حماس بين الدعوة والسياسة والسلطة

مكتب مينا للدراسات والرصد في فلسطين

تدرس هذه الورقة التفريق بين العمل الدعوي والسياسي؛ وكيف بات العمل الدعوي الإسلاموي سبيلاً للعمل السياسي والوصول إلى السلطة؛ لكن الشعارات الدعوية عندما توضع على المحك السياسي واستحقاقاته والمتطلبات المجتمعية تظهر الفجوة بين الشعارات والحقيقة.

تعالج هذه الورقة هذه المسألة الحساسة من خلال تجربة حركة حماس بعد مرور(11) سنة على استيلائها على قطاع غزة من خلال ما يأتي:

  • ماذا لو كانت السياسة هي الدافع إلى العمل الدعوي؟.
  • الفارق في الدعوة بين مجتمع الرسالة ومجتمع اليوم.
  • هل تغيرت مقاصد الدعوة بعد ظاهرة الإسلام السياسي.
  • من الدعوة إلى السياسة والسلطة حماس أنموذجاً.
  • الاستبداد الدعوي الحمساوي في غزة.
  • تحول العمل الدعوي إلى أداة لمشروع حماس السياسي السلطوي.
  • هل فشلت حماس أم نجحت بعد إحدى عشرة سنة من السيطرة على غزة؟.

المدخل

بين الغاية والوسيلة

الأصل في عموم الإسلام السياسي هو الانطلاق من قاعدة العمل الدعوي، بمعنى أن العمل الدعوي هو بطاقة الهوية التي تفتح الباب للأحزاب الإسلامية للظهور إلى الواجهة، وهي في ما بعد، ومن خلال هذه الواجهة الدعوية تطرح الجانب السياسي، لأن العمل السياسي هو محض جزئية صغيرة تنبثق من رؤية الدين ذاته، بحسب رؤية أغلب الدعاة في جزئيتها الأولى، وعندما تبدأ العلاقة بين الإسلام السياسي والواقع، تظهر الأزمة عميقة للغاية، فالحوادث السياسية المتحركة على الدوام بفعل تسارع حركة العصر، غالباً ما يصبح التعامل معها أمراً شاقاً، لأن المطلوب دائماً وأمام كل معضلة، أن يكون ثمة غطاء الديني، لتسويغ التعامل مع طارئ السياسة اليومي أو لتمريره.

هذا هو الجانب الذي يطفو على السطح في حركات الإسلام السياسي، ولكن، ماذا لو كانت السياسة هي التي تعمل على تشكيل الجانب الدعوي؟ تماماً على شاكلة الإمبراطوريات الإسلامية السابقة أو زمن السلاطين، عندما كانت (الفتوى) هي الجانب الدعوي الذي يحتمي خلفه الأمراء والسلاطين خصوصاً في صراعهم على السلطة، أو أثناء تصفية خصومهم، وهي ظاهرة رافقت العصرين الأموي والعباسي وانتقلت إلى بقية العصور والبلدان والممالك.

الفارق في الدعوة بين مجتمع الرسالة ومجتمع اليوم

أصل فكرة الدعوة في الإسلام انطلقت في مجتمع وثني جاهلي بعيد عن الأديان، بقصد التعريف بالإسلام ونشر عقيدة التوحيد في بيئة وثنية جاهلية، أو لتعريف أهل الكتاب بالدين الجديد، ولتلك الدعوة طريقتها وأسلوبها كما في القران الكريم

(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ). (النحل 125)

ولكن العمل الدعوي المتأخر، جعل مادته الأساسية هي في المجتمع المسلم ذاته، فالمجتمع الجاهلي الوثني لم يعد موجوداً، ومسألة التعريف بالدين الإسلامي لغير المسلمين لم تعد ذات أهمية، فالأمة الإسلامية تعيش واقعاً جديداً، ومفهومات جديدة، وتعيش حالة صدمة غريبة أمام الحضارة الآتية من بعيد، لذلك هناك ما بات اسمه مرحلة الاستعمار، وهناك تبدلات ثقافية وفكرية في طبيعة شعوب الشرق، أو ما أطلق عليه المفكر الجزائري الشهير مالك بن نبي، في رؤيته المعروفة بـ (قابلية الاستعمار) ما يعني أن الشعوب بشكل أو آخر، هي من يتحمل تبعات التراجع على صعيد الأمم.

