حرب بالوكالة.. حركات التمرد تدخل على خط المواجهة “السودانية – الأثيوبية”

تشن الحكومة الأثيوبية حرباً جديداً ضد السودان، بعد انسداد الحلول السياسية والفنية المتعلقة بملف “سد النهضة، والتي وصلت إلى طريق مسدود، وانتقلت الحرب إلى ولاية النيل الأزرق، التي تقع على مثلث الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان.

بعد أن هددت اثيوبيا ببدء الملء الثاني لـ”سد النهضة”، بدأت بتقديم دعما لوجستيا لقوات “جوزيف توكا” نائب رئيس الحركة الشعبية قطاع الشمال جناح “عبدالعزيز الحلو” في ولاية النيل الأزرق الجنوبية، اذ أكدت وكالة الأنباء الرسمية السودانية “سونا” أن “أديس أبابا دعمت الحركة بالأسلحة وذخائر ومعدات قتال، وصلت إلى المنطقة في 27 فبراير الماضي، وكان في استقبال الدعم جوزيف توكا وبعض قادة قواته”.

حرب بالوكالة..

وتمكنت السودان من استرداد أراض في منطقة الفشقة الكبرى بولاية القضارف شرقي البلاد بعد مواجهات مع مليشيات إثيوبية، واقترب من السيطرة على مستوطنة “برخت” آخر وأكبر المعاقل الإثيوبية المشيدة داخل الأراضي السودانية بمنطقة الفشقة الكبرى.

الوكالة السودانية قالت إن “الحكومة الأثيوبية تهدف لاستخدام توكا لإحتلال مدينة الكرمك في الولاية بإسناد مدفعي أثيوبي وذلك بغرض تشتيت جهود الجيش السوداني على الجبهة الشرقية”.

وتشهد ولاية النيل الأزرق جنوبي السوادن، قتالا بين الحكومة ومتمردين منذ العام 2011، بعد أن وجد المتمردون الذين قاتلوا مع السودانيين الجنوبيين أنهم اصبحوا تابعين للشمال بعد انفصال الجنوب.

بدوره، دفع الجيش السوداني يوم الإثنين الفائت، بتعزيزات عسكرية إلى إقليم “النيل الأزرق”، وذلك لمنع الميليشيات الاثيوبية من السيطرة على مدن في النيل الأزرق.

وكانت الحكومة السودانية أبرمت العام الماضي 2020، اتفاق السلام مع عدد من الحركات المسلحة في البلاد بغرض إنهاء الأعمال العدائية التي عصفت بالبلاد. وشمل الاتفاق 5 مسارات معا، ترتبط بالخدمات والمشاركة في السلطة.

لكن الاتفاق لم يكتمل، لرفض عدد من الحركات المتمردة التوقيع على الاتفاق خاصة في ولاية النيل الأزرق، ومنها قوات “توكا”، اذ وجدت “أديس أبابا” في دعم متمردي النيل الأزرق فرصة لزعزعة استقرار السودان، والضغط عليها.

وشهدت العلاقات الدبلوماسية بين السودان واثيوبيا تدهوراً كبيراً ولا سيما، بعد التحركات العسكرية الإثيوبية في منطقة الفشقة الواقعة داخل الحدود الدولية للسودان، منذ أواخر 2020، رغم مساعي التهدئة.، بالإضافة إلى أزمة “سد النهضة” الذي تنبيه إثيوبيا منذ العام 2011، على النيل الأزرق، أبرز روافد نهر النيل.

“الحركة الشعبية شمال” تتشكل من جناحين كبيرين أحدهما يقوده “مالك عقار”، ووقع على اتفاق سلام مع الحكومة السودانية في جوبا في أكتوبر الماضي، وانضم إلى مجلس السيادة وأصبح جزءا من السلطة الانتقالية.

ويقود الجناح الثاني “عبدالعزيز الحلو” الذي لم يوقع على اتفاق السلام، ويستعد حاليا للدخول في مفاوضات جادة مع الحكومة بعد أن أصدر مجلس الأمن الشهر الماضي بيانا لوّح فيه بفرض عقوبات على الحركات المسلحة التي تعطل مسيرة السلام.

جوزيف توكا..

الحكومة الإثيوبية تستخدم “جوزيف توكا” لتهديد مدينة الكرمك السودانية، بإسناد مدفعي إثيوبي، بغرض تشتيت جهود الجيش السوداني على الجبهة الشرقية.

الفريق “جوزيف توكا”، هو نائب القائد العام للجيش الشعبي لتحرير السودان، التي تقاتل الحكومة السودانية في ولايتي جنوب كردفان (جنوب) والنيل الأزرق (جنوب شرق) منذ عام 2011، كما يشغل منصب نائب رئيس (الحركة الشعبية لتحرير السودان- الشمال)، وهو حزب سياسي ومنظمة مقاتلة في السودان، تنشط بصورة رئيسية في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ويشارك فرعها المسلح في تمرد نشط ضد حكومة السودان.

وتأسست (الحركة الشعبية لتحرير السودان- الشمال) في العام 2011، ليرأسها عبد العزيز الحلو، متبنية أيديولوجية “سودان جديد”، ومناهضة للحكومة السودانية، بالانتماء للجبهة الثورية السودانية.

منظمة العفو الدولية تتهم “توكا” بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وكشفت في ورقة بعنوان (السودان: الأزمة تحاصر المدنيين في جنوب كردفان دون أفق للحل) عن احتجاز توكا وقواته للمدنيين في أم مهيتان، دون أسرة أو طعام، ما اعتبرته المنظمة انتهاك لا إنساني لاتفاقيات جنيف.

