خطر الإسلاموية: هل يتم نسيانه؟

يوجد في ألمانيا حوالي 600 إسلامي مصنّفين على أنهم خطرون، وفي فرنسا ما يقرب من 1100. وفي كلا البلدين، يُطرح السؤال مراراً وتكراراً حول ما إذا كانت هناك صلة بسياسة اللجوء الفاشلة، بينما يفضّل السياسيون وصناع الرأي في الشبكات الاجتماعية التركيز على مواضيع أخرى.

في الصيف الماضي، ناقش البرلمان الألماني الهجوم الإرهابي على ساحة برايت شايد في برلين. وكان الأشخاص الذين تدين لهم ألمانيا بالإجابة يجلسون في شرفة زوار البوندستاغ، فيما يتساءل أقارب ضحايا الهجوم على سوق عيد الميلاد في برايت شايد كيف يمكن للإسلامي أنيس العمري قتل أحد عشر شخصاً.

في ديسمبر 2016، قاد العمري شاحنة إلى السوق، رغم أن السلطات كانت تعتبره يشكل تهديداً. ومنذ ذلك الحين، تحاول لجنة تحقيق برلمانية توضيح سبب فشل الشرطة والأجهزة السرية، وقد انتهى عمل اللجنة بمناقشة البوندستاغ.

بذل أعضاء اللجنة جهداً صادقاً، لكنهم تطرقوا فقط إلى السؤال الأكثر أهمية: لماذا سمحت ألمانيا لأناس مثل أنيس العمري بالقدوم إلى البلاد؟ في ذروة أزمة اللجوء، سافر التونسي من إيطاليا إلى ألمانيا عبر سويسرا في يوليو 2015، وربما كان لديه بالفعل خطط لشن هجمات في ذلك الوقت بحسب لجنة التحقيق، وفي موعد لا يتجاوز بضعة أشهر بعد وصوله.

وقد وجد العمري زملاءه الإسلاميين بسرعة وسيجدهم مرة أخرى اليوم. ففي ألمانيا، يُصنف حوالي 600 إسلامي حالياً على أنهم خطرون، هذا يعني أن أجهزة الأمن واثقة من حدوث هجمات. ومقارنة بعام 2010، تضاعف عدد التهديدات المسجلة من قبل الإسلاميين ستة أضعاف تقريباً.

توصل سياسي من الحزب الاشتراكي الديمقراطي في اللجنة إلى استنتاج مفاده أن السلطات الأمنية غارقة في “الهجرة الهائلة من سوريا وأفغانستان والعراق” في عامي 2015 و2016.

إن التونسي الذي نفذ الهجوم في برلين هو مثال واضح يُظهر كيف فقدت الدولة السيطرة في ذلك الوقت. فمع ما لا يقل عن 14 جنسية مختلفة، سافر الشاب البالغ من العمر 23 عاماً إلى ألمانيا، وتقدم بطلب للحصول على اللجوء وحصل على المزايا الاجتماعية. وقد وضعته السلطات الأمنية تحت مراقبتها أكثر من مرة، وقرأ المسؤولون ملفه مراراً. وفي النهاية، استخف المحققون به لأنه بدأ في بيع المخدرات، فقد كانوا يعتقدون أنه تحول من الإسلاموية إلى الجرائم المتعلقة بالمخدرات. إلا أنه في الواقع، من المعروف أن الظاهرتين ليسا متعارضتين، ففي أفغانستان، تمول طالبان نفسها من خلال تجارة الأفيون.

كانت هناك أحكام خاطئة كثيرة مثل هذه والتي لم تُظهر السلطات الأمنية بشكل جيد. إلا أن مراقبة إسلامي على مدار الساعة يتطلّب الأمر أكثر من عشرين ضابط شرطة، ومن بين ما يقرب من 600 فرد تم تسجيلهم، هناك حوالي 230 طليقي السراح ويقيمون في ألمانيا، ولمراقبتهم على مدار 24 ساعة في اليوم، ستحتاج الشرطة ما بين 5000 و6000 ضابط للتركيز على هذه المهمة فقط. بالإضافة إلى الجناة، هناك عدة مئات ممن يسمون بالأشخاص المعنيين الذين قد يدعمون الإرهابيين المحتملين، لذلك لا يمكن السيطرة على مشكلة الإسلاموية بوسائل وموارد دولة دستورية أوروبية.

