خزان صافر في اليمن.. كارثة بيئية وابتزاز حوثي ومناورات أممية

أعلنت ميليشيات الحوثيين الموالية لإيران والمنقلبة على الشرعية في اليمن، توقيعها يوم الاربعاء الماضي على اتفاق الصيانة العاجلة والتقييم الشامل لخزان النفط العائم “صافر” مع هيئات الأمم المتحدة.. حيث سبق التوقيع تأكيد الأمم المتحدة، تلقيها رسالة رسمية من جماعة الحوثيين، تعلن موافقتها على وصول فريق من الخبراء الدوليين، لتفقد الخزان “صافر”.

كارثة عائمة

صافر” ناقلة نفطية كبرى، صُنعت في اليابان قبل 45 عامًا وتُستخدم حاليًا كمنصة تخزين عائمة، وتحمل ما يقارب 1,1 مليون برميل من النفط الخام.. ويقدر ثمنها بحوالى 40 مليون دولار..

وتكمن إشكاليتها الرئيسية المرتبطة لإرهاب ميليشيات الحوثي التي منعت خضوعها لأي صيانة منذ العام 2015، ما أدى إلى تآكل هيكلها وتردي حالتها.. في نفس المرسى الذي لمّا تغادره بعد..

حيث ترسو ناقلة “صافر” قبالة ميناء رأس عيسى النفطي بالبحر الأحمر، ويستمر التآكل في جسمها بسبب مياه البحر المالحة.

في الـ 27 من مايو أيار الماضي، حدث تسريب مياه إلى غرفة محرك السفينة، بشكل جعلها مهددة بالغرق في أية لحظة عبر الانفجار أو الانشطار.. ما سيؤدي إلى تسرب حمولتها في مياه البحر الأحمر.

وباتت قضية الخزان “صافر” من القضايا التي وضعت مرارًا على طاولة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مرات كثيرة نظرًا لتعقد المسألة، ففي العام الماضي 2019، في منتصف شهر يوليو تموز، أبلغ وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في إحاطة خاصة.. بخطورة بقاء الخزان على وضعه الراهن.

وقال لوكوك، في إحاطته المقدمة لمجلس الأمن “لا توجد ناقلة من المرجح أن تؤدي إلى حدوث مثل هذه الأزمة المتعددة الأبعاد، أكثر من الناقلة صافر التي لا تزال تتحلل على الرغم من الجهود المستمرة للتفاوض على طريقة لتأمين كمية هائلة من النفط الخام في صهاريج التخزين الخاصة بها”.

ليضيف: “أترك الأمر لكم لتتخيلوا تأثير مثل هذه الكارثة في البيئة، وفي ممرات الشحن والاقتصاد العالمي”.

مؤخرًا.. وجهت الحكومة اليمنية طلبًا لرئيس مجلس الأمن الدولي بفصل قضية خزان النفط العائم “صافر” عن بقية القضايا والتدابير المدرجة في مبادرة المبعوث الأممي إلى اليمن، بوصفها قضية ملحة، والمسارعة إلى إيجاد حل منفصل وحاسم لها.

بدوره وزير الخارجية اليمني، محمد الحضرمي، طلب في رسالة وجهها إلى رئيس مجلس الأمن الحالي، المندوب الدائم لجمهورية ألمانيا الاتحادية لدى الأمم المتحدة السفير كريستوف هويسجن، في شهر مايو الماضي: “بأن يضطلع المجلس بمسؤولياته، ويبحث هذه القضية المهمة في جلسة خاصة لاتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لإلزام الحوثيين بالانصياع لدعواتنا جميعاً، والسماح للفريق الفني التابع للأمم المتحدة بالوصول إلى الناقلة “صافر” من دون قيد أو شرط، وتمكينه من القيام بمهماته لتفادي وقوع واحدة من أكبر الكوارث البيئية في الإقليم والعالم”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية “سبأ”.

حيث أعاد الوزير الحضرمي تحذيرات حكومة بلاده من أن “كارثة بيئية كبيرة لا تحمد عقباها أصبحت اليوم تشكل خطرًا محدقاً باليمن والمنطقة أكثر من أي وقت مضى”.

ليعلن الوزير: “لا توجد ناقلة من المرجح أن تؤدي إلى حدوث مثل هذه الأزمة المتعددة الأبعاد، أكثر من الناقلة “صافر” التي لا تزال تتحلل على الرغم من الجهود المستمرة للتفاوض على طريقة لتأمين كمية هائلة من النفط الخام في صهاريج التخزين الخاصة بها”.

