خاص مينا: في حقل مليءٍ بالمخابرات.. هل قُتِل البغداديُّ حقاً؟!

لا شك بأن خبر مقتل “أبو بكرٍ البغدادي” وطريقة التداول الإعلامي له، تجعل الكثير من المتابعين لأخبار زعيم التنظيم الأكثر إرهاباً في العالم، يعتبرونه خبراً طبيعياً أو ممكناً على أقل تقدير، على الرغم من ما يحمله من خصوصية ودلالات، ولكن العارف بتفاصيل الأرض السورية وتحديداً مدينة إدلب، قد يكون له رأي مختلف، خاصةً إن كان الخبر في صياغته وتفاصيله يحمل عشرات إشارات الاستفهام، التي تدفع لطرح تساؤلٍ جدي مفاده: “هل قتل البغدادي بالفعل؟”.

أولى إشارات الاستفهام، بحسب محللين سوريين، تطرحها طبيعة الموقع الذي قيل إن عملية استهداف “البغدادي” تمت فيه؛ وهو مدينة إدلب السورية، التي تسيطر عليها جهات جهادية على خلافٍ عقائديٍ مع تنظيم داعش، والذي وصل إلى حد التكفير بين الطرفين واندلاع اشتباكات بينها على الأرض السورية خلال السنوات الماضية، مما يجعل من توجه “البغدادي” إلى تلك المنطقة ضرباً من الخيال، أو أمراً أشبه بلجوء رأس النظام السوري “بشار الأسد” للاحتماء لدى فصائل المعارضة في المدينة ذاتها.

ولفت المحللون إلى أن طبيعة المدينة ليس فقط ما يثير الشكوك في العملية، وإنما توسطها لمنطقة تعتبر واحدةً من أكثر مناطق العالم انتشاراً لأجهزة المخابرات الدولية، من أمريكية وروسية وإيرانية وتركية وأوروبية، ومخابرات تابعة للنظام وأخرى لحلف الناتو، إلى جانب وجود نشاط استخباراتي عربي، مضيفين: “في آخر أخبار البغدادي كان الحديث يدور عن وجوده في مناطق قريبة من الحدود العراقية بمدينة دير الزور، واليوم يتم الحديث عن قتله في إدلب بعد فترة وجيزة، ولمن يعرف الطبيعة السورية فإن المسافة التي يجب على البغدادي قطعها بين المنطقتين تعني أنه مجبر على المرور بمئات الكيلو مترات عبر مناطق تسيطر عليها عشرات الأجهزة الاستخباراتية التي تبحث عنه وترصد الملايين لقتله”.

وأشار المحللون إلى أن تلك المعطيات وعلى الرغم من أنها ليس الوحيدة، تجعل من التصريحات الأمريكية حول عملية تصفية البغدادي أمراً صعب التصديق، خاصةً مع التناقضات في التصريحات الدولية حولها، بين الجهات التي شاركت فيها والمدة التي استغرقتها.

من قلب العملية: البغدادي ليس موجوداً

مصادر سورية محلية من موقع العملية أشارت في تصريحات لمرصد “مينا” إلى أن كل الأشخاص الذين أرسلهم الجيش الأمريكي إلى المنزل المستهدف للكشف عن هوية الموجودين فيه، لم يشاهدوا البغدادي أو زوجاته.

وأضافت المصادر: “من كان في المنزل هو قيادي من حراس الدين، وابن عمه، وكلاهما من محافظة حلب السورية، ولم يشاهد أي شخص أبو بكر البغدادي”، لافتةً إلى أن مجموعات من الجيش الأمريكي هاجمت براً المنزل الذي قيل إن الغدادي كان فيه؛ برفقة دليل من المنطقة، قبل أن تنسحب لاحقاً.

وأشارت المصادر إلى أن طائرات أمريكية أغارت على المنزل ودمرته بشكلٍ كامل بعد انسحاب القوة الأمريكية بفترة وجيزة، موضحين أن القوة الأمريكية أخرجت السكان الذين كانوا متواجدين في المنزل وأعدمتهم ميدانياً، رمياً بالرصاص.

