حزب الأمة الكويتي وثقافة التطرف

CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 82

إذا أردنا ان نختصر تعريفاً ملائماً لـ(الإسلام السياسي) اليوم، فسوف نجده بعيداً عن الاثنين معاً (الإسلام والسياسة) فهو في الجانب الديني يرتكز على مجموعة من الأفكار الانتقائية التي تصبح ملهمه الخاص الذي يستند إليه في خطابه الداخلي، وهو في الجانب السياسي لا يؤمن بمبدأ الشراكة السياسية ولا يقبل الآخرين بتاتاً، وإذا أجبرته متغيرات سياسية معينة للقيام ببعض التوافقات السياسية فتلك مسألة مؤقتة، وهي ليست ضمن استراتيجية ثابتة، لأن الإسلام السياسي بشقيه (السني والشيعي) يجد أنه في بنيته الداخلية انطلق أصلاً ليكون بمنزلة البديل لما هو موجود في الساحة السياسية، وهذا الملف شائك وطويل ويحتاج إلى بحث خاص.

في مطلع سبتمبر/ أيلول نشر أمين عام حزب الأمة الكويتي على صفحة الموثقة في تويتر، خبراً يفيد بقيام السلطات الكويتية بتجميد أرصدته الشخصية، وهو الخبر الذي يحمل في طياته دلالة مهمة، خصوصاً إذا ما حاولنا معرفة الأجندة السياسية الخاصة بالحزب، والأفكار السياسية التي يروج لها، ومن ثم نحن اليوم أمام مناقشة لما صدر عن هذا الحزب من مواقف سياسية وفكرية، وهذه المواقف جملة وتفصيلاً موجودة وموثقة بعضها نصاً، وبعضها بالصوت والصورة، من خلال الحلقات المسجلة التي تبث تباعاً عبر يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي.

تأتي أهمية رصد ما ينشره حزب الأمة الكويتي ليس من حجم قوة الحزب أو حضوره في المشهد السياسي الكويتي، إذ إن حضوره لا يشكل تلك المساحة الفارقة، لكن الأهمية تبرز في حجم الانتشار لمتابعيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فالصفحة الرسمية والموثقة للدكتور (حاكم المطيري) رئيس الحزب تضم أكثر من مليون متابع وهذا رقم مهم للغاية، ما يعني نظرياً أن هناك مئات آلاف يتابعون خطاب المطيري السياسي والديني، وهو خطاب يتجاوز حدود الخطاب الطبيعي في عالمي السياسة والدين، وإذا أردنا اختصار هذا الخطاب، فسوف نجده محض نسخة لا تختلف كثيراً عن خطاب تنظيم القاعدة، وهنا بالضبط جوهر هذا الحزب وخطورته ليس على الكويت تحديداً، ولكن على مساحة المتابعين الذين يفهمون اللغة العربية، من عرب وأجانب، وما نعنيه بالضبط، أننا أمام خطاب لا ينتمي من حيث الشكل إلى تنظيم القاعدة، لكنه من حيث المضمون والجوهر يمثل خطاب التنظيم المتطرف بلا أي لبس.

الولادة والتشكيل

في الثلاثين من يناير/ كانون الثاني عام 2005 نشرت صحيفة القبس الكويتية خبراً يحمل تفاصيل إعلان ولادة (حزب الأمة) الحزب الجديد آنذاك في الكويت الذي ولد على أيدي عدد من السياسيين والأكاديميين الكويتيين، كانت الولادة في منطقة الجهراء وبالتحديد من داخل منزل الناطق باسم الحركة السلفية السابق الدكتور حسين السعيدي الذي جرى تقديمه آنذاك ليكون الناطق الرسمي للحزب الجديد (حزب الأمة) حيث عُقد المؤتمر الصحافي الاول لحزب الأمة بحضور عدد من مراسلي المحطات الفضائية ووكالات الأنباء العالمية، إضافة إلى الصحف المحلية والعربية.

وبعد التقديم التقليدي للحضور حول الحزب، تحدث حاكم المطيري رئيس الحزب، وبحسب صحيفة القبس أيضاً، إذ اعتبر المطيري أن (حزب الامة اسم على مسمى فهو للأمة والباب مفتوح للانضمام إليه من دون تحفظات، والعضوية ستكون متاحة عبر الإنترنت) وأضاف المطيري: (إن منطقة الخليج ما تزال تعيش في «تخلف سياسي» فشعوب هذه المنطقة تحكمها نظم شمولية ولا بد أن تتاح الفرصة للشعوب في ممارسة حقها في إدارة شؤون حياتها، فالتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة غير موجودين في هذه المنطقة).