صيانة قريبة

اليوم الجمعة، أعلنت الأمم المتحدة، أنها ستبدأ مطلع فبراير شباط المقبل، تقويم أوضاع خزان النفط العائم “صافر” قبالة ميناء راس عيسى بمحافظة الحديدة غربي اليمن، بعد الاتفاق الأخير مع جماعة الحوثيين.

ستيفان دوغاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أكد أنه – وبعد الموافقة على مقترح الأمم المتحدة الخاص ببعثة الخبراء- سوف يتجه التخطيط مباشرة نحو الاستعدادات لإرسال البعثة.

تتضمن الاستعدادات الأممية شراء المعدات الضرورية، والحصول على تصاريح الدخول لأعضاء البعثة، والتوافق حول نظام العمل عند الوصول للخزَّان، والخطط اللوجيستية، حيث ستكون مهمة البعثة هي تقييم أوضاع الخزَّان، وإجراء صيانة أولية خفيفة، ومن ثمَّ صياغة توصيات حول ما يجب اتخاذه من إجراءات لاحقة لإزالة خطر حدوث تسرب نفطي من الخزَّان.

ليوضح المتحدث الأممي: “أعتقد أنَّ الأمور إن سارت كما هو مخطط لها، فيمكننا توقع وصول طاقم عمل البعثة مع المعدات إلى الموقع في نهاية يناير كانون أو بداية فبراير شباط”.

أما فروق هذه الموافقة عن موافقات سابقة “في يونيو الماضي” نالتها الأمم المتحدة من الميليشيات ولم تنفذ، قال دوجاريك: إنّ الاتّفاق الذي تمّ التوصّل إليه السبت يرتدي طابعا رسميا أكثر من سابقه.. ليضيف “إنّها خطوة مهمّة لهذا العمل الحاسم”.

حيث أكد دوجاريك أنّ “هدف بعثة الأمم المتحدة هو فحص السفينة وإجراء الصيانة الأولية لها بالإضافة إلى إعداد توصيات بشأن الإجراءات المستقبلية التي يتعيّن اتّخاذها لتجنّب خطر حدوث تسرّب نفطي”.

وفي بداية شهر يوليو تموز الماضي، دعا رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك سعيد، المجتمع الدولي إلى التحرك ضد الحوثيين على خلفية عرقلتهم عملية إصلاح الناقلة، معتبراً أن قيمة النفط يجب أن تنفق على المشاريع الصحية والإنسانية.

أما وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فأعلن في وقت سابق، “لا نبالغ إن قلنا إن الكارثة البيئية التي ستنتج من تسرب أو انفجار الخزان لن تقتصر على اليمن، بل ستشمل الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وحركة التجارة الدولية في مضيق باب المندب، إضافة إلى أنها ستدمر البيئة البحرية التي تشكلت على مدى آلاف السنين، على طول الشريط الساحلي”.

وأشار الإرياني إلى أن “التقارير الفنية التي أعدها خبراء البيئة توضح أن تسرب 138 مليون لتر من النفط في البحر الأحمر، سيمثل كارثة أسوأ بأربعة أضعاف من كارثة نفط (أكسون فالديز) في ألاسكا عام 1989، حيث لم تتعاف المنطقة بالكامل بعد مرور ما يقارب من 30 عاماً”.

ليؤكد، “إن تسرب النفط من “صافر” سيؤدي إلى انقراض أنواع بحرية نادرة لا توجد سوى في البحر الأحمر، وستتضرر الشعب المرجانية التي تعتبر، بحسب المتخصصين، الأمل الوحيد في وجه احتمال انقراضها في بقية البحار والمحيطات، نتيجة التغير المناخي”.

سياقًا..حذر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، قبل أشهر من أن الناقلة إذا انفجرت فستدمر النظام البيئي للبحر الأحمر وتعطل ممرات شحن رئيسة. وتابع، “يجب على الحوثيين السماح بالوصول قبل انفجار هذه القنبلة الموقوتة”.

قلق أوروبي

في بيان رسمي سابق للبعثة الأوروبية، أعلنت عن “القلق من وضع خزان صافر العائم قبالة ساحل الحديدة على البحر الأحمر، وإبقاء ناقلة النفط من دون صيانة خلال السنوات الخمس الماضية، وهي الآن في خطر وشيك ستنجم عنه كارثة صحية وبيئية واقتصادية كبرى ستؤثر في الملايين من الناس في اليمن وأبعد من ذلك”.

