جيوش لقهر الشعوب وتدمير الأوطان – الجيش العربي السوري نموذجاً

Sputnik

 

مدخل إلى البحث

 منذ نحو خمسين عاماً كنت في مطار المزة العسكري، قرب دمشق، أؤدي واجبي الوطني معتزاً بزمني وآمالي، وكنت حين ألمح ضابطاً طياراً بثيابه السماوية، ولياقته البدنية، يداخلني فرح وابتهاج، ويرعش قلبي من غبطة وإعجاب، وكنا، نحن زملاء الخدمة، نستعرض، والنشوة تغمرنا، حياة هؤلاء الطيارين وتميُّزَهم عمَّن سواهم، إن في المأكل والملبس أو في التعويضات.. ونثني على ذلك التميز الذي يصب في اتجاه استعادة الوطن لجولانه المحتل! وتكرُّ السنون.. خمسون عاماً وأكثر، وأنا أتابع مسيرة الجيش العربي السوري “الباسل”، وما خاضه من معارك، ورغم أنني غفرت له مع من غفر الكثير من أخطائه، وبررت مع من برر الكثير من الهزائم، إلا أنني صرت على قناعة، في نهاية الأمر، بأنَّ هذا الجيش الذي فتح ناراً ظالمة على شعبه لأكثر من مرة متسبباً بقتل مئات الألوف من مواطنيه المدنيين، يختلف كليِّاً عن الجيوش الوطنية، وعن المفاهيم التي تقوم عليها، وأعني تلك التي تناط بها حماية الأوطان وتحصين حدودها.. حتى إنَّ فكرة غريبة أخذت تلح عليَّ وهي أن بلاء وطننا كله من هذا الجيش لا من غيره، وصرت أفكر لو أننا ألغيناه من حياتنا العامة كلها لكانت حياتنا أكثر أمناً وهناءة.. ولدى إمعاني في هذا الأمر طويلاً، وتساؤلي لماذا؟! وما هي الأسباب التي تجعل جيشاً ينفق ثلاثة أرباع موازنة بلاده ليخوض حرباً وطنية عادلة بالمقاييس كلِّها، بل أكثر من حرب، ولا يحصد في النتيجة غير الهزائم؟! وليس، كذلك، فحسب، بل إن تلك الهزائم أصابت قيادته بعقد نفسية راحت تدفعه لتفريغها في عكس ما كان يصبو إليه في ظاهر قوله.. إذ أخذ يتصدى لشعبه كلما عنَّ على بال أحد من أفراده المطالبة بحق من حقوقه المهدورة أو بتحسين جانب من جوانب حياته.. وخلال ذلك أدركت حقيقة جوهرية، هي أنَّ هذا الجيش ليس أداة في يد الدولة الواجب عليها القيام بما يلزمها تجاه المجتمع وطبقاته، وشرائحه المختلفة، بل الذي يجري في الواقع أنَّ الدولة بشعبها هي الأداة الطيعة بيد هذا الجيش الذي يقوده حاكم فرد أو مجموعة أفراد ينفِّذون من خلاله رغباتهم، فهو لا يدافع إلا عن سلطتهم، ولا يحمي إلا وجودهم..

الدولة وجيشها في نظر علم الاجتماع

إنَّ الجيش في أساس تكوينه أداة في يد الدولة التي هي في واقع حياة المجتمع، وبحسب عالم الاجتماع فريدريك أنجلس، أداة أو وسيلة أشمل لاستعادة التوازن بين الطبقات، والشرائح المجتمعية المختلفة التي تشكل في عصرنا الحديث إطاراً للوطن الذي يمثل أفراد المجتمع كافة، ما يعني بكلمة: إن الجيش أداة لحماية الدولة، وما تمثله:

 “إنَّ الدولة ليست سلطة مفروضة على المجتمع من خارجه، كما أنها ليست “تجسيداً للفكرة الأخلاقية”, أو “صورة العقل وحقيقته” كما يدِّعي هيغل. بل هي نتاج للمجتمع عند درجة معينة من تطوره.. الدولة هي اعتراف بأن هذا المجتمع قد توَّرط في تناقض مع ذاته غير قابل للحل, وأنَّه قد تصدَّع إلى تناقضات لا يمكن التوفيق بينها، ولا طاقة له بالخلاص منها. ولكي لا تقوم هذه التناقضات, هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتصارعة, باستهلاك أنفسها، والمجتمع في نضال عقيم, أصبح من الضروري قيام سلطة تقف في الظاهر فوق المجتمع, سلطة تهدئ الصراع وتبقيه في حدود “النظام”. وهذه السلطة المنبثقة عن المجتمع، تضع نفسها فوقه، وتغترب عنه أكثر فأكثر، هي الدولة».(1)