وهاجم “توكا” في أغسطس الماضي وقواته المواطنين والقوات المسلحة بجنوب كردفان، في انتهاك لوقف إطلاق النار ومفاوضات السلام الذي لم يشارك هو وحركته في توقيعه، فيما شاركت فيه حركات مسلحة داخل تحالف الجبهة الثورية، وأصر في أكتوبر الماضي، على قتال حكومة بلاده في إقليم دارفور، في تحالف مع حركة جيش تحرير السودان.

الخبير في الشؤون الأفريقية “هاني رسلان” أكد أن “إثيوبيا احتضنت لفترة طويلة حركات التمرد في مرحلة الحرب الأهلية بين جنوب السودان وشماله، ومثلت الداعم الرئيسي والقاعدة الخلفية للحركة الشعبية لتحرير السودان تحت قيادة زعيمها الراحل جون قرنق، وقدمت دعما سخيا لقواته مكنها من التقدم عسكريا حتى سلّمت الخرطوم بتقرير المصير ثم انفصال الجنوب”.

ولفت الخبير “رسلان” إلى أن “أديس أبابا لعبت دورا مركزيا في الحرب الأهلية واستثمرتها كورقة لمقايضة السودان والضغط عليه بقوة، وإذا صحت المعلومات المتداولة حول دعم حركة متمردة الآن، فهذا يعني أن إثيوبيا تعمل على فتح جبهة لإشغال الجيش السوداني، ولفت انتباهه بعيدا عن الأزمة الحدودية”.

دعم إثيوبيا لحركات التمرد، لم يتوقف عند النيل الأزرق، إذ أحبطت استخبارات الجيش السوداني تهريب ضبط بنادق آلية وقنابل يدوية وذخائر مهربة كانت في طريقها إلى المليشيات الإثيوبية عبر حدود ولاية القضارف مع إثيوبيا.

يذكر أن مليشيات إثيوبية من قوميتي الامهرا والكومنت نفذت هجمات مسلحة على مزارعين سودانيين في الشريط الحدودي بين البلدين واعتدت عليهم كما اختطفت عمالا وسلبت آليات وحاصدات تخص المزارعين السودانيين.

الخريف وترسيم الحدود..

ودعا السودان يوم أمس الثلاثاء، إثيوبيا إلى تحديد موعد لاجتماع اللجنة العليا المشتركة للحدود في أديس أبابا قبل حلول فصل الخريف. لافتاً إلى أنّ “هذا المشروع الجاهز ينتظر الإرادة السياسية من الطرف الإثيوبي والتمويل مناصفة مع السودان”.

رئيس مفوضية الحدود السودانية، “معاذ تنقو” قال: “ننتظر الاجتماع القادم للجنة العليا المشتركة للحدود بين البلدين، لتبرز وتؤكد في اجتماعها القادم بأديس أبابا الإرادة السياسية للبلدين، ولإثيوبيا خاصة، والجانب السوداني لديه الإرادة السياسية”.

وأكد المسؤول السوداني أنّ “السودان ينتظر تنفيذ مشروع تكثيف علامات الحدود، الذي اتُّفِق عليه عام 1973، ثم اتُّفِق بشأنه في 2010، عبر اللجنة الفنية المشتركة بين البلدين، ثم أُكِّد عام 2011، بواسطة اللجنة السياسية المشتركة، برئاسة وزيري خارجية البلدين”. موضحاً أن “مشروع تكثيف علامات الحدود بين السودان وإثيوبيا جاهز، وأكده رئيسا البلدين في قرار يوم 4 ديسمبر/ كانون الأول 2013، بقبول التوصيف لمواقع علامات الحدود المكثفة”.

يشار إلى أنه في 22 ديسمبر الماضي، وصل إلى الخرطوم وفد إثيوبي، بقيادة نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية يميك ميكونين، لبحث قضية ترسيم الحدود بين البلدين، على أساس الوثائق المتفق عليها والموقعة، فضلاً عن تحديد موعد لبدء العمل الميداني لترسيم الحدود، وفق الخرطوم.

وشدد “تنقو” على أهمية عقد الاجتماع قبل الخريف “ليتمكن المزارعون من الزراعة في هدوء وأمان، سواء المسجلون من الجانب الإثيوبي منذ 1972، أو السودانيون حاملو الوثائق الثبوتية لأراضيهم وأهالي المناطق”. مشيرا إلى أن “العلامات الحدودية بين البلدين موجودة وفق التطبيق العملي الميداني لاتفاقية 1902 على الأرض، التي قام بها الرائد قوين في 1903”.

الحدود بين البلدين كانت قد شهدت تطورات، بعد هجوم مسلح استهدف قوة للجيش السوداني في جبل :طورية” منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأكد “عبد الفتاح البرهان” رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة في وقت سابق أن بلاده لا تريد خوض حرب مع إثيوبيا ولا مع أي دولة أخرى، ولكنها لن تفرط في شبر واحد من أراضيها.

وأشارت مفوضية الحدود في السودان، في وقت سابق إلى أن “إثيوبيا لم تلتزم باتفاقية 1972 الحدودية، وتريد إجبار الخرطوم على قبول الوضع الراهن”، لافتة إلى أن “أطماع اديس ابابا وصلت حد إقامة مشاريع البنى التحتية في منطقة الفشقة، والتعديات على أراضي السودان بدأت منذ ١٩٥٧.”

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©