ليجدد الاتحاد الأوروبي في الـ 29 من تشرين ثاني أكتوبر الماضي تحذيراته من وضع خزان “صافر” النفطي العائم، حيث دعا ميليشيات الحوثي إلى التعاون الكامل مع الأمم المتحدة من أجل السماح لفريق الخبراء بالوصول إلى السفينة دون قيود أو شروط مسبقة أو تأخير، محملًا إياها المسؤولية “في حال حدوث كارثة على مستوى الإقليم”.

ضغوط وخلافات

استمر الضغط الدولي على الميليشيات بعد تصاعد التحذيرات من الكارثة البيئية المرافقة لأزمة الخزان.. حيث تزايدت المطالب العالمية بسرعة العمل على تصنيفها كمنظمة إرهابية نظرا لما تمثله من تهديد على الأمن والسلام العالميين.. ما سرع قبول الميليشيات بعمليات الصيانة.

فخلال الأعوام الماضية، حاولت الأمم المتحدة تأمين السفينة العائمة والحؤول دون حدوث تسرّب نفطي كارثي، لكنّها لم تتمكّن من ذلك بسبب رفض الحوثيين الذين يسيطرون على ميناء الحديدة الراسية قبالته الناقلة السماح لها بالوصول إلى السفينة.

حيث سبق للأمم المتحدة الإعلان أنّ الحوثيين أعطوا موافقتهم المبدئية على قدوم فريق أممي لتفقّد الناقلة، لكنّ الميليشيات رجعت في قرارها في اللحظات الأخيرة كما فعلت عام 2019..

في يونيو حزيران طلب الحوثيون ضمانات بأن يتمّ إصلاح الناقلة وأن تحوّل عائدات النفط الموجود على متنها لتسديد رواتب موظّفين يعملون في إدارات تخضع لسلطتهم.

وكتب القيادي في صفوف الحوثي محمد علي الحوثي على “تويتر” أن الحوثيين يريدون ضمانات بإصلاح الناقلة في حال أُرسل فريق، وأن تتحول قيمة النفط لرواتب الموظفين ضمن سلطتهم، إذ يبلغ سعر برميل النفط حاليًا 40 دولارًا..

أما الحكومة اليمنية الشرعية “المعترف بها دوليًا” فطالبت إنفاق أي مبلغ يأتي من بيع ذلك النفط على مشاريع صحيّة وإنسانية في البلاد التي تشهد أوضاعًا كارثية منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة ومناطق أخرى.

تحذيرات وخطر متصاعد

مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن (OCHA) قد أطلق تحذيرًا مماثلًا للتحذيرات الحكومية والدولية في الـ 22 من أغسطس آب 2019، قال فيه إن ناقلة النفط صافر التي ترسو قبالة سواحل اليمن، تنذر بالانفجار كونها تحمل 1.1 مليون برميل. وبحسب (OCHA)، سيؤدي التسرب النفطي إلى حدوث كارثة بيئية.

ليعلن حينها مكتب OCHA عن وصول فريق التقويم التابع للأمم المتحدة إلى جيبوتي، والذي قام بالتوجه إلى الناقلة صافر لتقييم الأضرار والآثار البيئية

إن خطورة أزمة الخزان العائم، تتعلق بالآثار المترتبة على تسرب محتويات الخزان في مياه البحر الأحمر.. وبحسب “إندبندنت” أوضح تقرير صادر عن موقع “حلم أخضر” المعني بالتقارير المتخصصة في شؤون البيئة، أن البيئة اليمنية البحرية والساحلية ستتعرض للتدمير الكلي الذي سيمتد من سواحل البحر الأحمر حتى سواحل خليج عدن والبحر العربي.

ليؤكد التقرير أن هذه البيئة ستخسر كل مقدراتها، وستتلوث سواحل اليمن بمادة النفط الخام الثقيلة التي تمنع وصول الأوكسجين والشمس إلى أعماق البحر وتؤثر سلباً في الأحياء البحرية، وتقتل بقع الزيت الأسماك والمحار والشعب.

التقرير أوضح أن غابات المانجروف التي يمتاز بها عدد من الجزر اليمنية في البحر الأحمر، ستتعرض للدمار والتلف، ومنها جزيرة كمران الشهيرة كونها أهم غابة بحرية تمتلئ بأشجار المانجروف وغيرها من النباتات وأشكال الحياة البحرية في بيئة البحر الأحمر ما سيؤثر في السلسلة الغذائية، وعلى المدى البعيد ستتراكم السموم، في أنسجة اليرقات والكائنات الحية الدقيقة التي تعد مصدراً غذائياً أساسياً للأسماك الكبيرة.

