حيز التنفيذ.. “قيصر” بين الأسد ومخلوف ولبنان

الكونغرس الأمريكي

هيئة التحرير

مع دخول قانون قيصر الأمريكي المتعلق بفرض العقوبات على النظام السوري حيز التنفيذ، قيّد المصرف المركزي السوري حركة الأموال بين المحافظات من خلال تعميم يحدد سقفا للأموال المسموح بنقلها بين المحافظات، فيما وصل سعر الصرف إلى حدود 1900 ليرة للدولار الأميركي.

المصرف المركزي شدد على “عدم نقل الأموال بالليرة السورية بين المحافظات (برفقة مسافر) لمبالغ تزيد عن 5 ملايين ليرة سورية، وطالب بالعمل على تحويل تلك المبالغ عن طريق المصارف وشركات الحوالات المالية المرخصة العاملة في سوريا”. محذراً من التعامل مع أشخاص مجهولي الهوية يمتهنون عملية تسليم الحوالات، تحت طائلة الملاحقة القانونية بجرائم بينها تمويل الإرهاب.

وأوضح المركزي: أنه “لوحظ انتشار ظاهرة تسليم الحوالات المالية الواردة من الخارج للمستفيدين منها عن طريق أشخاص مجهولي الهوية”. مشيراً إلى أن “مجموعة من هؤلاء الأشخاص الممتهنين لهذا النشاط غير المشروع يعملون ضمن شبكات موجودة ضمن مناطق تنشط فيها المجموعات الإرهابية وبعضهم مرتبط بهذه المجموعات أو لديه سوابق جرمي”.

قانون “قيصر” هو مشروع قانون أقره مجلس النواب الأمريكي، في 15 من تشرين الثاني 2016، ووقع عليه الرئيس الأمريكي، “دونالد ترامب”، في 21 كانون الأول 2019، وينص القانون على معاقبة كل من يقدم الدعم للنظام السوري، ويلزم رئيس الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الدول الحليفة للأسد.

زلزال “مخلوف”

تزامناً مع دخول قانون “قيصر” حيز التنفيذ، عاد رجل الأعمال السوري “رامي مخلوف” لانتقاد الإجراءات التي اتخذها نظام الأسد بحقه في الآونة الأخيرة، مهددا بـ”زلزلة الأرض” لوقف ما وصفه بـ”الظلم” الذي يلحق به.

مخلوف، ابن خال رئيس النظام في سوريا بشار الأسد، قال، في منشور له على موقع “فيسبوك”، إنه يتعرض لـ”تهديدات من يد خفية باتخاذ إجراءات جدية ضد أعماله، إذا لم ينصاع لطلباتها”.

وسرد مخلوف التهديدات التي تعرض لها، مثل فرض مبلغ 134 مليار ليرة سورية من قبل الهيئة الناظمة للاتصالات، ورفع سقف ‏المطالبات لإرغامه على رفع حصة الهيئة لتصبح 50% من عائدات شركة “سيرتيل”، واعتقال مجموعة كبيرة من موظفيها لترهيب زملائهم.

كما انتقد مخلوف قرار الحجز على أمواله وأموال زوجته وأولاده المنقولة وغير المنقولة، لضمان تسديد المبالغ المترتبة على شركته، “سيرتيل”، بدلا من إلقاء الحجز الاحتياطي على أموال الشركة ذاتها، والتي أكد أنه “ليس بمقدور أحد أن يمنع أعمالها عن مستحقيها من الفقراء، الذين تخصص لهم الشركة 70% من الأرباح”، حسب قوله.

متابعون للشأن السياسي والاقتصادي السوري ذهبوا في تناولهم لقضية “الأسد – مخلوف” وارتفاع وتيرة الخلافات ضمن الدائرة الضيقة للعائلة الحاكمة، إنما تأتي في سياق إعادة ترتيب البنية الاقتصادية للبلاد بما يتوافق مع التطورات الدولية والإقليمية مع استمرار تأثير جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي.