سيرورة الدولة السورية

لدى التمعن في رؤية أنجلس عن الدولة نجد نموذجها الحديث المستقل قد ولد في سورية خلال مرحلة خمسينيات القرن الماضي، فأخذت تقوم بواجبها، بحسب الدور المنوط بها، في إدارة الصراع الاجتماعي، وفق التطور الطبيعي للدولة، ووفق موازين القوى الاجتماعية والاقتصادية، وترافق نموُّ الدولة ومؤسساتها مع نموِّ جانبها الاقتصادي، ومراكزه الإنتاجية، ووسائلها، وأدواتها في سعي جاد لمغادرة المجتمع الإقطاعي وإرساء قواعد المجتمع المديني، والدولة الحديثة.. لكنَّ تلك الدولة سرعان ما اغتربت عن حركة المجتمع الطبيعية في وقت مبكر، أيْ قبل أن يتاح لها استكمال شكلها ومحتواها.. ويعود ذلك الاغتراب إلى سيطرة أداتها عليها، فالجيش الذي هو أداة بيد الدولة يأخذ مكان الدولة ذاتها، لتنعكس الآية رأساً على عقب، وتغيب الدولة قبل اكتمال صيرورتها. لا بل إنها شهدت حالة نكوص ارتدادية إذ إنَّ تركيبة الجيش أفراداً وقيادات غلب عليها الطابع الفلاحي، وسادت في صفوفها عقلية المختار وشيخ القبيلة..

وإذا تجاوزنا مرحلة الوحدة السورية المصرية التي قفزت فوق واقع البلدين قطبي الوحدة، وفوق جوهرهما المختلفين سياسياً واقتصادياً، إذ أتت وكأنما لتلبي حاجة ما، لجهة ما، وتجاوزنا كذلك مرحلة الانقلابات البعثية في مرحلة ستينيات القرن الماضي وما شابها من صراعات داخل البعث من جهة، وخارجه مع قوى المجتمع الفاعلة، وانتهت إلى مجيء حافظ الأسد إلى السلطة بعد أن نزف الجيش مئات الضباط، إن لم نقل الآلاف، ندرك أسباب تلك الهزائم التي ألمت بالوطن/الدولة على غير صعيد. لا لشيء بل لأن المسألة في جوهرها تعود لابتلاع الدولة بكاملها، فكيف لدولة غير موجودة في الأصل أن تقوم بدورها، فتعمل على توازن التناقضات المجتمعية، وأن تحمي الوطن، والمجتمع.

حافظ الأسد والدولة الهشة

جاء حافظ الأسد بانقلاب عسكري مؤيد من أكثر الدول العظمى فاعلية، ومن بعض الدول الإقليمية التي كانت تخشى المدَّ اليساري في سورية آنذاك.. وجاء من خارج إطار الدولة أي إنه لم ينتخب ولم يجر عليه أيَّ توافق إلا بعد أن رسَّخ انقلابه، وصار أمراً واقعاً بقوة السلاح لا بغيره.. وقد جاء باسم الجيش واستناداً إليه، بعد أن كان قد رتبه أيام كان وزيراً للدفاع بعد انقلاب 23 شباط 1966، وقد جاء مختلفاً مع رفاقه البعثيين، فيما بعد، حول فكرة حرب التحرير الشعبية التي ربما تكون أكثر إيلاماً للمحتل الإسرائيلي الذي يريد لليهود الذين جاء بهم من أنحاء العالم الشعور بالأمن والاستقرار! بينما كان حافظ الأسد يعلن أنَّ الجيش القوي العقائدي، وحده القادر على تحقيق النصر، وإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967 على الرغم من أنَّ شرط مجيء الأسد كان اعترافه بالقرار 242. ما يعني حل المسألة سلمياً. ولكن رغم الخمسين عاماً، وإعادة بناء الجيش الذي التهم الدولة والمجتمع، ورغم وعود الدول الكبرى بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، فلا الجيش حلَّ المسألة، ولا القرارات نفذت، ولا إسرائيل تراجعت قيد أنملة..!