الكلام السابق الذي تحدث به د.المطيري ومن حيث الشكل العام للخطاب، لا يحمل أي دلائل خطرة، ولكن بالنظر إلى البيان التأسيسي الذي جرت قراءته في المؤتمر، فسوف نجد منذ البداية أن هناك ثمة إشارات مهمة، ربما لم يلتفت إليها البعض في حينها، ويرجع السبب في ذلك إلى تلك الولادة الصغيرة، على الرغم من وجود أسماء أكاديميين وسياسيين معروفين في الكويت.

فالبيان التأسيسي يقول: (.. عملاً بقوله تعالى «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير.. وإدراكا منا لضرورة (مشاركة الأمة) في تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والتشريعي، وتطوير الممارسات السياسية، والاستفادة من التجارب الإنسانية، بما يكفل حق الشعوب في الحرية والمشاركة الشعبية في اختيار حكوماتها وفق مبدأ التعددية، والتداول للسلطة بالطرق السلمية، كما قررته (الشريعة الإسلامية) وأكدته المواثيق الدولية، ومن ذلك حق الأفراد في المشاركة في العمل السياسي بشكل جماعي سلمي عن طريق الأحزاب …إلخ).

عام 2008 جرى تأسيس (مؤتمر الأمة) (متمماً إضافياً) لحزب الأمة، ليكون هذا المؤتمر بمنزلة خروج من دائرة الحزب الضيقة، إلى مساحة أوسع وهي الانتقال إلى خارج الجغرافيا المحلية، والمؤتمر بحسب ما أُعلن يضم مجموعة من الأحزاب الإسلامية، وقد عقد أول مرة سنة 2009م، ثم تتابعت المؤتمرات دورياً كل فصل، بحسب ما هو منشور على الصفحة الرسمية لـ(مؤتمر الأمة) الذي يضيف الآتي:

(حتى كانت الثورة التونسية التي وقف معها المؤتمر منذ تفجرها، ثم الثورة المصرية، ثم الليبية، ثم اليمنية، ثم السورية… وقد قام المؤتمر بتشكيل (الهيئة الاستشارية لدعم الثورة السورية) وكان لها دور بارز في تقدم الدعم الواجب لكل قوى الثورة من خلال (الدورات التدريبية الميدانية) والسياسية والإدارية، وورشات العمل، وإعداد القيادات وتطوير مهاراتها).

إلى هنا ينتهي الاقتباس المنشور على موقع مؤتمر الأمة.

عموماً: إذا أردنا التدقيق في البيان التأسيسي لحزب الأمة أولاً فسوف نشاهد نقاطاً مهمة، فالبيان أورد فكرة مشاركة الأمة، من دون أن يستخدم عبارة الأمة الكويتية، ما يعني أن الحزب ترك أبواب الفكرة مفتوحة، وهو ما ترجمه لاحقاً بفكرة (مؤتمر الأمة) التي تعني أن الأصل والتكوين لحزب الأمة الكويتي كان بالفعل يتجاوز فكرة الجغرافيا، وهكذا بعد أربع سنوات من ميلاد مؤتمر الأمة في الكويت جاء يتحدث عن فكرة الدعم للثورات العربية تونس إلى اليمن وسوريا ومصر، ولكن الجملة الآتية التي وردت في بيانه التعريفي المنشورة على صفحة المؤتمر الرئيسية مهمة للغاية، ونعيد نشر الاقتباس مرة ثانية فهو يقول: (وقد قام المؤتمر بتشكيل (الهيئة الاستشارية لدعم الثورة السورية) وكان لها دور بارز في تقدم الدعم الواجب لقوى الثورة كلها من خلال (الدورات التدريبية الميدانية) والسياسية والإدارية، وورشات العمل، وإعداد القيادات وتطوير مهاراتها).

في تقديري؛ إن النظر إلى هذه الجملة هو من أهم ما يمكن مناقشته، فهذا الحزب الذي صدع رؤوسنا بالحديث عن السلمية، يتحدث بوضوح عن مسائل في غاية الحساسية، فهو يتحدث عن دورات تدريبية ميدانية، وسياسية وإدارية وصولاً إلى إعداد القيادات، وهنا بالضبط نضع إشارات استفهام عدة، وهناك أسئلة في غاية الأهمية، فما هي الدورات التدريبية الميدانية وماذا يعني إعداد القيادات، وأي نوع من القيادات هذه التي ساهم كل من حزب الأمة، ومؤتمر الأمة في إعدادها في سوريا، خصوصاً ونحن نعلم جيداً أن الحركات السلفية والإخوان في سوريا، كانوا سبباً في مأساة الشعب السوري الذي انطلق برؤية سلمية بغاية إسقاط النظام، ثم جاءت هذه المجموعات التي اختطفت ثورته السلمية وأفرغت فكرة الثورة من مضمونها.