ومنذ مطلع 2020، ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية بنسبة تقارب 60 بالمئة، إذ أنهت الليرة تعاملات 2019 في السوق السوداء عند 915 مقابل الدولار.

ووفق أسعار صرف الأيام الأخيرة، تكون العملة السورية قد فقدت أكثر من 29 ضعفاً من قيمتها أمام النقد الأجنبي، منذ قيام العام 2011، حيث كان سعر الدولار بمتوسط 50 ليرة.

عوامل الانهيار..

يعيد المحللون الاقتصاديون أزمة الليرة إلى عدة عوامل منها، انخفاض أسعار البترول في السوق الدولية، الذي أثر بشكل سلبي على الدول الداعمة للنظام ومنها ايران، إضافة إلى خلو البنك المركزي السوري من النقد الأجنبي والذهب، بسبب توقف ايرادات ترانزيت النقل البري والبحري والجوي، وتوقف حركة التصدير، المساهم الأكبر في إيرادات العملات الأجنبية، إلى جانب خروج البترول والقمح والبقوليات وعدد من السلع الاستراتيجية المهمة من أيدي النظام، ما أدى إلي انخفاض الناتج القومي المحلي في سوريا، وتوقف عجلة الإنتاج والاقتصاد بدرجة كبيرة، وتدمير المصانع وخطوط الإنتاج والبنية التحتية التي تعتبر أهم دعائم الاقتصاد.

كما يضيف المحللون العوامل السياسية والعقوبات الاقتصادية على الدول الداعمة للنظام السوري، ضمن قائمة العوامل، التي أثرت على الاقتصاد السوري، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار في كل من لبنان والعراق، ولا سيما في المصارف والبنوك اللبنانية التي تعتبر مخزن عملات التجار الذين يتعاملون مع النظام بتأمين العملات الأجنبية، كما أثرت العقوبات الأمريكية والأوربية المفروضة على شخصيات رئيسية تعتبر اذرع النظام الاقتصادي، مثل “رامي مخلوف”، و”سامر الفوز”، و”وسيم قطان”، وعدد غير قليل من المسؤولين والتجار الذين يؤمنون احتياجات النظام من الخارج.

وكانت الأزمة بين “الأسد” وابن خاله، قد أدت إلى توقف العديد من الأنشطة الاقتصادية، التي كانت مرتبطة بشركات “مخلوف”، وأصبحت شركاته تحول أرصدتها من العملة المحلية للعملات الأجنبية، ثم تحويلها إلى خارج البلاد، فزاد الطلب على الأخيرة، كما زاد عرض الليرة السورية، فهبط سعرها.

ترقب وحذر لبناني..

لبنان ليس بعيداً عن تداعيات بدء تطبيق قانون “سيزر” (قيصر) الأمريكي وفي أول رد فعل لها نفى المكتب الإعلامي في رئاسة مجلس الوزراء اللبناني، خبر تبني الحكومة قانون قيصر للعقوبات الأمريكية.

وقالت رئاسة مجلس الوزراء في بيان لها: “أوردت بعض وسائل الإعلام خبراً عن توزيع قانون قيصر للعقوبات الأمريكية خلال جلسة مجلس الوزراء، وعن تبني الحكومة لهذا القانون”. مشيرة إلى أن “الحكومة بصدد دراسة تأثير هذا القانون على لبنان، والهوامش التي يمكن للحكومة العمل فيها من دون حصول ارتدادات سلبية على البلد، ولم يحصل أي التزام أو نقاش أو تبنّ لهذا القانون في جلسة مجلس الوزراء”.

