
أكّدت الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية بتونس، في الجزء المتعلّق بتمويل الجمعيات في إطار التعاون الدولي، من تقريرها السنوي، أن جمعيات خيرية تم تكييفها “مشبوهة” من قبل الكتابة العامة للحكومة، واصلت الحصول على تمويلات أجنبية قدرها 23.9 مليون دينار، بعد أن كانت تحصّلت على 27.7 مليون دينار متأتية أساسًا من دول قطر والكويت وتركيا، فضلًا عن حصول جمعيات تونسية على تمويلات مباشرة من السفارات المتواجدة بالبلاد، دون المرور بالوسيط الرسمي (وزارة الخارجيّة) أو إعلامه بها أو بحجمها وبموضوعها.
أكثر من 24 ألف جمعية
وأفادت الهيئة في تقريرها الرقابي على المهمة الرقابية المنجزة من قبل محكمة المحاسبات، بأنّها استخرجت من التقرير الرقابي لمحكمة المحاسبات 25 ملاحظة تعلّقت بأربعة هياكل عمومية تُعنى بعمليات الرقابة وهي على التوالي الإدارة العامة للجمعيات والأحزاب السياسية، والوزارة المكلفة بالتعاون الدولي، ووزارة الشؤون الخارجية، والبنك المركزي التونسي، موضّحة أنّ أعمال الرقابة شملت نظام المعلومات ومدى توفّر بيانات دقيقة وشاملة وحينية حول تمويل الجمعيات في إطار التعاون الدولي وحوكمة برامج التعاون الدولي ذات العلاقة بتمويل الجمعيات والتصرف فيها.
وجاء في التقرير، أنّ الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى سنة 2020، شهدت إحداث أكثر من 13 ألف جمعية جديدة، بلغت ذروتها خلال سنتي 2011 و2012 بإحداث على التوالي 2088 و2868 جمعية، ليرتفع بذلك عدد الجمعيات بتاريخ 10 مارس 2020 إلى 23320 جمعية وبتاريخ 10 ماي 2023 إلى 24797 جمعية، حسب المعطيات المتوفرة لدى مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات “إفادة”، مشيرًا إلى أنّ الجمعيات المتواجدة بولايات تونس الكبرى تمثّل حوالي 32 بالمائة من العدد الجملي للجمعيات.
ويُعتبر التمويل الأجنبي من الدول والمؤسسات والمنظمات والهيئات الإقليمية والدولية، وفق التقرير، أحد مصادر الدعم المتاحة للجمعيات بموجب المرسوم عدد 88 لسنة 2011، وذلك من خلال توجيه الدعم المباشر للجمعيات دون المرور بالهياكل العمومية، أو في إطار اتفاقيات تعاون دولي أو مخططات إطارية للتعاون مبرمة بين الدولة التونسية والجهات المانحة لتمويل برامج تنصهر ضمنها مشاريع أو أنشطة.
مخالفات وتمويلات أجنبية
وبيّنت الهيئة في تقريرها، أنّها استندت في أعمالها الرقابية، على معطيات من البنك المركزي التونسي ووزارة التكوين المهني والتشغيل ووزارة الشؤون الاجتماعية والمركز الوطني لسجل المؤسسات، إضافة إلى إجابات استبيان تمّ توجيهه إلى 59 جمعية تحصّلت على تمويلات هامة لتنفيذ مشاريع أو أنشطة في إطار اتفاقيات التعاون الدولي، استجابت منها 22 جمعية تولّت تقديم الوثائق المطلوبة لمحكمة المحاسبات، مضيفة أنّ التمويلات الأجنبية الجملية لهذه الجمعيات بلغت حوالي 124 مليون دينار.
وأكّدت أنّها سجّلت من خلال أعمال المتابعة الأولى، عدم التزام 566 جمعية من بين 1005 جمعيات بإزالة مخالفات مرتكبة بخصوص تلقي تمويلات أجنبية رغم التنبيه عليها من قبل الكتابة العامة للحكومة، فضلًا عن غياب معطيات حينية لدى الكتابة العامة للحكومة حول التدفقات المالية الأجنبية لفائدة الجمعيات، مما يعيق متابعتها بصفة شاملة ودقيقة ويحول دون رصدها للمخالفات المرتكبة وردع مرتكبيها، وهو ما ترتّب عنه عدم تفطّنها لتلقي جمعيات لتمويلات أجنبية لا تقل مبالغها عن 31.8 مليون دينار، وفق محكمة المحاسبات.
كما أشارت بالخصوص إلى عدم توفر الآليات التي تمكّن الكتابة العامة للحكومة من التفطّن لعدم احترام الجمعيات المتحصّلة على تمويلات أجنبية لبعض الالتزامات المحمولة عليها، حيث أفرزت نتائج الاستبيان الذي أجابت عليه 22 جمعية متحصّلة على تمويلات أجنبية، عدم مسك 10 جمعيات منها لسجل المساعدات والتبرعات والهبات، فضلًا عن تسجيل انخفاض عدد التقارير الواردة على الكتابة العامة للحكومة من طرف مراقبي الحسابات الملزمين برفع تقرير حول القائمات المالية للجمعيات التي تتجاوز مواردها السنوية 100 ألف دينار.