في قضية العمري، كانت سياسة اللجوء الألمانية بوابة إرهابي إسلامي. في قضايا جنائية أخرى، جاء إلى البلاد مجرمون عنيفون أدينوا بالفعل في مكان آخر. ومع وجود أكثر من 100000 مهاجر لجوء سنوياً، لا تزال ألمانيا تستقبل أشخاصاً أكثر مما تستطيع السلطات فحصه بدقة، وهي إشارة قاتلة للأمن الداخلي.

يعتقد الخبراء أن الحكومة الألمانية الجديدة بقيادة أولاف شولتز تتجاهل أيضاً المخاطر المحتملة، حيث إن تهديد الإرهاب والإسلام السياسي ليسا ظواهر هامشية يمكن تجاهلها في السياسة. كما يجب مكافحة أي شكل من أشكال التطرف، سواء كان بدوافع سياسية أو دينية، بكل الوسائل المتاحة. أيضاً، تحتاج السلطات الأمنية إلى سلطات قانونية أفضل لتجنب الخطر وحماية المواطنين، مثل مراقبة خدمات المبعوثين بأمر من المحكمة. وعلى المدى الطويل، سيكون عدم التمكّن من منع مخططات الهجوم إلا من خلال المعلومات الواردة من الشركاء الأجانب غير مقبول.

ما زال السلفيون الإرهابيون يشكلون تهديداً لكن ليس لوحدهم، حيث أن “الإسلام السياسي” آخذ في الارتفاع في أوروبا. وحتى قبل بضع سنوات كان ممثلاً بشكل رئيسي في البلدان الأنجلو سكسونية، لكن حركات مثل جماعة الإخوان المسلمين حوّلت أنشطتها بشكل متزايد إلى ألمانيا وفرنسا. في الآونة الأخيرة، تم شراء عقار في منطقة ويدينغ في برلين مقابل أربعة ملايين يورو من كيان فرعي لجماعة الإخوان المسلمين المتطرفة في بريطانيا العظمى، والذي يمكن أن يصبح مركزاً للإسلاميين في ألمانيا. يصف رئيس مكتب حماية الدستور في ولاية شمال الراين – ويستفاليا في ألمانيا الغربية أنشطة جماعة الإخوان المسلمين بأنها أكبر تهديد لمجتمع منفتح. بالإضافة إلى ذلك، هناك أيضاً الجمعيات والمساجد التي يتم التحكم فيها من الخارج، وفي المقام الأول، اتحاد ديتيب التركي، الذي أصبح أكثر أصولية وقومية في ظل حكم أردوغان. يعكس التأثير غير المتسامح لمثل هذه المساجد الآن على المدارس، بحسب ما تقوله جمعيات المعلمين في البلدان الناطقة بالألمانية.

يعتقد سياسي محلي من المجموعة البرلمانية المحافظة في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي أن السياسيين أظهروا القليل من الحساسية في مجال “الإسلام السياسي” في السنوات الأخيرة واستهانوا بالقوى المحركة، ففي كثير من الأحيان يترك الناس أنفسهم مخدوعين بالوجه الودي للإسلاموية الشرعية. وفي العام الماضي، تبنى الاتحاد الديمقراطي المسيحي ورقة موقف تدعو إلى اتخاذ تدابير ملموسة ضد الإسلام السياسي وسيطرته من الخارج. على سبيل المثال، تم إنشاء مجلس خبراء في وزارة الداخلية الاتحادية لتقديم تقارير إلى الحكومة والبرلمان عن التأثيرات والأنشطة الإسلامية. يؤكد السياسي المحافظ أن الغالبية العظمى من المسلمين في ألمانيا لا يريدون الإسلام الأصولي، لكن المشكلة هي أن هؤلاء الناس غير ممثلين إلى حد كبير في الجمعيات الإسلامية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.