اجتهد حافظ الأسد منذ مجيئه لأن يبني سلطة قوية مهيبة، لا دولة. سلطة يكون محورها ولولبها، وكان له ما أراده.. لكنَّ السوريين، في النتيجة، لم يأخذوا غير شكل الدولة، أما حيويتها وفعاليتها فقد كانت منوطة بـسلطة “السيد الرئيس” شخصياً. فلا الوزارة، ولا مجلس الشعب، ولا المجالس المحلية أو النقابات أو التنظيمات المهنية الأخرى لها أية فعالية خارج إطار السياسة التي يرسمها ويمارسها “السيد الرئيس..”، أما الجيش الذي يقوده، ويطَهِّره باستمرار بناء على تقارير أجهزة الأمن المزروعة بعناية تامة في أنحائه وزواياه، فله الكلمة العليا لا في مجال تخصصه العسكري فحسب، بل في هذا الشأن المدني أو ذاك، حتى إن بعض ضباطه احتلوا، عبر عمليات التطهير، مراكز قيادية في مفاصل الدولة كافة.. فجاؤوا مغضوباً عليهم من السلطة العليا متسلطين في تلك الإدارات المدنية، الأمر الذي أضعف إدارة الدولة إذ وضع الرجل في غير مكانه، والغاية في النهاية أمن السيد الرئيس الفرد المطلق واستمرار بقائه. وعلى الدولة والمجتمع وتنميتهما أن يدفعا الثمن..!

ضوء على حروب الجيش العربي السوري

خاض الجيش السوري منذ تكوينه الأول عام 1920 قبل إعلان تأسيسه الرسمي بعيد الاستقلال عام 1946 عدة حروب، منها ما هو ضد عدو أجنبي كفرنسا وإسرائيل، ومنها ما هو داخلي سوري أو عربي عام.. واللافت أنه خسر الحروب الأولى وربح الثانية..! وكانت خسارته في معركة ميسلون محسوبة سلفاً، إذ إن وزير الدفاع يوسف العظمة الذي خاضها بنفسه، كان على معرفة بعدم تكافؤ مقاتليه مع الجيش الفرنسي اللجب، لكن قيمه الوطنية، وتربيته الأخلاقية فرضتا عليه ملاقاة العدو، وإعطاء المثل للقادمين من بعده بأن الفرنسيين لم يدخلوا دمشق دونما مقاومة.. وقد تكون خسارته في حرب 1948 مبررة أيضاً رغم الانتصارات النسبية التي حققها في البداية لكن أمر الخسارة الكلي يعود إلى فرقة العرب، آنذاك، إضافة إلى محدودية إمكانياتهم، وتخلفهم أيضاً.

ويحسب للجيش السوري بعد تأسيسه الرسمي صموده في المناوشات التي غالباً ما كانت تجري على الحدود السورية/الإسرائيلية قبل العام 1967 ومنع الإسرائيليين من محاولاتهم المتكررة قضم أراض سورية جديدة، وضمها إلى الأراضي المحتلة بعد قرار التقسيم.

كان تحرير فلسطين هو شعار الجيش السوري الرئيس لدى تأسيسه، إضافة لمهمة حماية حدود دولته السورية، لكنه للأسف لم يستطع تحرير شبر أرض، ولم يحم حدوداً، بل كان قد خسر حرب 1967 التي نشبت بين إسرائيل من جهة، وكل من مصر وسورية والأردن من جهة ثانية، وأدَّت إلى احتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان.. وتعدُّ هذه الحرب ثالث حرب ضمن الصراع العربي الإسرائيلي بعد الثمانية والأربعين، والعدوان الثلاثي على مصر، و”قدرت أعداد القتلى والجرحى والأسرى في جانب الدول العربية بنحو 9800 إلى 15,000 جندي مصري قتلوا أو فقدوا، كما أسر 4338 جندياً مصرياً. أما الخسائر الأردنية فهي نحو 6000 جندي قتلوا أو ظلوا في عداد المفقودين، كما أسر 533 جندياً، وجرح نحو 2500 جندياً؛ أما في سوريا فخسائرها أقلُّ من تلك الأرقام إذ سقط نحو 1000 جندي قتيلاً و367 أسيراً. بينما جاءت خسائر إسرائيل التي ربحت ما سمته حرب الأيام الستة إذ كانت بين 776 و983 جندياً إلى جانب جرح 4517 جندياً وأسر 15 جندياً إسرائيلياً”. (2)

