حضن الوطن أم حضن النظام؟

دأب النظام طويلاً على دعوة المعارضين إلى العودة إلى حضن الوطن، طبعاً بشروطه هو التي كان يضمّنها لائحة من الطلبات في ما يعرف ب.”تسوية الوضع” وعدم الاكتفاء ب.”إعلان التوبة” بل يزيدها وقاحة بمحاولة تحويل بعض المعارضين إلى مخبرين وكتبة تقارير، وقد استجاب قليلون، ورفض كثيرون تلك الدعوات التي اعتبروها مذلّة، ونوعاً من صكّ براءة للنظام عن جرائمه وما اقترف بحق الشعب والوطن والأمة، وإقرار شرعيته وإثبات أن المعارضة على خطأ، في حين كانت طلبات إصدار عفو عام، وفتح صفحة جديدة من المصالحة الحقيقية تناقض تركيبة النظام الفئوية، الاستبدادية، وتكشف زيف وعود الوارث التي تضمّنها خطاب التوريث.

بعد الثورة، ومن موقع آخر كانت ترتفع بين الحين والآخر، وبخاصة في مراحل اشتداد أزمة النظام وقرب انهياره، دعوات إلى العودة “إلى حضن الوطن”، وإعلان الاستعداد للاستجابة لبعض المطالب الشعبية والسياسية، لكن تطورات الوضع، وتوسع رقعة الثورة شعبياً، ثم في الميدان العسكري حين وصلت السيطرة إلى نحو 70 في المئة من الجغرافيا السورية، جعلت تلك الدعوات محض تكتيك واستجداء.

قبل التطرق إلى الوضع الحالي يجب تأكيد مفهوم النظام لهذا الشعار الذي يعتبر نفسه هو الوطن، وهو المسؤول عنه، والمندمج فيه، وقد نجح نظام الطاغية الأسد في الدمج بين الدولة والنظام، وتهميش الدولة لمصلحة النظام والفرد مطلَق الصلاحيات، لذلك يجب أن يكون جلياً للجميع أن رفع هذا الشعار لا يعني سوى شيء واحد: العودة إلى حضن النظام.

ممهدات للوضع الحالي

تكثر اليوم الاتهامات، وأجواء اليأس، وأحاديث الاختراقات والخيانة، وبخاصة بعد ما جرى في درعا والجولان، وتحوّل بعض الفصائل من الجيش الحر إلى “الفرقة الخامسة” التابعة للنظام، والتنسيق الأمني معه تحت شعار محاربة الإرهاب، وأكوام الانهيارات التي حصلت منذ هزيمة حلب ومسلسل التراجعات والمصالحات في داريا والقلمون والغوطة وريف حمص الشمالي وصولاً إلى درعا والجولان، وإدلب على اللائحة التالية، ومشروعات المصالحات التي قادتها روسيا تنتقل من حيّز صغير إلى الأوسع، وتطلق روسيا كثيراً من الوعود الجميلة عن ميزاتها وما يجنيه الناس منها، ترافقاً مع حملة منظمة لعودة اللاجئين.

علينا بكل موضوعية بحث المتغيرات والعوامل التي دفعت إلى هذه النتائج، وهي متراكبة وشديدة التداخل، وليست وليدة البارحة، أو المعارك الأخيرة، بل هي نتاج مجموعة تطورات سنلخصها بالآتي:

  1. تغيير محتوى الثورة من ثورة شعبية سلمية إلى مسلحة كشفت مستوى التدخلات الخارجية والإقليمية في العَسكرة التي عرفتها الثورة، والدخول المتصاعد على خطها، وصولاً إلى الإمساك بعناقها، وقرارها، وتحويلها إلى جهات تابعة لتلك الأطراف، وإلى الممولين المتعددين والمختلفين في مشروعاتهم، ومصالحهم، وقراراتهم، وسنلاحظ ضمن هذه اللوحة الخطوط العريضة لتقصّد تشكيل عدد من الفصائل المتناثرة التي وصلت أرقامها في مرحلة ما إلى يزيد على ألف فصيل، تحوّل بعضهم إلى أمراء حرب، عملهم استقبال الأموال وصرفها بغير طريقها، وإلى تجارة السلاح، والأهم من ذلك كله منع جهد توحيدها، وتنصيب قيادات غالباً لم تكن مهنية ومن ضباط الجيش الحر المنشقين أصحاب الاحتراف والخبرة، وتغذية الخلافات البينية، وصعود أشخاص عاديين إلى مواقع قيادة الفصائل، وإطلاق الأسماء الكبيرة والرتب عليهم، في حين همّش ضباط الجيش الحر المنشقين أغلبهم، والانسياق في مسار إسلاموي متعدد المدارس الفقهية، والمرجعيات والولاءات، وضع الثورة في خانة ليست لها وأنتج فيضاً من التشوّهات والسلبيات.
  2. ضمن هذه اللوحة التصاعدية فرضت أمريكا والدول المتحالفة معها ما يعرف بغرف “الموم والموك”. أي القيادة العسكرية في الشمال والجنوب التي تولى الضباط الأمريكيون والغربيون، وبعض العرب مسؤولية الإشراف عليها وإصدار الأوامر، ثم التحكّم في عمليات الفصائل العسكرية وحركتها وبنيتها.

عدا إحداث شرخ كبير بين الشمال والجنوب عبر تصرفات كل من الموم والموك المنهّجة، وعدم وجود تنسيق بينهما، ولعل ذلك لم يكن عفوياً، فقد تمّكنت قيادات الغرفتين وضع اليد على حركة الفصائل جميعها وعملياتها، ومنعت أي مبادرات لنجدة مناطق كانت تواجه الحصار وضغط النظام العسكري حتى سقوطها، كما حصل للغوطة الغربية وداريا، فالغوطة الشرقية وريف حمص، وحلب قبلها، وصولاً إلى حوران والجولان.

  1. ترافقت هذه المسارات مع تعزيز الأسلمة وتعميمها بديلاً لجوهر الثورة الشعبي، وإقحام الأدلجة العقيدية في صلب أسماء الفصائل وتصرفاتها، والانتقال من ثورة لأجل الحرية والكرامة إلى صراع مسلح مع النظام يغلب عليه الجانب المذهبي، وكأن الثورة حالة سنيّة في مواجهة حالة علوية، فشيعية، وما أنتجه هذا الوضع من محاكم شرعية، وتصرفات متشددة، ومن خلق أجواء لنمو تنظيمات الإرهاب المدعومة أصلاً من جهات خارجية عدة، ومن النظام، وإيران، وما أفرزه هذا الوضع من ممارسات تتصف بالانفلات الأمني، والتشبيح، والفوضى، والتعدي على حرمات المواطنين وحقوقهم، مع حصار شديد من قبل النظام على أهالي تلك المناطق، وحرب التجويع والإخضاع، والفشل في حماية حياة المواطن وتوفير الأمن والأمان له، وتقديم النموذج المختلف عما كان غاية الثورة.
  2. قبل الانتقال إلى مرحلة الانعطافة التي حصلت مع بدء الاحتلال الروسي، فإن واقع المناطق التي كانت تحت سيطرة القوى العسكرية المحسوبة على المعارضة فشلت في تقديم النموذج البديل للنظام، وعلى العكس كانت معظمها أسوأ حالاً من مناطق النظام بفعل تداخل العاملين: الذاتي الخاص بوضع الفصائل وممارساتها، وأدلجاتها، وخلافاتها البينية، ومواقفها من الحالة الشعبية وطرائق التعامل معها، والعام الآتي من قبل النظام وحلفائه في فرض الحصار الخانق لسنوات، والضغط على روحية المواطن ومعنوياته، ووضعه المعاشي، بينما كان الهدف الرئيس في حرب الإبادة والتهجير.

هنا، وحين لا تقدمّ الجهات المحسوبة على الثورة النموذج الأفضل من النظام، بواقع طول المدة، وأحوال الناس الصعبة فإن خلخلات كبيرة ستحدث في توجهات الفئات الشعبية ومواقفها، وقد يصل بعضها درجة الكفر بالثورة، والندم على ما حدث، وإصدار الأحكام العامة ضد كل من حُسِب على الثورة، خصوصاً أن الهيئات السياسية التي أُنشئت بدت وكأن لا حول ولا قوة لها، وكثيرها عاجز عن تقديم المطلوب، علاوة على الأخطاء، والرهانات الخلبية، وممارسات بعضهم المشينة، وصولاً إلى فقدان القرار الوطني، واستجابة بعضهم للضغوط والإملاءات الخارجية.