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي اللبناني “عماد عكوش”: إن “قانون “سيزر” والذي أصبح موضع التنفيذ ابتداء من أول يونيو/ حزيران من العام الحالي، والذي ينص على عقوبات كثيرة ومتعددة على “الدول، الأحزاب، الجمعيات والشركات، والأفراد”، الذين يتعاملون مع كل من سوريا، إيران وروسيا من خلال فرض عقوبات عليهم، تمنعم من الاستفادة من نظام الخدمات الأمريكية وعلى رأسها نظام السويفت، وتأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، أو التعامل مع الشركات الأمريكية، أو حتى العمل في السوق الأمريكي”.

وأضاف “عكوش” بحسب وكالة “سبوتينك” الروسية أن “الأمر يشدد الخناق على لبنان والشركات اللبنانية، خاصة أن لبنان كان يمكن أن يكون منصة لإعادة بناء سوريا، وكانت العديد من الشركات قد بدأت بإجراءات التجهيز لفتح فروعها في سوريا للمشاركة في إعادة البناء، فأتى هذا القانون ليحبطها ويجعلها أسيرة هذا القانون الذي يمكن أن يوردها على اللائحة السوداء في الولايات المتحدة”. مشيراً إلى أن “خسائر اللبنان وتأثره من التداعيات السورية، تجاوزت قيمتها ثلاثون مليار دولار، فيما لم يقدم المجتمع الدولي أي مقابل لذلك”.

“قيصر” و “حزب الله”

اعتمد قانون “سيزر” على استراتيجية الحصار والإخضاع الاقتصادي، بدلاَ منالعسكري، ودخل القانون حيّز التنفيذ في مرحلته الأولى في بداية الشهر الحالي، على أن يبدأ تنفيذ المرحلة الثانية من القانون، بين شهري تموز آب المقبلين، اذ خصصت المرحلة الثانية لفرض عقوبات على كل من يتعاون سوريا في شتى المجالات، ويأتي “حزب الله” على رأس القائمة، وتشمل العقوبات المقترحة أنظمة ودولاً وهي ستطال بشكل رئيسي الدولة اللبنانية، وفق عمر، ويترافق بالتوازي مع تقديم السيناتور الأمريكي “تيد كروز” مشروع قانون في الكونغرس ضد لبنان، ويمكن تصنيف هذا القانون ضمن السياق العام للعقوبات المفروضة على حزب الله، وبعض الشخصيات الموالية.

وكانت السفيرة الأمريكية لدى لبنان دوروثي شيا قد أعلنت في وقت سابق عن وجود سلة أخرى من العقوبات التي ستطال المتورّطين بالفساد، ولكن هذه العقوبات لا تحرم لبنان من التجارة والاستثمار، لأن الأساس هو أن هذه العقوبات لا تتيح للجهات المخرّبة بالتسلّل إلى النظام المالي.

وأشارت أن العقوبات تستهدف “حزب الله”، وقد تشمل أيضاً أولئك الذين يساعدونه ويدعمونه، كذلك سيكون هناك فئة جديدة من العقوبات التي ستدخل حيّز التنفيذ في الأول من حزيران وتطال قتلة المدنيين في سوريا، حسب تعبيرها.

يشار إلى أن تسمية القانون باسم قانون “قيصر” تعود إلى الضابط السوري المنشق عن النظام، والذي سرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل عام 2014، قتلوا تحت التعذيب، أكد مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) صحتها، وأثارت الرأي العام العالمي حينها، وعُرضت في مجلس الشيوخ الأمريكي.

ويشمل القانون كل من يقدم الدعم العسكري والمالي والتقني للنظام السوري، من الشركات والأشخاص والدول، حتى روسيا وإيران، ويستهدف كل من يقدم المعونات الخاصة بإعادة الإعمار في سوريا.

ويدرس القانون شمل البنك المركزي السوري بالعقوبات المفروضة، مع وضع لائحة بقيادات ومسؤولي النظام السوري المقترح فرض العقوبات عليهم، بدءً من رئيس النظام “بشار الأسد”، بتهمة انتهاكات حقوق الإنسان.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©