وكان من نتائج الحرب صدور قرار مجلس الأمن رقم 242، وإعلان اللاءات الثلاثة: “لا صلح، ولا اعتراف، ولا تفاوض مع إسرائيل” التي اتخذتها القمة العربيّة في الخرطوم، وتهجير معظم سكان مدن قناة السويس وكذلك تهجير معظم مدن محافظة القنيطرة السورية، وتهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من الضفة، ومحو قرى بأكملها، وفتح باب الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية. بعد أن قامت بضم القدس والجولان لحدودها. ومن نتائج هزيمة حزيران إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان، وكل الدول العربية المحيطة بفلسطين، وقبول العرب بمؤتمر مدريد للسلام عام 1991 وبمبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي نصّ على العودة إلى حدود صباح الخامس من حزيران عام 1967 مقابل اعتراف العرب بإسرائيل، وإقامة سلام شامل معها..! لكنَّ دولاً عربيّة سارعت منفردة لإقامة علاقات سياسيّة أو اقتصادية مع إسرائيل، دون أن تلتفت إسرائيل إلى أيٍّ من تلك الاتفاقات أو القرارات..!

حرب تشرين عام 1973

خاض حافظ الأسد بعد استيلائه على السلطة بثلاث سنوات فقط حرب تشرين عام 1973 مع شريكه أنور السادات التي أرادها حرب تحريك لا تحرير، ومع ذلك فقد نعتت تلك الحرب في الأدبيات السورية كلها بحرب تشرين “التحريرية”، وبـ: “الحرب التي حطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر” والحقيقة أنَّ “الجيش السوري قد حقق انتصاراً كبيراً على الجيش الإسرائيلي في بداية حرب تشرين التحريرية 1973 إذ شنت القوات السورية هجمات جوية صاعقة على تمركز العدو في الجولان أدت إلى تشتيت الجيش الإسرائيلي، وتقدمت القوات السورية في عمق هضبة الجولان واستعادت المرصد الاستراتيجي على جبل الشيخ، لكنها تراجعت بعد ذلك، لأسباب عديدة منها: تدخل الولايات المتحدة الأمريكية، وإمداد إسرائيل بالمساعدات، لكن الجيش العربي السوري لم يستطع تحرير أرض الجولان كاملة حتى اليوم”.

في حصيلة حرب 1973 النهائية خسرت سورية مساحات جديدة، لكنها استعادت مدينة القنيطرة بموجب اتفاقية فصل القوات عام 1974 على أمل تطبيق قراري مجلس الأمن 242/338 القاضيين بالانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي إلى حدود ما قبل 1967، وكان الجيش السوري قد انسحب من مدينة القنيطرة دونما قتال، بل بقرار من وزير دفاعه حافظ الأسد خلال حرب حزيران عام 1967 قبل وصول الجيش الإسرائيلي إليها بمدة اختلف حول طولها إذ تراوحت بين ثلاث ساعات وثلاثة أيام.. لكنَّ الفارق المثير للأسى أن المدينة سلمت عامرة، واستردت مدمرةً بموجب الاتفاقية المذكورة التي لجمت القوات السورية على مدى أربعة عقود ونيِّف، دونما تطبيق لقراري مجلس الأمن.. والجدير ذكره هنا هو: “أنَّ وزير الصحة السيد عبد الرحمن الأكتع (طبيب أطفال من مدينة سلقين بمحافظة إدلب/يساري الانتماء) سأل في أول اجتماع لمجلس الوزراء بُعَيْدً الهزيمة عمن أصدر قرار الانسحاب من القنيطرة قبل ساعات أو أكثر.. ولعلَّه طالب بمحاسبته، فما كان من حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع، آنذاك، إلا أن قام من مكانه ليصفع الوزير الأكتع بقسوة ولؤم ما جعل الوزير يغادر الاجتماع والوزارة معاً، وإلى الأبد”.(3) تماماً كما تأتي إسرائيل اليوم لتؤكد سريان تلك الاتفاقية، “إلى الأبد..” بحسب ذلك الشعار الأقرب إلى ذهنية حافظ الأسد وابنه..!

انتصارات داخل البيت ومع الأشقاء

  • التدخل في لبنان

إذا كان الجيش العربي السوري قد خسر أمام العدو الإسرائيلي، وأصيب بنوع من عقدة النقص التي سببها اكتشاف الهوة العميقة بين طموح قادته وبين الواقع، فإنه، وكنوع من التعويض، راح يبحث عما يمكن أن يبرر وجوده ويغطي هزائمه.. وهكذا، وحين سنحت له فرصة الدخول إلى لبنان لم يتوان لحظة على الرغم من أن الأصدقاء السوفييت قد نصحوا، في ذلك الوقت، حافظ الأسد بعدم التدخل إلا أنه أصرَّ على الدخول لعله نوع من التوسع كعادة القادة العرب الفرديين الذين يعتقدون أن خلاص الأمة على أيديهم، والأرجح أنه، كما أشير، تعويض عن الفشل في الحربين الخاسرتين مع إسرائيل! ومحاولة من حافظ الأسد، بحسب جورج حاوي، لوضع القضية الفلسطينية، وفوضى الدولة اللبنانية تحت إبطه، والذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل من موقع القوة بعد أن فعلها أنور السادات، وتركه وحيداً!(4)