مكافحة الإرهاب وغسل الأموال
أفاد التقرير، بأنّ أعمال المتابعة أدّت إلى اتخاذ بعض الإجراءات كإعداد مشروع لتنقيح المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلّق بتنظيم الجمعيات، وكذلك مشروع لتنقيح الفصلين 41 و45 من المرسوم المذكور، ودعوة هياكل الامتثال بالبنوك إلى إصدار التصاريح بالشبهة ضد جميع الذوات بما فيها الجمعيات وإحالتها إلى اللجنة التونسية للتحاليل المالية.
كما تضمّنت الإجراءات بالخصوص دعوة الولاة إلى مزيد تفعيل صلاحياتهم فيما يخصّ مراقبة نشاط الجمعيات، وتعيين منسقين جهويين بمراكز الولايات ومنسقين محليين بمراكز المعتمديات (274 معتمدية) لإنجاز مهام المتابعة والمراقبة الميدانية لأنشطة الجمعيات ورفع التقارير اللازمة إلى الإدارة العامة للجمعيات والأحزاب السياسية بصفة دورية.
أما على مستوى وزارة الشؤون الخارجية، فقد برّرت الوزارة، وفق التقرير، عدم متابعتها لحصول جمعيات تونسية على تمويلات مباشرة من السفارات المتواجدة بالبلاد، بعدم تضمّن المرسوم عدد 88 لسنة 2011 لمقتضيات تُلزم الجمعيات بإعلام الوزارة أو المرور عبر القنوات الدبلوماسية للحصول على المساعدات الأجنبية، فضلًا عن تعدّد المتدخلين وضعف التنسيق بينهم.
وأصدرت الهيئة جملة من التوصيات أبرزها وجوب مراجعة الإطار القانوني المنظّم للجمعيات، مع ضرورة إدراج نظام رقابة ومتابعة أكثر نجاعة للتمويل الأجنبي للجمعيات، وكذلك إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة ومندمجة حول الجمعيات المنتصبة بالبلاد التونسية وطرق تمويلها مع كافة الأطراف المتداخلة في هذا المجال.
وأكدت ضرورة أن يتجاوز البنك المركزي التونسي الصعوبات التقنية التي أدّت إلى نقائص في البيانات الإحصائية، وضرورة وضعه للإجراءات الترتيبية الضرورية لتطبيق مقتضيات الفصل 100 من القانون الأساسي عدد 26 المؤرخ في 7 أوت 2015 المتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.
رؤساء جمعيات تورّطوا في قضايا إرهابية
وتجدر الإشارة إلى أنّه أصدر مؤخرًا قاضي التحقيق بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب بتونس (محكمة مختصّة) مذكرات إيداع بالسجن بحقّ قائمين على جمعيات خيرية أثبتت الأبحاث تورّطها بملف التسفير لبؤر التوتر.
وقالت حنان قداس، المتحدثة الرسمية باسم قطب مكافحة الإرهاب، إنّه “مع تقدّم التحقيقات، تم الوقوف على تورّط عدّة جمعيات في الظاهر نشاطها اجتماعي خيري وفي الباطن تموّل عمليات التسفير فيما يُعرف بالجناح المالي”.
وأكدت قداس، في تصريحات إعلامية، أنّه بناء على هذه المعطيات، أصدر قاضي التحقيق عدّة مذكرات إيداع بالسجن بحقّ مسيّري وأمناء مال هذه الجمعيات، على غرار جمعية “مرحمة” للأعمال الخيرية.
والجمعية، وفق المتحدثة الرسمية باسم قطب مكافحة الإرهاب، كانت تتلقى تمويلات أجنبية ولها علاقات بعدّة وكالات أسفار ضالعة في عملية التسفير.
وبناء على ذلك، تم إصدار بطاقة إيداع بالسجن بحقّ أمين مال الجمعية والذي شغل المنصب بالفترة التي تتزامن مع ذروة عمليات تسفير الشباب التونسي للقتال ضمن التنظيمات الإرهابية، ولا تزال التحريات جارية للكشف عن كل المتورّطين في عمليات التسفير.
تجميد حسابات بنكية لجمعيات
وسبق أن قرّرت اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، تجميد الأموال والموارد الاقتصادية التابعة لجمعية “مرحمة” وذلك لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد، وفق ما ورد في الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية بتاريخ 14 يوليو 2023.
وكانت الجمعية أعلنت سابقًا في بيان لها عن تجميد حساباتها البنكية بتاريخ 14 ديسمبر 2022 معبّرة عن أسفها للتأثيرات التي وصفتها بالجسيمة لهذا القرار على مسار المشاريع التنموية التي هي بصدد تنزيلها.
وفي سبتمبر 2022، فتح القضاء التونسي من جديد ملفات قضايا تسفير الشباب إلى بؤر التوتر والإرهاب خلال عامي 2012 و2013.
وطالت تحقيقاته الموسّعة مسؤولين أمنيين ووزراء سابقين ورجال أعمال وسياسيين مقرّبين من حركة النهضة الإسلامية، الأمر الذي اعتبره مراقبون بداية لمفاجآت خطيرة ستكشف من أمّن لهم الطريق وأخفى آثار المتورّطين.