ما يزيد الغموض حول مصير “البغدادي” وعائلته أيضاً، تأكيد مصادر استخباراتية دولية، احتمالية أنه لا يزال على قيد الحياة حتى الساعة، وأنه لم يقتل بالعملية السرية التي نفذها الجيش الأمريكي خلال الساعات الماضية، مشيرة إلى أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام إمكانية وجوده حتى اليوم داخل الأراضي العراقية، ولم يغادرها، وأنه يتحصن في إحدى المواقع الجبلية.

في غضون ذلك، تبرز بعض التصريحات الرسمية من الولايات المتحدة، والتي كشف فيها مسؤول عسكري أمريكي أنه تم تأكيد هوية زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي ومقتله في إدلب.

“البغدادي” قصة الإرهابي عاشق كرة القدم

انتشار أصحاب الثأر مع “أبو بكر البغدادي” على مستوى العالم، وتوزعهم على أعراق وأديان وطوائف مختلفة ومتباينة وربما متصارعة، جعل من شخصية الرجل مثار اهتمام لدى الكثير من سكان الأرض، وتحديداً مع ما ذكرته التقارير الإعلامية عن تباين شديد بين الرجل صاحب القلب المتحجر وصاحب عائلة.

وفقاً للمقربين مِمّن كان يلقبه أتباعه بخليفة المسلمين، فإن الاسم الحقيقي للبغدادي هو “إبراهيم عواد البدري”، من مواليد سامراء عام 1971، تزوج مرتين ورزق بخمسة أبناء، أربعة من زواجه الأول، وواحد من زواجه الثاني.

المفارقات في شخصية البغدادي لم تتوقف فقط عند حد تأكيد إحدى زوجاته والكثير من المقربين منه، بأنه كان رب عائلة طبيعي، يعيش حياته العائلية كما الآخرين، وإنما تعدت ذلك إلى الكشف عن ولعه بكرة القدم، التي يعتبرها تنظيمه واحدةً من المحرمات التي تلهي عن ذكر الله، إلى جانب التأكيد على أنه في مطلع الشباب كان طامحاً بالانتساب إلى الجيش العراقي، إلا أن مشكلة قصر النظر لديه حالت دون ذلك، لينصرف بعدها إلى الدراسات الدينية.

بداية التطرف لدى “البغدادي” ظهرت بعد اعتقاله من قبل القوات الأمريكية بعد غزو العراق عام 2003، بسبب تشكيله مجموعة مقاومة صغيرة للأمريكان ذات نشاط محدود، ليودع سجن بوكا الواقع على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود العراقية الكويتية، ويطلق سراحه فيما بعد لعدم وجود أدلة كافية على مبايعته لزعيم تنظيم القاعدة السابق في العراق “أبو مصعب الزرقاوي”.

بدأ اسم “أبو بكر البغدادي” يلمع ويتم تداوله في وسائل الإعلام بعد الثورة السورية، التي استغلها للسيطرة على مدينة الرقة شمال البلاد، ويعلن قيام خلافته الإسلامية منها تحت مسمى “دولة الإسلام في العراق والشام”، ويبدأ بشن حربٍ طاحنة ضد مختلف شرائح الشعب السوري والفصائل المسلحة في آن واحد، حيث كان أعنفها ضد المناطق الكردية، التي شكلت منعطفاً في تاريخ التنظيم بعد تشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضده في العراق وسوريا، والذي كان فعلياً بداية النهاية للتنظيم الذي سيطر على معظم مساحة سوريا والإقليم السني في العراق.

كما لجأ التنظيم خلال فترة حكمه للمناطق التي سيطر عليها خلال السنوات الماضية إلى انتهاكات كبيرة وجسيمة بحق النساء والأطفال، حيث كان عناصر التنظيم بنظرون إلى النساء في مناطق سيطرتهم كـ”سبايا”، في حين أجبروا مئات الأطفال على تنفيذ عمليات إعدام ميداني وقتل، تحت عنوان “أشبال الخلافة”، ودفعوهم للمشاركة في العمليات القتالية وتنفيذ عمليات انتحارية.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.