رسائل ورسائل

الرسائل العشر التي نشرها حتى اللحظة مؤتمر الأمة على صفحته الرسمية، تكاد تختصر كل ما يصدح به الدكتور حاكم المطيري أو بعض أقطاب الحزب والمؤتمر على وسائل التواصل الاجتماعي.

فالمسألة الدينية والاستشهادات الشرعية موجودة باستمرار، لكي تقول للمتابع إن هذا الحزب إسلامي بامتياز، وأن خطواته كلها لا تقوم إلا على تأصيل شرعي، وأن مواقفه السياسية ليست طارئة، ولا مستحدثة، وإنما هي تنطلق من قاعدة أساسية في فكرة (الصراع) بين الغرب والشرق، وهي الفكرة التي روج لها أصلاً أسامة بن لادن الذي اعتبر أن العلاقة بين الغرب والإسلام، تقوم وفق قاعدة صراع مستمر، نفى فيه القيم كلها التي عاشت عليها المنطقة قروناً عدة، مختصراً المسافة بين الشرق والغرب، بجملة من المفهومات، سوف نجدها كاملة لدى كل من حزب الأمة، أو مؤتمر الأمة.

كان أسامة بن لادن يرى أن العلاقة بين الإسلام والغرب هي صراع مستمر، يحمل فيه الغرب راية الصليب، ويقوم بإشعال حروب دينية، وأنه يهدف إلى تدمير الإسلام، وقد أغمض ابن لادن عينيه عن قصد عن واقع مهم، وهو أن الإسلام بات منذ عقود طويلة جزءاً من المجتمعات الغربية، وهو ما يفعله تماماً حزب الأمة ومؤتمره، في مفارقة لا تبدو عبثية مطلقاً. نضيف أن ابن لادن وضع الأمة في مجملها في حالة من الصراع مع الغرب، وهذا لم يكن منطقياً حتى في مراحل المد الاستعماري الغربي، لأن المجتمعات الإسلامية لم تتعرض لفكرة الإبادة والإزالة، وهذان عاملان أساسيان، تسببا لاحقاً بولادة تنظيم داعش الذي أنتج في ما بعد فكرة القتل التي يقوم بها أشخاص عاديون مقيمون في الغرب، من خلال هذه الفتاوى، إذ يجري تضليلهم وإقناعهم أنهم ينصرون الأمة وأن الأمة أمام معركة بكامل الشمولية.

ففي الرسالة الأولى مؤتمر الأمة المؤرخة في 4 نيسان/ أبريل 2013 يذهب الخطاب السياسي إلى اعتبار أن المسألة السياسية في طبيعة الحكم وإدارة السلطات هي: (بعد النبوة خلافة راشدة لها أصولها وقواعدها، وأحكامها ومقاصدها… كنظام سياسي إسلامي). ثم يذهب بعد ذلك في عملية سرد تاريخي طويل، يحاول إلقاء الضوء على نهاية الحقبة العثمانية، معتبراً أن هناك مشروعاً صليبياً يقف في مواجهة مع الأمة، ثم يتوجه إلى توصيف الحركات الإسلامية التي ظهرت بعد سقوط الدولة العثمانية، وليعتبر هذه الحركات بأنها فشلت في (بلورة مشروع الخلافة كنظام سياسي واضح المعالم يعبر عن الإسلام كدين وعقيدة).