هنا أيضاً ستعرف الحاضنة الشعبية المؤيدة للثورة انزياحات متتالية باتجاه السلبية والرفض والحيادية، وستنمو المقارنات بين المرحلة السابقة للثورة وما حصل بعدها، وأقلها على صعيد أمن الناس وحياتهم، بما يوفر أرضية رجراجة في المواقف، وفي النظرة إلى النظام، وما يعرف بالمصالحة، أو العودة إلى “حضن الوطن”.

وسنرى في حركة الهجرة واللجوء إلى الخارج التعبير الصارخ عن تلك الحالة التي وصلت إليها قطاعات واسعة كانت محسوبة على الثورة، وبخاصة من فئة الشباب الذين انضوى كثيرهم في المجتمعات الجديدة، وخفّ اهتمامهم بالوطن والثورة، وبعضهم انقطع تماماً عن ممارسة أي حراك أو نشاط.

  1. وعلينا التطرق إلى الظاهرة العامة التي تتصف بها الثورات جلّها في العالم لجهة طبيعة الذين ينخرطون، أو يلتحقون بها، ونوازعهم، ومدى إيمانهم، وقدرة تحملهم، أو قطع صلاتهم السابقة مع النظام والإخلاص للثورة، ومنسوب الاختراق الذي يمكن أن يزداد أو يتقلص وفقاً للمتغيّرات والتطورات.

الثورات في تصاعدها هي كالموج القوي، أو السيل العارم التي تحمل معها فئات مختلفة من البشر بتركيبهم ووعيهم ومدى إيمانهم ومرجعيا مواقفهم، فهناك المؤمنون الأصلاب الذين يختارون الثورة عن وعي وقناعة، وهناك فئات مختلفة النوازع، أو فئات رجراجة، وانتهازية، ووصولية، ومن “مناضلي الساعات الأخيرة”، وهناك المخترقون من قبل النظام الذين يوظفهم مسبقاً، أو يمكن أن يتحولوا إلى أسباب مختلفة في مراحل ما من منعرجات الثورة وما تعرفه من أطوار إلى عملاء له.

في سنوات الثورة الأولى وحين كان الحراك السلمي الشعبي كالطوفان الذي يكتسح مناطق سوريا معظمها انضمّ عدد كبير من مرجعيات مختلفة ونوازع ليست واحدة، وحين تعاظم مدّ الثورة، وبدأت معالم انهيار النظام بقوة، وتكاثفت التقديرات بقرب سقوطه، أو بما يشبه حتمية التدخل الخارجي الكاسح الذي لن يتوقف إلا بإنهاء النظام، سارعت أعداد كبيرة من الشباب إلى الالتحاق بالثورة، وربما كانت حركة الانشقاق التعبير الصارخ عن هذه الظاهرة التي كُثفت في مرحلة ما ثم تراجعت درجة الاضمحلال والتلاشي في المراحل السابقة، هذا الكمّ الاختلاطي يحمل داخله تناقضاته وفجواته، وتذبذه وفق مظاهر تقوى في مراحل الانحسار والتراجع والهزائم.

ونعلم هنا، أيضاَ، أن قليلون ممن انضووا في الثورة كانوا يتصوّرون أن النظام سيستمر هذه السنوات كلها، وأنه لن يسقط، وأن يكون التخاذل، والتواطؤ الدولي بهذا المستوى، ومثله دعم حلفاء النظام له، وتعقّد الحالة السورية وصولاً إلى أن تصبح المأساة السورية حالة استثناء لم يعرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وانسداد الحلول جميعها؛ العسكرية والسياسية وعدم وجود أي مرتسمات للحل في أفق وضع لا يحتمل.

هنا أيضاً يجب التنبيه إلى خطأ سياسي منهجي، وتأسيسي قاد إلى كوارث سياسية تراكبت مع التحولات الخارجية لإنتاج هذا الوضع الراهن.