 وهناك أيضاً تعريف جديد للمجتمع المسلم، بعدما أعيد تعريفه، أنه مجتمع جاهلي جديد، ثم وجدنا أننا أمام معضلة جديدة، وهي إعادة توصيف الإيمان والكفر، وإعادة رسم ملامح هوية جديدة للإيمان على أساس رؤية يرسمها أشخاص ومفكرون جدد، وهكذا أصبحت فكرة جماعة المسلمين تعني (الحزب السياسي) الذي يحدد الحق والباطل، ويحدد ميزان الكفر والصلاح، ما يعني أن الحزب أو الجماعة الدينية بات هو الوكيل الحصري لفكرة كبيرة اسمها الإسلام، وبمقابل ذلك وفي المكان الآخر تقوم فكرة الدولة، التي أرادت تقليد الغرب، بصناعة قوانين ودستور يضمن قيام دولة قادرة على استيعاب صدمة العصر، لكن هذه الدولة قد تنجح نسبياً في بناء مؤسساتها، وقد تبدأ الدول العربية بالتحرر من قيود الاستعمار، باستثناء الحالة الفلسطينية، وتعقيداتها، والمتغيرات التي مرت بها القضية الفلسطينية، خصوصاً أن المجتمع الفلسطيني متعدد الأديان والطوائف، وكان يستحيل فيه قيام حركة إسلامية فلسطينية قادرة على طرح برنامج يمكنه قيادة الساحة الفلسطينية، حتى أن حركة عز الدين القسام لم تكن حركة حزبية، وإنما انطلقت من منظور التحرر الوطني، وتلت ذلك حقبة المد القومي، والوطني، ثم تراجع المد القومي بعد هزيمة حزيران 1967 ثم ظهور الثورة الإسلامية في إيران، ثم بدء المرحلة الأفغانية التي ستخلط الدعوي بالسياسي بلعبة المصالح وغيرها.

من الدعوة إلى السياسة والسلطة حماس نموذجاً

هنا بالضبط تجد حركة حماس نفسها بوصفها حركة إسلامية في وسط قوالب جاهزة، اجتاحت المنطقة منذ عقود عدة، لتجد نفسها صاحبة البيان الدعوي في فلسطين بلا منازع، وبسبب أهمية جغرافيا المكان، تتحول الحركة يوماً بعد يوم إلى أيقونة في عيون الشباب المسلم نتيجة الهالة الكبيرة التي حصلت عليها عقب الانتفاضة الثانية التي ألقت بظلالها على الحركة، إذ استثمرتها استثماراً واسعاً، وهنا دخلت حماس للمرة الأولى بوابة السياسة، ثم بدأت تسير خطوة خطوة، ووصلت إلى الانتخابات، وحصلت الخلافات الداخلية، وفشلت في استيعابها أو بالتعامل معها برؤية سياسية تلائم تلك المرحلة، فلجأت إلى الحسم العسكري.

هذا القرار الذي حمل الخطأ التاريخي القاتل، فالحركة بحسمها العسكري لقطاع غزة تسببت بفرض الحصار عليه، لأن الاتفاقات الدولية التي وقعتها الدول مع السلطة الفلسطينية المعترف بها لا يمكن أبدا نقلها إلى إدارة حماس، فالمجتمع الدولي لا يمكنه أن يساهم في قبول فكرة التقسيم، وبقيت مسألة فتح المعابر منذ اليوم الأول للحسم تقوم على قاعدة واحدة وهي إعادة الأمور إلى نصابها، حتى يتمكن المجتمع الدولي إكمال برامجه السياسية المتفق عليها، وهكذا أغلق المعبر، ودخلت غزة في كابوس لم تكن تتوقعه، بينما ظلت علاقة المجتمع الدولي بغزة، محصورة من بوابة العمل الإنساني، وعلى الرغم من محاولات حماس المتعددة، غير أن مفاتيح السياسة بقيت في رام الله.