في المسألة الثانية يطرح المؤتمر مشروعه الاستراتيجي بمنزلة وحدة شاملة للحركات الإسلامية العربية لكي تخرج من دائرة القطرية إلى الاتفاق في مستوى سياسي يجمع الأمة بحسب الرسالة، وأن الأهداف النهائية هي (من الحكومة الراشدة إلى الخلافة الراشدة) ثم يذهب إلى أفكار عدة تتعلق بالإعداد الاستراتيجي الشامل من الجوانب القيادية والإدارية، وصولاً إلى الرسالة الثالثة التي هي بمنزلة النظام الأساسي للمؤتمر، يحدد الأهداف والمبادئ، وتحمل المادة الثانية من الأهداف النقطة الآتية التي يسعى المؤتمر إلى تحقيقها وهي (تحرير الأمة وشعوبها من الاحتلال والاستبداد بكل صوره وإقامة حكم الإسلام الراشد في الأرض). وهذه المادة منشورة في الخامس والعشرين من نيسان/ أبريل 2013 الطريف في الأمر أن المؤتمر حدد حتى لون علم الأمة القادم بعد الوحدة التي افترضها، ولدى طرحه للوسائل التي سيلجأ إليها المؤتمر، أضاف عدداً منها ومن بين الوسائل استخدام وسائل الإعلام، وإقامة الكيانات والنقابات وغيرها، ثم أضاف النقطة الآتية: (المشاركة السياسية للوصول إلى السلطة التشريعية والتنفيذية) وهذا النص بالتحديد يجعلنا نقف عنده ببعض التوضيح، فالحزب هنا يعكس تماماً المدرسة الإخوانية نفسها في قيام التشكيلات النقابية وغيرها، وصولاً إلى فكرة (الوصول) إلى السلطة التشريعية، وبهذا المعنى تصبح المشاركة السياسية لها هدف آخر وهو الإمساك بالسلطات التشريعية، ولكننا نلاحظ هنا مسألة مهمة، وهي غياب فكرة الوعظ الديني التي سنجدها في ما بعد في الرسائل التالية بمنزلة رسائل تتحدث عن ضرورات إعادة الخلافة، وكيفية العضوية والتبرعات وتغطية النفقات المالية وغيرها، إذ جرى الإسهاب في صوغ الرسائل التي هي دستور داخلي يحدد الأهداف والأساليب المتبعة للوصول إليها.

وصولاً إلى الرسالة التاسعة، نجد أن المؤتمر يوجه خطابه إلى ما أسماه بـ(المجاهدين المرابطين في الأرض المباركة أرض فلسطين وإلى المقاومين الصامدين في أرض العراق أرض الرافدين وإلى المجاهدين الصابرين في أرض أفغانستان، وفي كل مكان، يجاهدون في سبيل الله، ويتصدون لجيوش الاحتلال والعدوان.) وإذا أردنا النظر إلى مضمون الرسالة، لوجدناه لا يختلف عن الرسائل التي كان أسامة بن لادن والظواهري من بعده يقومون على الدوام بتوجيهها إلى ما يرونه مجاهدي الأمة وهنا اقتباس من النص:

(إنكم اليوم وأنتم تذودون عن الإسلام وأهله، وتدفعون عن الأمة وأرضها، وتصونون شرفها وعرضها، وتحفظون عليها دينها وعقيدتها، وتواجهون وحدكم أعظم قوة عسكرية على وجه الأرض، مع قلة عددكم وعتادكم، ومع شدة خلاف المخالفين لكم، وكثرة المخذولين منكم، لتصدق فيكم بشارة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال (ما تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله).

في الرسالة العاشرة، يطرح المؤتمر ما يسميه سمات العمل السياسي الراشدي الناجح إذ يتناول السلمية ويحث عليها، والنزاهة والقبول بفكرة التعددية ما يصفه بـ(عدم العمل لإقصاء الآخرين والحجر عليهم ولو كانوا على النقيض في أفكارهم ومعتقداتهم فتواجه أفكارهم بأفكار ومعتقداتهم بمعتقدات وبرامجهم ببرامج ما داموا ملتزمين بالعملية السياسية السلمية وغير ذلك في ما يبدو من مستلزمات  الترويج للحزب والمؤتمر، ثم ينتهي بفقرة يقول فيها (أن يعيش الإنسان ضمن منظومة اجتماعية وليس بمفرده) ويحاول تفسير ذلك من خلال مفهوم الحقوق والواجبات المترتبة عليه، وفي ما يبدو حاولت الرسالة العاشرة أن تعمل على صوغ رسم بياني مفترض لشكل الدولة المقبلة، ثم يتحدث عن ضرورة صناعة الأحزاب السياسية، ويذكر في هذا الجانب الرؤية السلفية التي ترفض صناعة الأحزاب والانخراط فيها، ثم يذهب إلى فكرة التحالفات السياسية مستشهداً بجوازها.

لكن النص الأبرز والمحير فعلاً وهو ما جاء في خاتمة الرسالة العاشرة، وجاء تحت بند (الاختراق) إذ جاء تركيب الكلام بشكل محير يحتاج إلى التدقيق، وجاء كالآتي:

 (1- الاختراق من أجل جمع المعلومات وهو زرع عنصر أو عناصر داخل الحزب بهدف جمع المعلومات عن هذا الحزب كنشاطه تمويله، وهذه المهمة ينتدب لها شخص أو أشخاص يتمتعون بالدقة وشدة الحفظ، والذاكرة القوية وهذا النوع من الاختراق دائما تمارسه الدولة (أجهزتها الأمنية) ضد الأحزاب المعارضة لمتابعة سيرها.