لقد قاد التدخل الخارجي في ليبيا، وبحدود ما في اليمن، ومصر وجملة التصريحات القوية الصادرة من أمريكا ودول غربية مهمة، إلى الظن بأن التدخل الخارجي آتٍ حتماً وسريعاً، وأن النظام سيسقط قريباً، وقد بنى المجلس الوطني تحركاته وسياسته وفقاً لهذا التقدير الذي أثبتت الوقائع أنه خلبي، وكان ذلك على حساب مأسسته، وإنتاج المطلوب في الرؤى والبرامج، والأهم: في التوجه الرئيس للشعب السوري وفاعلياته، فحدثت بدايات الهوّة بين هذه المؤسسة والشعب واتسعت مع الأيام، وازدادت مع طغيان العسكرة واحتقار العمل السياسي والهيئات السياسية، وصولاً إلى انزياح القرار الوطني، فتدويل القضية السورية، وعجز الائتلاف عن تدارك هذه الفجوة حين واصل النهج ذاته، أو عجز عن تجاوز المعوقات التي كان ذلك الوضع يفرزها بقوة، ويحتجب دور السياسي والهيئات القائمة، وبخاصة أن عشرات محاولات توحيد الفصائل وترتيب علاقة بينها وبين الجسم السياسي كانت تنتحر على صخرة الإملاءات الصادرة من الخارج، أو بسبب تلك الطبيعة الفصائلية التي رسّخت واقع التشتت بوصفها مستفيداً أكبر منه.

ارتباطاً بمجموع هذه التطورات، وبصعود الصراع المذهبي واجتياحه لعدد من مواقع الثورة، بدأت الحاضنة الشعبية بالتململ، وبالتراجع وبخاصة أن الحراك السلمي توقف بفعل العسكرة، واتضح ذلك بدءاً، وفي وقت مبكر في مواقف المعارضين جلهم المحسوبين على “المكوّناتّ الدينية والمذهبية” الذين لم يجدوا أنفسهم، أو مكاناً لهم ضمن تلك التحولات، والسائد في سطح الثورة وانتقل ذلك إلى الحواضن الشعبية وموقفها من الهيئات القائمة، بل ومن المستقبل والانتصار، والانتماء إلى الثورة، وسط انتشار أجواء من اليأس والإحباط تنمّي خصائص السوري النهمة لإلقاء المسؤولية على الغير، وفتح مصاريع الاتهامات ولو وصلت حدود التأليف والتلفيق درجة نسيان أو تناسي المسؤول الرئيس، والعدو الأول النظام.

  1. المواقف الدولية والإقليمية

أكيد أن الثورة كانت في أمس الحاجة إلى الدعم الخارجي، وقد ازدادت تلك الحاجة. درجة الارتهان حين الانتقال إلى العسكرة وطغيانها، إذ بات مستحيلاً أن يتمكن العامل الذاتي، وبعض التبرعات التي يقدمها عدد محدود من الأثرياء السوريين، أو الجمعيات السورية والعربية من تغطية نفقات التسلح التي تستهلك أرقاماً خيالية لا طاقة أبداً للسوريين بتحملها. الأمر الذي استدعى التدخل الخارجي: العربي والإقليمي والدولي بمشروعاته ومصالحه وتنافسه وخلافاته. بل إن نفقات الإغاثة والتكفل بحاجات السوريين المتصاعدة بفعل حرب الإبادة والنزوح والهجرة واللجوء كانت كبيرة جداً ولا يمكن تأمينها سورياً، فتفاقمت الحاجة إلى الغير، والغير ليس جمعية خيرية، ولكلّ منه أهدافه، ومشروعاته فاختلطت، وتزاحمت، وتنافست وتصارعت على حساب القضية السورية.