وشملت قائمة المتهمين أكثر من 100 شخص من بينهم زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وعلي العريض، وهو رئيس وزراء سابق ووزير داخلية في حكومتي الترويكا 1 و2، والحبيب اللوز القيادي التاريخي ورئيس جمعية الدعوة والإصلاح، ومحمد فريخة القيادي السابق بالنهضة وصاحب شركة طيران خاصة بشبهة التورّط في تسفير الشباب للقتال ضمن المجموعات الإرهابية في سوريا.
شبكات لتوفير الشباب إلى بؤر التوتر
وكشفت تقارير سابقة أن جمعيات تنشط تحت غطاء خيري ساهمت في تمويل ونقل نحو 6000 من الشباب التونسي إلى بؤر التوتر في العراق وسوريا والتحاقهم بتنظيم داعش.
وعلى مدار سنوات حكمها، أجهضت حركة النهضة مساعي عدّة للتعامل مع ملف تسفير الشباب، وتسبّبت ممارسات الحركة في عرقلة عمل لجنة تحقيق برلمانية مخصّصة لكشف شبكات التسفير، وتم إجبار رئيستها على الانسحاب من موقعها، بعد أن كشفت خيوط هذه الشبكات وعلاقتها بالنهضة.
واتهمت الأحزاب العلمانية في تونس حركة النهضة بالتساهل مع إسلاميين متشدّدين أثناء فترة حكمها بعد الثورة وحثّ الشبان في المساجد والاجتماعات الخاصة على الجهاد في سوريا، وهو أمر تنفيه الحركة باستمرار.
وكانت إقالة القاضي بشير العكرمي في يونيو 2022 في عملية تطهير للقضاء، بداية رفع الغطاء الذي حال دون فتح ملف تسفير الإرهابيين والعديد من الملفات الأخرى.
ويتهم بعض النشطاء السياسيين العكرمي، بأنّه قريب جدًّا من حركة النهضة، وبأنّه يوقف التحقيق في آلاف الملفات المتعلقة بالإرهاب، وتمت إقالته من قبل رئيس محكمة التعقيب بتهمة التستّر على ملفات متعلقة بالإرهاب، وبينها أيضًا اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
تدخل أجنبي
وفي الإطار نفسه أعلنت السلطات التونسية تجميدها لأموال جمعيات مشبوهة تلقّت أموالًا من الخارج، وتعمل لصالح جهات أجنبية، وتمثّل امتدادًا لقوى من الخارج.
جاء ذلك في قرار صادر عن «القطب القضائي الاقتصادي والمالي» (محكمة مختصّة) يقضي بتجميد أموال عدد من الجمعيات في علاقة بالتمويل الأجنبي.
وكانت النيابة العامة بـ«القطب القضائي الاقتصادي والمالي» تعهّدت بإجراء التحقيقات اللازمة بخصوص ملف التمويل الأجنبي للجمعيات، وذلك بالتنسيق مع لجنة التحاليل المالية والجهات المعنية.
ومع تقدّم التحقيقات، تقرّر تجميد أموال وحسابات مالية وبنكية تابعة لعدد من الجمعيات وذلك استنادًا إلى وجود تمويلات أجنبية مشبوهة.
وتتجه تونس إلى تعديل قانون الجمعيات في البلاد لمنع نشاطات الجمعيات التي تعمل لصالح جهات أجنبية إضافة للجمعيات الداعمة للإرهاب، والمتنكّرة بعباءة العمل الخيري ونشر الثقافة الدينية.
أجندة تخريبية
ويُذكر أنّه ومنذ وصولهم للحكم، سارع الإخوان إلى وضع مرسوم منظّم للجمعيات من أجل تسهيل أعمالهم وتدفّق الأموال إليهم، حيث عادوا من سجونهم ومنافيهم محمّلين بأجندة تخريبية مسمومة لأدلجة المجتمع وزرع بذور التطرف والإرهاب، وتحقيق ثروات طائلة.
وبتمويلات أجنبية دخلت عن طريق جمعيات متطرّفة، تمكّنوا من تنفيذ مخططاتهم الإجرامية على مدى أكثر من عقد، ففخّخوا مفاصل الدولة التي تسلّلوا إليها، وعاثوا فيها فسادًا، ظنًّا منهم أنهم فوق المحاسبة.
وكثيرًا ما أثار الإنفاق الضخم لحركة النهضة الإخوانية، سواء في الحملات الانتخابية أو الاجتماعات بهدف اختراق الشارع واستمالته، التساؤل عن مصدر تلك الأموال.
وكشف تقرير دائرة المحاسبات أن 1385 جمعية انتفعت بتمويلات أجنبية منها 45 جمعية استأثرت بـ56 في المائة من التمويلات، في حين تم اكتشاف دخول 68 مليون دينار (25.15 مليون دولار) سنة 2017 من تمويلات أجنبية لجمعيات تونسية و78 مليون دينار (28.85 مليون دولار) في عام 2018.