2-الاختراق من أجل تغيير الوجهة والفكرة والأهداف وهذا النوع من الاختراق ينتدب له مجموعة من الأذكياء وأصحاب قدرات عالية ومهارات كبيرة ومتعددة في الفكر والسياسة والخطابة والتخطيط وفوق ذلك القدرة علـى تأليف الناس حتى يتمكنوا من التسلق إلى القيادة ومن ثم الانحراف بالحزب عن مساره، وهذا النوع من الاختراق تمارسه في الأغلب منظمات دولية ذات أهداف تاريخية بعيدة المدى مثل الصهيونية والماسونية لأن أهدافها لا يحدها زمان ولا مكان.

3-الاختراق من أجل التفتيت وضرب تماسك الحزب وهذا النوع ينتدب له أناس لهم القدرة على القيل والقال والاهتمام بنقد القيادة دائما والتشكيك في قدراتها والاهتمام بالمسائل الخلافية وتضخيم الأخطاء، والعمل على صناعة التكتلات العنصرية داخل الحزب (جهوية قبلية عرقية ما إلى ذلك) لاستخدامها في الوقت الملائم للانشقاقات.

4-الاختراق من أجل تصفية الرموز، وهذا النوع من الاختراق ينتدب له فريق عمل متكامل مهمتهم رصد حركة الشخصيات المستهدفة دائماً وفي كل لحظة ورفع ذلك للجنة متخصصة ومن ثم تحديد الآلية الملائمة للتعامل معه.

انتهى الاقتباس وانتهت أيضاً الرسالة العاشرة بلا أي تعقيب، وهو ما جعل النص الأخير محيراً بالفعل، إذ لم تترك الرسالة أي هامش يفيد برفض مؤتمر الأمة لهذا النوع من السلوك، بنقيض النقاط السابقة إذ استعرض النص أساليب العمل الحزبية وغيرها مقدماً وجهات نظر ثم عمل على تقديم بدائل لها، لكنه هنا سكت تماماً، فما السبب وراء ذلك؟

خاتمة

من الناحية الشكلية، تجد أن توجهات حزب الأمة، ومن ثم مؤتمر الأمة، هي توجهات سلفية، لكن فكرة الخلافة الإسلامية وفكرة الحكومة الراشدة، والمشاركة في السلطة، والحث على اقتناص الفرصة للوصول إلى السلطة، تجعله مزيجاً من الفكر السلفي والإخواني معاً، ولعل هدف الرسائل وما تحويه هو تحويل خطاب القاعدة الشعبوي من خطاب شعبوي إلى خطاب حزبي يحمل برنامجاً سياسياً وإدارياً يبدو متكاملاً، ما يعني صناعة خطاب سلفي من حيث الشكل، ولكنه يصب في النهاية في خدمة المشروع الإخواني، ومع غياب اسم الإخوان المسلمين عن الحزب وخطابه السياسي، لا يبدو الأمر مصادفة، بل لعل كل من حزب الأمة، ومؤتمر الأمة، أرادا من ذلك إخفاء حقيقة المضمون الإخواني للفكرة، بما يتيح جمع التيار السلفي خلفه، لكي تسير السلفية بأنواعها على خطا برنامج إخواني مغلف.

أخيراً، من يتابع الصفحة الشخصية للدكتور حاكم المطيري رئيس حزب الأمة، والمنظر الأساسي في مؤتمرات الأمة، يجد خطاباً سلفياً لا يختلف عن خطاب تنظيم القاعدة، فهو يتعامل مع الغرب بوصفه عدواً صليبياً ويتعامل مع الأنظمة العربية بوصفها دولاً غير مستقلة وتابعة وخاضعة للاستعمار، ويتعامل مع القواعد العسكرية في الخليج بوصفها قوى احتلال، وهو الأسلوب ذاته الذي كان يتفنن في صوغه زعيم القاعدة السابق أسامة بن لادن.

هنا بالضبط تبرز خطورة هذه المسألة، فنحن أمام قوى سياسية تستخدم مساحة الديمقراطية استخداماً سلبياً، بما يروج للتطرف، وبما يعيد تشكيل الوعي الشبابي على الأسس ذاتها التي فعلتها كل من القاعدة وداعش، وهو ما شاهدنا نتيجته من الكارثة التي حلت بالشعب السوري، ومن قبله بالشعب العراقي، وهي الكارثة ذاتها التي حلت في أفغانستان والصومال واليمن وما تزال مستمرة.

إنه من غير المنطقي بتاتاً أن يكون ثمة أكاديميين يطرحون مثل هذه الأفكار، ويروجون لها جهاراً.


هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.