الاستبداد الدعوي الحمساوي

بعد الحسم في غزة، لأول مرة تجد حركة حماس كامل الأمور بيدها ووفق ما تشتهي وتريد، فالمسجد الذي هو ركيزة الدعوة الأول في العقل الإسلامي، بات في يديها بالكامل، وهكذا وضعت حماس في استراتيجيتها برنامجاً يهدف إلى إدارة أكبر قدر ممكن من مساجد غزة، ولم يخلُ الأمر من استخدام الرصاص أحياناً كما حدث في رفح بينها وبين الجهاد الإسلامي بعد الحسم بمدّة وجيزة، ولكن وبلا ضجيج كان التوفق مع الجهاد الإسلامي سريعاً، إذ تنازلت حركة الجهاد عن عدد من المساجد لمصلحة حركة حماس، وجرى التوافق على إدارة المساجد بحسب أكثرية المصلين فيها بغض النظر عن الجهة السياسية التي قامت ببنائه، وبهذا الاتفاق استولت حماس على عدد من المساجد، وكبرت حصتها الدعوية على الأرض.

إذا كان المسجد في العقل الإسلامي العميق هو الذي بنى شخصية المجتمع الإسلامي الأول، فمسألة تكرار الأمر ذاته باتت ممكنة، فهذه ليست مساجد حكومات ودول تخضع لقوانين وبروتوكولات معينة، بل هو المسجد الموجود في أرض الرباط، هذه العبارة التي تعود إلى العصور الإسلامية الأولى، وتصبح دستوراً قطعياً غير قابل لمناقشة، فإذا كنت مسلماً يجب عليك أن تؤمن أن المساجد في غزة، هي التي تقوم بإعداد المرابطين الذين سيحررون بيت المقدس، وبهذه الروح الدينية التي ارتبطت بذاكرة قريبة تعود إلى الانتفاضة الثانية، تصبح الطريق واسعة أمام الحركة لاستثمار المسجد للحدود القصوى، فالمسجد هو المادة الوحيدة التي تستطيع أي حركة إسلامية تشكيل حضورها فيه، وهو المكان الذي تستطيع بداخله تسطير الثقافة التي تريد، ويمكنك من خلاله الوصول إلى الأجيال الكبيرة والناشئة والصغيرة، ويمكنك من خلال المسجد أن تلغي دور الأسرة في السيطرة على أبنائها، ويمكنك صناعة الحلم الذي تريد في عقول الشباب، ويمكنك التحكم في مرافق حياتهم المستقبلية كلها.

تحول العمل الدعوي إلى أداة لمشروع حماس السياسي السلطوي

تمضي السنوات تباعاً، وتدخل حماس الحرب الأولى والثانية، وتتفاقم الأزمات الاجتماعية بفعل الحصار، وبفعل الانقسام المجتمعي، فالحصار والفقر وانعدام فرص العمل من جانب، والدعوة الحزبية التي عجزت عن توحيد المجتمع الفلسطيني، ثم فشل محاولات إنهاء الانقسام مرة بعد مرة، وتداخل مفهوم الدعوة مع صميم الحياة المجتمعية، فهو مرة يقيد السياسي، ويحول دون اتخاذ قرارات سياسية مصيرية تضمن سلامة المجتمع المدني أولاً، ومرة أخرى يصبح العمل الدعوي أداة بيد السياسي بحسب وزنه وثقله في المحيط المجتمعي، فمسألة حزبية الدعوة وتأثير السياسة فيها جدلية معقدة يصعب فهمها أو تفكيكها، لكن النتائج دائماً لا تأتي في مصلحة المواطن المدني، ويستمر الانقسام بوصفه سيد الموقف.