منذ البدء، ولعلّ كثيرنا كان يعرف، أن دولاً عدة لا مصلحة لها بقيام نظام ديمقراطي تعددي في سوريا وأنها ستعمل على إجهاضه، أو حرف الثورة باتجاهات أخرى، وأذكر أني كتبت في الأشهر الأولى للثورة عن كونها الزلزال السوري الذي لن يتوقف تأثيره في البلد بل سيعمّ، وأن ارتداداته يمكن أن تكون قوية ومباشرة تشمل الدول المحيطة وتنتقل منها إلى عموم المنطقة، وأن الاستنتاج الطبيعي أن نتسلح بهذا الوعي في علاقاتنا ورهاناتنا وبرامجنا، لكننا لم نكن قادرين على ترجمة هذه القناعات، ربما بسبب تفاقم الحاجة إلى الدعم، ومنسوب الوعي، والوطنية فينا، فمضينا في رهانات الاعتماد على “أصدقاء الشعب السوري”، وعلى حساب بناء علاقات متينة مع فاعليات الشعب.

هنا أيضاَ نسينا، أو أغفلنا وجود إسرائيل ودورها وتأثيرها، وظنّ كثيرون أننا حالة سورية محضة، وأن الانشغالات بالتطورات الدرامية تستهلك الانشغالات الرئيسة، ولا وقت للتفكير بالأمور “الجانبية”، بينما كانت تؤكد الوقائع أن إسرائيل حاضرة بقوة، وأنها المستفيد الأكبر، وأن تأثيرها في السياسية الأمريكية كبير وحاسم.

ونسي كثيرنا أيضاً طبيعة الإدارات الأمريكية ومواقفها من قضايا التحرر العربي، والعراق الشاهد لم يعظ أحداً، فأغمضنا الأعين عن التجارب السابقة كلها، وعمّا جرى ويجري لفلسطين وراهنّا على دور أمريكي فاعل لمصلحة الثورة، وعلى استجداء هذا الموقف في الأطوار والتحولات كلها. وحين ظهرت توجهات أوباما الواضحة تجاه سوريا، ورفضه التدخل، وبخاصة بعد استخدام الكيماوي وعقد صفقة مع الروس، أظن أنها أرست أساس الصفقات اللاحقة، استمرت الرهانات، والأمل في الرئيس الجديد، عسى ولعل، يكون مخالفاً لسابقه، في حين ظلّت الوقائع العنيدة صادمة، ومستمرة.

نعم لقد خذل “المجتمع الدولي” الشعب السوري، وعلى رأسه الإدارة الأمريكية نظراً إلى دورها الساحق، وقدرتها كما فعّلت تهميش الأوربيين وبقية الدول المساندة للثورة.

وظهر جلياً، ومنذ سنوات، أن تلك الإدارة القديمة والجديدة ليس في واردها وضع ثقلها لحسم الصراع مع النظام لمصلحة الثورة، وكانت الذرائع كثيرة، ومتناوبة، منها مثلاً عدم أهلية المعارضة لتكون البديل، أو الخوف من طغيان الأسلمة وقابلية توليد تنظيمات إرهابية محسوبة على المعارضة، أو حجج أخرى ارتدت في الأعوام الأخيرة رداء رفض الحسم العسكري، واعتماد مقولة لا غالب ولا مغلوب، في حين استمر النزيف السوري، وجرى التواطؤ المكشوف على التدخل الاحتلالي الروسي الذي نجح في تغيير موازين القوى بسرعة، وأعاد النظام، ولو شكلياً، إلى المناطق معظمها التي كانت تسيطر عليها المعارضة المسلحة.

رفضُ الحسم العسكري كان يعني، وفق التصريحات الأمريكية والغربية، اعتماد الحل السياسي طريقاً وحيداً وإلزام المعارضة بالانخراط فيه انطلاقاً من بيان جنيف 1. (أظن من بين الأسباب المهمة لتجاوز المجلس الوطني وإنشاء الائتلاف كان رفضه الأولي لبيان جنيف، إضافة إلى رفضه تشكيل لجنة متابعة لمؤتمر المعارضة في القاهرة. تموز 2012) غير أن الأمريكيين لم يضعوا أي ثقل لفرض الحل السياسي الذي استمرت جولاته في جنيف تدور في الفراغ، وتصطدم  بمواقف النظام الرافضة، والمدعومة من روسيا، في حين تواصلت التراجعات في المواقف للأطراف المحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري، فكان بيان فيينا 1، وبيان فيينا 2 تمهيداً لصدور القرار 2254 الذي تطرق إلى منصتي القاهرة وموسكو ضمن ذريعة قاعدة التمثيل، وتجاوز بيان جنيف عملياً وبخاصة في تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات، والبدء بمرحلة انتقالية وفق مدد ذلك البيان وآلياته التي تأتي العملية الدستورية والانتخابات بعض نتاجاتها.