“كانت نار الحرب الأهلية مستعرة لمدة عام قبل أن يدخل الجيش السوري تحت غطاء الجامعة العربية عام 1976، وليضع، حسب ما زعم، حداً للنزاع العسكري، وليعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب. بينما رفضت دخوله الحركة الوطنية اللبنانية، وما تمثلها من الأحزاب اليسارية وإلى جانبها الفصائل الفلسطينية، فيما رحبت أحزاب اليمين اللبناني.. أحزاب المسيحيين والمسلمين المحافظين. كانت الميليشيات المارونية على وشك الهزيمة. وكان التخوف المسيحي قد نما بعد مجزرة الدامور، فردت سورية بإنهاء دعمها لجبهة الرفض الفلسطينية، (جبهة الرفض مكونة من يسار الفصائل الفلسطينية، والحركة الوطنية اللبنانية) ودعمت الحكومة ذات الأغلبية المارونية. الأمر الذي جعل سورية تقف في نفس الصف الذي تقف فيه إسرائيل التي دعمت الميليشيات المارونية بالسلاح والدبابات والمستشارين العسكريين. يقول جورج حاوي (اغتيل 21 حزيران 2006)

“فبدل أن تكون هذه التحالفات بين الفلسطينيين واليسار، من جهة، وسوريا، من جهة ثانية، انتقلت لأن تكون تحالفات بين سورية والفريق المواجه للفلسطينيين كي يمنعوا امتداد الحركة اليسارية اللبنانية والحركة الفلسطينية، نتيجة تفوق القدرة العسكرية والقتالية للتحالف الفلسطيني اليساري الوطني اللبناني بقيادة كمال جنبلاط. استعان الفريق الحاكم آنذاك (بيار الجميل الأب) بسوريا وبالأميركيين. أميركا نصحتهم بالاستعانة بسوريا لأنها الأقرب”.(5)

وبناء على طلب الرئيس سليمان فرنجية، احتلت القوات السورية طرابلس وسهل البقاع متفوقة بسهولة على قوات الحركة الوطنية اللبنانية والميليشيات الفلسطينية. وبدعم سوري، استطاعت الميليشيات المسيحية اقتحام دفاعات مخيم تل الزعتر الذي كان تحت الحصار والقصف المتواصل طوال أشهر. ما أدى إلى اقتحامه ومقتل الآلاف من الفلسطينيين دونما أي ردِّ فعل من “الجيش العربي السوري” الأمر الذي أثار غضب العالم العربي ضد سورية”.(6)

وبإيجاز يمكن القول إن التدخل السوري في لبنان كان كارثة على منظمة التحرير الفلسطينية التي أخرجت من لبنان وعلى القوى الوطنية اللبنانية إذ فتحت الباب واسعاً أمام التدخل الإيراني في لبنان عبر حزب الله الذي تستر بالمقاومة وثانياً على سورية التي خرجت مكرهة من لبنان عام 2005 بعد أن زرع جنودها وضباط مخابراتها العداوة والأحقاد بين الشعبين وتورطت باغتيال بعض الشخصيات السياسية والصحفية المعتزة بوطنيتها اللبنانية.. ولعلَّ ما لاقاه اللاجئون السوريون في السنوات الأخيرة من معاملة سيئة في لبنان هو حصاد لذلك الدخول، وتلك المواقف..!

ب- المشاركة في حرب الخليج الثانية..

إذا كان دخول الجيش السوري إلى لبنان قد وضع شبهات ما حول النظام السوري الذي يعلي صوته على الدوام بالشعارات الوطنية والقومية فإن انخراط هذا الجيش في حرب الخليج الثانية وتحت قيادة الأمريكان بالذات، وضد دولة عربية تريد أمريكا، وتريد إسرائيل أيضاً الخلاص منها ومن جيشها القوي المنتصر في حربه مع إيران.. فقد وضع الجيش السوري نفسه في قلب الشبهة أكثر فأكثر.. وحاول حافظ الأسد أن يغطَّى أمر دخوله، برسالة نُصْحٍ وجهها إلى الرئيس صدام حسين الذي لاشك بأنَّ خطأه باحتلاله الكويت كان فادحاً، وخصوصاً بعد إنجازه نصراً ساحقاً على إيران، ولكن يبدو أن القيادة العراقية قد وقعت في الفخ آنذاك.

