بقرار الأمم المتحدة بالوقف الاختياري لعمليات الإعدام.

رئيس الجمهورية يؤيد حكم الإعدام

من جهته تطرق رئيس الجمهورية، قيس سعيد، إلى هذا الموضوع خلال إشرافه أول الأسبوع، بقصر قرطاج على اجتماع مجلس الأمن القومي، الذي التأم بحضور رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي ورئيس الحكومة هشام المشيشي.

حيث تطرق رئيس الجمهورية بالخصوص إلى ارتفاع منسوب الجريمة في تونس مشددا على وجوب التصدي بحزم لهذه الجرائم النكراء وتطبيق القانون على كل المجرمين. وثمن سعيد الجهود التي يقوم بها رجال الأمن داعيا إياهم إلى مضاعفتها حتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم في إشارة إلى اغتصاب فتاة وقتلها موفّى الأسبوع المنقضي، كما أعرب عن ثقته في قدرتهم على إيقاف هذا النزيف. معلناً أن مرتكبي مثل هذه الجرائم الشنيعة لن يتمتع مستقبلا بالسراح الشرطي ولا بالتقليص من العقوبة المحكوم بها عليه، مبينا أن منح العفو يكون لمن يستحقه.

وأضاف في هذا السياق، أن النص واضح بهذا الخصوص فمن قتل نفسا بغير حق جزاؤه الإعدام، خاصة بالنسبة إلى من يكررون ارتكابهم لمثل هذه الجرائم، مبينا أنه سيتم توفير محاكمة عادلة لمرتكبي هذه الجرائم وتمكينهم من حق الدفاع.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©