هنا يجب التنبيه إلى أن رفض الائتلاف الانخراط في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، لأسباب أبلغها للأمريكيين وغيرهم، حين كان يطالب باقتران ذلك بمحاربة النظام والمليشيات الطائفية، ثم رفضه الموافقة على مقترحات ديمستورا في الورشات الأربع، أو السلال، كانت السبب الرئيس لعقد مؤتمر الرياض 1 محاولة لتجاوز الائتلاف أو إضعافه بشعار توسيع قاعدة التمثيل في المعارضة، والأمر نفسه تكرر في التعامل مع الهيئة العليا للمفاوضات التي اعتبرت مواقفها “راديكاليةّ” فكان مؤتمر رياض 2 وبالعنوان نفسه: توسيع قاعدة التمثيل وإدخال كل من منصتي القاهرة وموسكو، على الرغم من أن المؤتمر لم يذعن للضغوط الكثيفة بتغيير الموقف من مصير ودور رأس النظام وكبار رموزه مع بدء المرحلة الانتقالية.

  1. التدخل الروسي وأثره الحاسم

لقد أحدث التدخل الروسي الاحتلالي واقعاً جديداً كان له دوره الخطر في مجريات الأحداث وما وصلت إليه الثورة، وهو حين يتفاخر بأنه أنقذ النظام من الانهيار فإنه لا يجافي الحقيقة، بل يعلنها صراحة، لأن وضع النظام على الأرض، وعلى الرغم من الحشد الإيراني الكثيف بعشرات المليشيات الطائفية المستقدمة من جهات مختلفة إلا أنه لم ينجح في منع تهاوي النظام (فاخرت إيران طويلاً بأنها من أنقذ النظام من السقوط في نهاية 2012 وبدءاً من عام 2013، وكان ذلك صحيحاً وإن لم تنجح في إسعافه وانتصاره).

لقد كشفت الوقائع أن وجود روسيا عسكريا في سورية وبذلك الحجم، وقيامها بدور حربي لنجدة النظام وضد فصائل المعارضة ما كان له أن يجري من دون قبول أمريكي، أو ضوء أخضر، وقد أثبتت الأحداث أن ذلك القبول الأمريكي يتجاوز العسكري إلى السياسي بما يشبه التفويض الكلي، أو إطلاق يد روسياً في الملف السوري وهو ما جرى ويجري بشكل رئيس، وهو ما فرض واقعاً جديداً تعيشه الثورة اليوم.

استخدمت روسياً أحدث أسلحتها في حرب إبادة شمولية ضمن ما يعرف بسياسة الأرض المحروقة، وكما صرّح قادتها العسكريين فقد جرّبت في بلادنا نحو 200 سلاح جديد، وأحدثت فارقاً نوعياً في ميزان القوى بداً أن الفصائل العسكرية لا طاقة لها به، وغير قادرة على مجابهته.

وكما هو معروف استهدفت روسياً البنى التحتية جميعها لتدميرها، والمدنيين لإجبارهم على النزوح وخلق حالة من الفوضى والضغط على الفصائل المقاتلة، وتجريدها من حواضنها الشعبية، وصولاً إلى طلب الخلاص بأي شكل ووسيلة، ثم فرض مصالحات محلية مبنية على نتائج تلك الحرب التدميرية، وصولاً إلى آستانة وما يعرف بمناطق خفض التصعيد، والتهامها واحدة بعد الأخرى، وإعادتها إلى النظام.

لكن، في الوقت نفسه، يجب الاعتراف أن واقع الفصائل كان سبباً مهماً في النتائج التي حصلت، إذ أكّدت وقائع العمليات الحربية وجود فجوات كبيرة في بنيتها ومستواها، وطبيعة قياداتها، وأظهرت عيوب التشتت والتخاذل، ودور المصالح الذاتية لقادتها المانعة للتوحد، والتآزر، أو نجدة المناطق التي تتعرّض للعمليات الحربية، وبما يتجاوز دور غرف الموم والموك المانعة إلى تلك التركيبة. وكانت هزيمة حلب شاهداً قاسياً فضح جوهر السلبيات وكشف مستوى الاختراق والتخاذل، وبما كان يحتاج إلى وقفة تقويمية حقيقية وشجاعة، وإعلان ذلك على الملأ، وهو الأمر الذي لم يحدث، ولم يستطع الائتلاف إنجازه ولو من باب الوفاء للتاريخ.