  • ثالثة الأثافي: التدخل ضد الشعب

تدخل الجيش السوري ضد الشعب ثلاث مرات في عام 1964 هدم مسجد السلطان في مدينة حماة نتيجة لتحصن جماعة مروان حديد من الإخوان المسلمين فيه، فذهب ضحية ذلك الهجوم نحو سبعين إلى ثمانين مواطناً.. أما المرة الثانية فكان التدخل في عدة مدن سورية منها حماة وحلب حين أخذت مجموعة من الإخوان أيضاً تغتال بعض الشخصيات على الهوية الطائفية، كما جرت محاولة لاغتيال حافظ الأسد بالذات، وقد كانت ردة فعل الجيش عنيفة جداً لا ضد الإخوان المسلمين فحسب بل ضد المجتمع إذ هدمت أحياء من مدينة حماة بالكامل وقتلت عشرات الآلاف بينما لم يكن عدد الإخوان على نطاق سورية يتجاوز، في حده  الأعلى، الآلاف الثلاثة. لكن اتهام الإخوان المسلمين يكمن في انتشار التدين في مجتمعنا، وكثرة المتدخلين في السياسة من موقع المعارضة السلبية، إضافة إلى عدم تقبل الحكومات العسكرية المفروضة على الشعب. أما المرة الثالثة فهي ما نحن فيه الآن، والمستمر منذ بداية العام 2011 وبسبب رفض النظام الانصياع إلى حلول وسط مع أبناء الشعب واختياره الحلَّ الأمني الذي قاد في النهاية إلى تدمير البلاد السورية، وقتل من السوريين أو تسبب بقتل قرابة مليون إنسان معظمهم من المدنيين قضوا في بيوتهم تحت القصف بالبراميل المتفجرة، ومنهم من قضى بالكيماوي في الغوطة، وفي خان شيخون، إضافة إلى الآلاف الذين قضوا  تحت التعذيب في السجون.. ناهيكم بالمجازر التي حصلت في معظم المدن السورية بإطلاق النار على المتظاهرين منذ الأيام الأولى فمجزرة الساعة بحمص كانت في 18 نيسان 2011 أي بعد شهر واحد فقط على مظاهرة درعا. ولم يتوقف الأمر عند حدود القتل، بل إن البلاد اليوم ترزح تحت أكثر من احتلال أجنبي، ونحو اثني عشر مليوناً بين نازح ومهجَّر.. أما معاناة الأحزان وآلام الأمراض النفسية والأخلاقية والقيمية التي لحقت بغالبية أبناء المجتمع السوري، فلا تكفيها أوراق العالم، ولا حبره للتعبير عنها وسيكتب عنها وعن تأثيراتها مدى الدهر.. وبإيجاز أقول: ما ربح مما جرى غير العدو الإسرائيلي.. أما غطاء الإرهاب، فلم يستر تلك الفضائح كلها. ولن يسترها..