هل ظاهرة التدين في غزة إيمان بسياسة حماس؟ أم هرب من واقع مر؟

 الأزمات الاجتماعية المعقدة في غزة، تزيد عملياً من وجود ظاهرتين متباينتين، الأولى ظاهرة التدين الكبيرة، والإقبال على الجانب الدعوي، الناتج من الفراغ وانعدام فرص العمل، وهو ما يكون أقرب إلى عملية جلد الذات، ومحاولة البحث عن العوامل الروحية لملء الفراغ القاتل، والثانية هي محاولة الفرار من هذا الواقع، وهذه تتعدد فيها الطرائق، فهناك هرب نحو الهجرة وعدم العودة إلى القطاع، وهناك ظواهر مجتمعية متعددة، تأتي بقصد التخلص من الأعباء، فقد بلغ إجمالي عدد حالات الزواج للعام 2017 هو (173.67) بينما عدد حالات الطلاق للعام 2017 بلغ (3255) وهذا يعدّ رقماً خطراً بالنسبة إلى عدد سكان غزة، ويضاف إلى ذلك الظواهر غير الطبيعية، كالإدمان والسطو وغير ذلك، وما نعنيه هنا، أن نجاح الجانب الدعوي في جانب، تلاه إخفاقات خطرة في جوانب أخرى.

هل فشلت حماس أم نجحت بعد إحدى عشرة سنة من السيطرة على غزة؟.

في ندوة (التحولات في الحركات الإسلامية) التي جرت في قطر قال خالد مشعل رئيس مكتب حماس السياسي: (إن الحركات الإسلامية الوسطية -بما فيها حركة حماس- ارتكبت خطأين: الأول المبالغة في الرهان على القوة الذاتية، والثاني وجود خلل في التعامل مع شركاء الوطن).

ظن كثيرون بعد هذا الخطاب أن حماس بدأت تعي الجانب السياسي للمشهد الفلسطيني، وأن هناك تبدلات فعلية سوف تكون على الأرض، وأن إتمام المصالحة بات قاب قوسين أو أدنى، ولكن حماس لم تنجح في ما بعد بإقناع السلطة بالتوافق على سبيل لإنهاء الانقسام، وما بين خطاب مشعل عام 2016 وحتى الآن، ازدادت الأمور تعقيداً، وأصبحت حتى فكرة المصالحة مثار شكوك لدى المواطنين، فما الذي يجعل التجارب السياسية تفشل واحدة بعد الأخرى، هل هو العقل الدعوي الذي تنطلق منه رؤية حماس إلى العالم السياسي المحيط بها، أم هي الأزمة السياسية ذاتها التي تترك حماس معلقة ما بين الاختلاف مع نظام الأسد ثم الدعوات الداخلية على لسان أكثر من قائد في الحركة إلى التفكير بإعادة العلاقات مع نظام الأسد حال إتاحة الفرصة مستقبلا، أم هي العلاقة مع حزب الله وإيران التي تنعكس بصداها على بعض الدول العربية، أم هي لعبة الصقور والحمائم التقليدية داخل البنى الحزبية.

خاتمة

ما بين هذا وذاك، ومما لا شك فيه، أن حركة حماس، إذا كانت قد فشلت في تحويل غزة إلى كيان ناجح، فهي بلا شك نجحت في صناعة جيل عقائدي يمكن لحركة حماس السيطرة عليه كما تريد، وهو جيل جاهز للدفاع عنها حتى آخر رمق، ولكن هل يستطيع هذا الجيل أن يصنع التوافقات الداخلية، أم هو الجيل الذي سيحافظ على الانقسام حتى النهاية، وهل هو الجيل الذي يمكنه أن يصنع حلولاً سياسية تنهي أزمة قطاع غزة الخانقة، أم هو الجيل الذي ستستمر الأزمة بوجوده.

هي أسئلة فقط.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.