أما موقع Sciencing ، فتوقع أن تتسبب الغازات المتطايرة والمتبخرة في الهواء، بحدوث أضرار جسيمة في صحة السكان في المناطق القريبة، كونها تصيب الجهاز التنفسي، أما في حالة حدوث انفجار للناقلة واحتراقها، فمن المتوقع أن تزيد هذه الكارثة من ظاهرة الاحتباس الحراري نتيجة التصاعد الكثيف لأكاسيد الكربون إلى الغلاف الجوي.

ابتزاز حوثي ومناورات سياسية

ما يهم الحوثيين تحقيق مكاسب لميليشياتهم ولإيران على حساب الشعب أو البيئة أو الاستقرار العالمي والإقليمي، كعادة إيران عبر أذرعها وتصرفاتها لي المنطقة..

في تصريح اعتبره المراقبون سعيًا من الحوثيين للتخلي عن المسؤولية المترتبة على حدوث الكارثة الوشيكة، بشكل لا يخلو من الرسائل والابتزاز السياسي، قال محمد علي الحوثي – وفق ما نقلته إندبندنت- إن الحوثيين تقدموا بمقترح بشأن معالجة صهريج صافر..

لكن عضو اللجنة الاقتصادية اليمنية، فارس الجعدبي، وبحسب الشرق الأوسط، أكد أن هدف الحوثي في المقترح الذي تقدم به، السماح لخبرائه بالدخول للصيانة وليس لفريق الصيانة الأممي المتخصص، لينوه بخطورة هذا الأمر الذي يطالب به، وهو ما يكشف خبث نواياه.. بحسب الجعدبي

ومع المطالب السابقة من قبل الحكومة الشرعية لمجلس الأمن بإلزام الحوثيين السماح للفريق الفني التابع للأمم المتحدة بالوصول إلى خزان صافر من دون قيد أو شرط، اعتبر الحوثيين تلك المطالب “مسألة سياسية” بالدرجة الأولى.

محمد الزبيري، وزير الثروة السمكية في حكومة الحوثيين الانقلابية، غير المعترف بها دوليًا، صرّح أن “قضية خزان صافر تطرح للمرة الأولى منذ 5 سنوات، فأين كانت بريطانيا ومجلس الأمن عندما كنا نقدم المبادرة تلو الأخرى بهذا الشأن من دون أن يسمعنا أحد؟” وفق ما نقله عنه موقع “المسيرة نت” الناطق باسم الميليشيا.

ليحذر أنه في حال انفجار خزان صافر “سيؤثر في الكثير من الدول الموجودة على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن، وفي مئات آلاف الأسر التي تعيش على الصيد”.

ثم ذكر أن ما يسمى “المجلس السياسي الأعلى” (أعلى هيئة سياسية في سلطة الجماعة)، قدم مبادرة عبر بيع البترول في خزان صافر وتقسيم عائداته بين عدن (جنوب) وصنعاء (شمال)، لدفع رواتب الموظفين.

أما الباحث في الشأن الاقتصادي اليمني عبد الواحد العوبلي، قال – بحسب إندبندنت عربي- إن الحوثيين يرفضون السماح للفريق الأممي بصيانة خزان صافر لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية.

خلال حديثه، أوضح العوبلي، أن من ضمن أهدافهم السياسية انسحاب القوات المشتركة من الحديدة، ورفع الحصار عن إيران وفتح مطار صنعاء لنقل جرحاهم من المصابين وخروج الخبراء الإيرانيين واللبنانيين، واستلام قيمة مليون برميل من النفط الخام يحويه الخزان.

حلول مقترحة

اقترح ذات الباحث خطوات عملية لحلحة الأزمة جذريًا،

ليوضح: “بحكم تلقي الحوثيون تعليماتهم من إيران، اقترح على مجلس الأمن بالضغط على إيران مباشرة سواء بالتفاوض أو بفرض عقوبات لإرغامها على إطلاق سراح الباخرة صافر”.

حيث اعتبر أن الحكومة اليمنية تستطيع إنشاء تكتل سريع من الدول المطلة على البحر الأحمر للضغط على إيران للإفراج عن الباخرة صافر، ويمكن كذلك التهديد بفرض عقوبات عليها، تتمثل بمنع عبور الناقلات والسفن الإيرانية من الممر الدولي في البحر الأحمر.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©