الفساد يطول الجيش

لن نتحدث عن الفساد التقليدي الذي يطول، في العادة، مؤونة الجيش وبعض مشاريعه، بل سنأتي على فساد آخر جديد.. بعد حرب تشرين وما أحدثته من شعور بالارتياح، وبسيادة نصر كاذب أوهم الجميع بأنَّ عبء 1967 قد زال، وأنَّ حافظ الأسد الذي كان ينعت ببطل تشرين التصحيح، صار “بطل التشرينين”. التصحيح والتحرير.. وترافق ذلك مع مسيل أموال البترو دولار جراء طفرة ارتفاع أسعار النفط العالمية بفعل الحرب ذاتها، لتصبَّ في دول المواجهة، بل في جيوب قادتها، والنافذين من حولهم، ومع إنشاء بعض المشاريع الخدمية أخذت الفوضى تنتهك روح الدولة ومؤسساتها، وأخذ الفساد يفتك بجسد تلك الدولة وأداتها العليا، وأعني الجيش العربي “الباسل” ذاته. إذ تفشَّت فيه حالات الفساد عبر عدة أقنية أولها ضباط القمة المعروفون بالأمراء والقادة، وهؤلاء كانت تأتيهم الرشا منحاً من “السيِّد الرئيس” بالذات، طلباً لأمنه واستمرار حكمه.. كما كان يجري السكوت عن تصرفاتهما المخالفة لكل القوانين ويتصرفون بعتاد الجيش وأفراده كملكية خاصة يذكر: (أنَّ محمد الخولي رئيس المخابرات العامة كان يأتي إلى قريته بطائرة هليكوبتر عسكرية، وذات مرة خرَّب حبال أوراق التبغ المنشورة بين الحقول في جوار مزرعته، وحين طالبوه بالتعويض طردهم بقسوة، وهو الذي لم يستطع إكمال دراسته الثانوية إلا بمساعدة هؤلاء، وبطلب من والده). (7) والأمر نفسه فعله الضابط علي حيدر قائد القوات الخاصة التي فتكت بمدينة حماة عام 1982 إذ (كان يأتي بطائرة هليكوبتر إلى مزرعة بمدينة الباب/ شرق حلب ليسهر عند أبناء معروف النومة شركائه في تهريب المخدرات).(8) وقد أطلقت يد الضباط الذين هم أدنى مباشرة، أي الضباط الأعوان وما شابههم، في مجالات الحياة المختلفة عبر شراكات مع هذا التاجر أو ذاك.. مع هذه المؤسسة الاقتصادية أو تلك.. أما الضباط الآخرون الذين هم على تماس مع الجنود فقد اكتفوا بهدايا الإجازات المجزية أولاً، ثم بجعالة “التفييش” المغرية. (التفييش ظاهرة عرفها الجيش السوري، وهي إجازة دائمة للمجندين لقاء رواتبهم ومبالغ أخرى يتفق عليها).. ويبقى بعض صفّ الضباط والجنود فهؤلاء أدوات لمن هم أعلى منهم رتبة يأخذون نصيباً مما يأتي ومن الحواجز في الأزمات أو من “التعفيش” أيام الحروب، وما أكثرها، كما حصل في بيروت على مدى سنين، وفي مدينة حماة، وكذلك في معظم المدن السورية خلال السنوات الأخيرة.

 ومن بين هؤلاء جميعاً اختصت مجموعة أو مجموعات بالتهريب تدميراً للاقتصاد الوطني، وتكويناً لبرجوازية طفيلية، تحول دون تنمية البلد واقتصاده، وقد تفاقمت هذه الحال خلال وجود الجيش في لبنان.

كل ذلك إضافة إلى التمييز الذي يمنح بعض الضابط درجات عن مثيلهم المدني المكافئ لهم في العلم والشهادة والعمل المنتج. وأنَّ ذلك التمييز محفوظ لهم لدى كبار موظفي الدولة، وغالباً ما يستخدم في غير مكانه، إذ تحوَّل بعضُ الضباط ونساؤهم وأولادهم وأقرباؤهم إلى وسطاء لابتزاز أوجاع الناس وآلامهم..  

تنبيه

لا بد أخيراً من التنبيه إلى أننا حين نتحدث عن هذه الظواهر، ندرك أنَّ أغلبية الجيش بقيت مهمشة تعيش الفقر والعوز والتذمُّر الدائم، نتيجة لضعف الرواتب والتمييز الذي حلَّ مكان الرتب والقدم العسكري المعهود.. ومن بين هؤلاء، فيما أعتقد، جرت الانشقاقات في العام 2011، ورفض أوامر إطلاق الرصاص على المتظاهرين العزل، ومن هنا أيضاً أخذ الشباب يتخلَّفون عن الالتحاق بالجيش، مدركين أنَّ هذه الحرب ليست حرباً وطنية، وهي بالتالي ليست حربهم. ويقودنا كل ما تقدم إلى سؤال في غاية الأهمية يفرضه واقع في غاية السوء، والتخلف الشامل، ويستند إلى مسيرة خمسين عاماً.. هذا السؤال هو:

هل نحن بحاجة إلى جيش فعلاً؟!

وفي الجواب يمكن القول بصدق وانطلاقاً من مصالح الشعب والوطن:

لا نعتقد بأنَّ بلاداً مثل بلادنا بحاجة إلى جيش رغم أنَّ كل المظاهر الخارجية تشير إلى ضرورة وجود مثل هذا الجيش، فأراضينا لا تزال محتلة، ولا يزال العدو الإسرائيلي يرفض تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تلزمه بالانسحاب إلى حدود ما قبل الخامس من حزيران عام 1967. بل هو يعلن على الملأ واستناداً إلى الواقع القائم أنَّ الجولان إسرائيلية.. ورغم ذلك فلسنا بحاجة إلى الجيش وإن خالفنا بذلك بلدان العالم كلّها إلا قلة منها.. ولدينا من المبررات الوطنية الكثير ومنها:

أولاً: إنَّ الجيش مهما بلغ من قوة، فهو غير قادر، في ظل موازين القوى العالمية، على تحقيق طموحاتنا الحالية السياسية منها والعسكرية.. ولعل مجريات حرب تشرين 1973، وبالجسرين الجويين اللذين أقيما بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وبين موسكو ودمشق من جهة ثانية، وحجم كل منهما، قد أعطيا هذه الحقيقة، وقد اتضحت اليوم أكثر من السابق.. وإذا كان لنا في سبعينيات القرن الماضي تعويل ما على السوفييت فإننا اليوم نرى حرص روسيا على إسرائيل كحرص أمريكا، والغرب عموماً، إن لم نقل أكثر..