لقد رتّبت وقائع حلب نتائج بالغة الخطورة، وأقلها تعميم أجواء الانهيار، والقابلية للتخاذل والانسحاب، والقبول بالشروط الروسية في ما يسمى بالمصالحات، والمشروعات الجاهزة لإنهاء وجود الفصائل، ووضعها بين خيارات الخروج شبه الإجباري إلى مناطق أخرى، والانصياع لتلك الشروط إن قررت البقاء، وتحويلها إلى جزء من منظومة تصبّ في مصلحة النظام، وتنضوي تحت راياته، ولو كانت الرايات محاربة الإرهاب والعودة إلى حضن الوطن.

روسيا المنتصرة على الأرض أرادت أن تقطف الثمار بسرعة فكان لقاء آستانة مشروعاً لفرض أمر واقع جديد يبدأ باستبدال الهيئات السياسية بالفصائل، وينتهي بتكريس مسار سياسي مواز، أو بديل لمسار جنيف. إلا أن دخول تركيا على الخط من جهة، ومواقف الفصائل من جهة أخرى حدّا من نجاح المشروع الروسي ببعض تفاصيله، وتسارعه، فكان الاتفاق على مناطق خفض التصعيد أبرز ما أنجزته لقاءات آستانة، وصولاً إلى لقاء سوتشي ومخرجاته في اللجنة الدستورية.

ضمن هذا الواقع الانزياحي المطعّم بالتخاذل الدولي، والغياب المقصود للدور الأمريكي، وبواقع اضطراب شعبي، وفوضى عارمة في واقع الفصائل المسلحة التي كانت تعيش الهزيمة المعنوية حتى تلك التي لم تقاتل. بدأت روسيا بقضم مناطق خفض التصعيد، وبخاصة أن بعض الفصائل آثرت عقد اتفاقات منفردة مع الروس من دون وجود الطرف التركي، كما حصل في ريف حمص الشمالي والغوطة الشرقية، فسهل التهامها وإعادتها إلى النظام، في حين أن درعا المشمولة بخفض التصعيد جرى اجتياحها وإعادتها إلى النظام وفق آليات تطرح أسئلة كبيرة عمّا جرى، ومستوى الاختراق، ومدى قابليات قادة بعض الفصائل للتخلي عن الثورة، والالتحاق بالنظام.

ما جرى في درعا والجولان كبير، ويحتاج إلى وقفة تقويمية جريئة، وقد قام الائتلاف بمحاولة تقصي الحقائق، وآثر، لاعتبارات قدّرها، عدم نشرها في الوقت الحالي، لكن البارز في ما جرى وجود تمهيدات مسبقة من قبل أشخاص محسوبين على المعارضة لعقد صفقة كاملة مع الروس، وتسليم المنطقة من دون قتال يذكر، وقد اتضحت بعض معالمها في انتقال فصائل بكاملها، وأجزاء من فصائل أخرى إلى موقع النظام، والانضواء في ما يعرف بـ”الفرقة الخامسة” التي يشرف عليها الروس ومخابرات النظام، وإطلاق العنان لموجة من الانتهازية تجتاح فئات سياسية وشعبية تتسعان.

اليوم يدّعي هؤلاء أنهم عادوا إلى حضن الوطن، ويعملون على تعميم أجواء الانصياع وتعداد الفوائد التي جنوها، بواقع انسداد الحل السياسي، وانتشار أجواء الإحباط الحقيقية والملغومة.

هذه الحقائق التي لا يمكن لبحث أن يغطي تفاصيلها كلها تحتاج إلى وقفة تقويمية شاملة كي تسترجع الثورة روحها وألقها، وتتوصل إلى مخارج تسلكها، وتواجه بها التحدّيات والمخاطر التي تعني البلد بأسره.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.