ثانياً: إنَّ نفقات الجيوش في ازدياد مستمر تلبية لحاجة الأسلحة المتطورة، وعلى ذلك فإن ميزانية الجيش تستهلك موازنة الدولة مهما بلغ حجمها، وهذا ما يحدُّ أيَّ نشاط يمكن القيام به خدمة للتنمية وللارتقاء بأوضاع البلاد الاقتصادية والخدمية ما يوفر للبشر الحياة الهانئة.. ثم إن الصراع العالمي اليوم يتوقف على تنمية قطاعي العلوم والاقتصاد المترابطين فيما بينهما.

ثالثاً: إن وجود هذا الجيش كغيره من جيوش العالم سيعمل على إنعاش بيوتات السلاح لدى الدول العظمى التي من شأنها، وشأن مصالحها، أن تسعى لمثل هذه الحروب العبثية في أنحاء الأرض، وبين سكانها.. تعدُّ بعض الدول العربية من أوائل دول العالم إنفاقاً على السلاح، وأقلها طبعاً إنفاقاً على التعليم والبحث العلمي.

رابعاً: إنَّ هذه الحروب تعمل على تنشيط معامل السلاح في بلدانها، وتدفعها لتطوير الأسلحة ولتوليد أنواع جديدة أكثر فتكاً بالبشر والحجر، ما يشكل خطراً على الإنسانية جميعاً، بل يشكل خطراً على الكوكب الأرضي بمجمله.. (أبرمت روسيا صفقات سلاح بأكثر من خمسة وثلاثين مليار دولار ناهيكم باحتساب الحرب السورية تدريباً للقوات الروسية وتجريباً للأسلحة الجديدة التي وصلت إلى أكثر من مئتي نوع، كما أعلن بوتين.).

خامساً: إن الجيوش اليوم أداة لترسيخ الأنظمة الدكتاتورية، كما مرَّ في هذا البحث، وبالتالي: هي أداة لقتل الإبداع لدى بني البشر، وبخاصة لدى الشعوب الفقيرة التي لا تملك من أمرها شيئاً. وإذا ما تمعنا في الأمر أكثر فإننا سنجد هذه الجيوش ليست أداة في إمرة الدكتاتور الذي يقودها فحسب، بل هي تحت إمرة قيادة هذه الدولة العظمى أو تلك.. والحرب السورية المستمرة منذ سبع سنوات تؤكد ذلك.

سادساً: إن التنافس بين شعوب الأرض قاطبة لا تحسمه الجيوش وإن تراءى لنا ذلك، بل إنَّ ما يحسمه هو التطور الاقتصادي والعلمي والتمكن من التكنولوجيا الرفيعة، هذه التكنولوجيا، هي التي تصنع كل أداة سواء استخدمت للحرب أم للسلم، وهي التي تحقق النمو والتقدم في البلدان كافة. وما عدا ذلك تخلف وخراب.. ولعلنا نرى اليوم في تخلخل جمهورية إيران الإسلامية مثالاً ونموذجاً، وقبل ذلك كان سقوط الاتحاد السوفييتي المريع..!


المراجع:

  1. (ص 177-178 الدولة والثورة/ لينين/ الطبعة الألمانية السادسة). “موقع ماركسي”.
  2. ويكيبيديا. (حرب 1967)
  3. رواية الدكتور عبد الرحمن الأكتع لأهله وأصدقائه في مدينته سلقين التابعة لمحافظة إدلب.
  4. جورج حاوي/ عن مجلة الفكر التقدمي العدد21/ جريدة البناء 27 آب 2018
  5. المصدر السابق.
  6. ويكيبيديا: (الحرب الأهلية اللبنانية)
  7. مقالة نشرها الصحفي “بسام يوسف رئيس تحرير جريدة كلنا سوريون” على صفحته على الفيسبوك
  8. أكد الحادثة لمعد هذه الدراسة بعض من أهالي مدينة الباب العالمين بخفايا أمور المدينة. وقد كان حديث أولاد “النومة” بها نوعاً من المفخرة.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.