المعوقات الكبرى أمام التنوير

خطوات على طريق التنوير (5)

تأتي أهمية التنوير في حياتنا ومجتمعاتنا، على أنه السبيل الرئيس، لإعادة هذه المجتمعات إلى سكة تطورها الطبيعي في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والفكرية.. لقد تعطلت سكة التطور في هذه المجتمعات، مع تحوّل الخطاب الفكري المنتج للحداثة إلى خطاب معوقٍ لها في كل أنساقها، إذ اعتمد خطاباً فكرياً، ارتكز على قراءات خاصة للإسلام، تخدم إعادة إنتاج النظام السياسي المهيمن، وتبرر هيمنته، وبالتالي تجعل من باقي أنساق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مجرد توابع لحركة تدوير هذا النظام.

إن هذه القراءات الخاصة بالإسلام، يفصلنا عنها شرطا الزمان والمكان، وبالتالي هي صالحة لزمنها، وغير صالحة لزمننا، ولذلك من غير المعقول، أن تثبت وكأنها جزء من الدين ونصوصه القرآنية.

إن استمرار هذه القراءات في حياتنا المعاصرة، جعل منها عائقاً فكرياً ومبرراً سياسياً، لمنع حدوث التطور، ودوران عملية الحداثة، التي تمثل جوهر ناموس الكون الذي خلقه الله.

لذلك نحن أمام حالة ركود فكري عميق، تحتاج منا تحرير العقل من أسر المقولات البشرية الثابتة.. وحين نقول “تحرير العقل”، فنحن نقصد إقصاء المؤسسات المنتجة للخطاب، الذي يعيد إنتاج الاستبداد والتخلف، ويمنع حرية العقل والتفكير، ويبعد عن الناس حق إدارة حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفق مصالحهم وحاجات تطورهم. إن المعوقات الكبرى للتنوير اليوم تتمثل بـ:

  • الاستبداد وحوامله
  • مأزق الواقع
  • التخلف وحوامله
  • غياب الديمقراطية

الاستبداد وحوامله

حين نقول: استبدّ الشخص بالأمر، فهذا يعني أنه انفرد به من غير مشارك له فيه(1). وقد ورد في القاموس: الاستبداد: الانفراد بالرأي من غير مشورة. ولكن الاستبداد ليس مجرد انفراد الشخص بالأمر، بل هو ينطوي على معنى العَسْف، أي عدم أخذ مصالح أو مشورة الآخرين بالأمر، وهذا انتقاص لحقوقهم الطبيعية. ولعل العالم الإسلامي عانى الاستبداد المتشح برداء الدين، وهو ما يمكن تسميته بـ”الاستبداد الديني”.

أي إنه استبداد يمارس باسم الدين، والدين براء منه، وهذه الممارسة هي ممارسة سياسية وفكرية واجتماعية واقتصادية، ترتكز على قراءات خاصة، يسوّقها أصحابها على أنها أصول وقواعد ترتبط بالنص الديني المقدس.

لكن إشكالية الاستبداد في عالمنا الإسلامي ليست جديدة، فقد ارتبطت بمفهوم “الإمارة الدينية”، وتحديداً بعد زوال مفهوم الشورى ومبدئه، واعتماد مفهوم التوريث السياسي، وهذا يسمح لنا بأن نقول إن: “الاستبداد في بلداننا الإسلامية نشأ نتيجة تزاوج الاستبداد الديني مع الاستبداد السياسي، وإن هذا التزاوج هو السبب الرئيس في واقع الوهن والضعف، الذي تحياه الأمة في الوقت الراهن(2). هذه الرؤية تساعد على تلمس معنى الاستبداد السياسي والفكري بصورة أشمل وأعمق، وهو ما يعني البحث في نتائج هذه الممارسة التي يتجلى عنها كما يقول جيمس ماديسون(1751-1836م):

“الطغيان والتعسف هو تجميع السلطات والصلاحيات من تنفيذية واستشارية وقضائية بيد واحدة”.

وقد ذهب عبد الرحمن الكواكبي إلى هذا الاتجاه في الفهم، فقال:

“إن الاستبداد هو تصرف فرد أو جمع في حقوق القوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وهو صفة الحكومة المطلقة العنان فعلاً وحكماً، والتي تتصرف في شؤون الرعية بلا خشية ولا عقاب”(3)

أما رفاعة الطهطاوي المولود في 15 تشرين الأول /أكتوبر عام1801 في مدينة طهطا المصرية في الصعيد، ويعَدُّ المؤسس الفكري لحركة الإصلاح الحديث والتنوير، إذ حاول إيجاد علاقة توفيقية بين مفاهيم الحكم الحديثة وبين التراث الإسلامي، وقد نادى بتحرير المرأة، وقال بضرورة أن يعمل الشرع مع العقل. وتعدُّ جهود الطهطاوي في الترجمة إلى العربية بوابة التنوير، إذ عمل على نقل التراث الفكري والعلمي والأدبي الغربي إلى اللغة العربية، بهدف التنوير والتقدم، وأصدر صحيفة “روضة المدارس” التي لعبت دوراً في نشر الثقافة والفكر والعلوم. وهو من رأى أن الحرية تعادل في الشريعة الإسلامية مفهوم العدل والمساواة.

أما محمد عبده المولود في مصر عام 1849م، فكان يدعو إلى الإصلاح الأسري والاجتماعي والتربوي والتعليمي. وهذا الفهم في مواجهة التخلف والاستبداد، كانت غايته الجوهرية نشر التنوير، ونبذ الجهل والتخلف والأمّية، ولهذا تابع مسيرة من سبقه في التنوير، وقد قال وهو في فرنسا منفياً: “وجدت هنا إسلاماً ولم أجد  مسلمين، وفي ديار الإسلام، وجدت المسلمين ولم أجد الإسلام”. هذه العبارة تكثف بشدة غياب دور العقل والمعرفة في حياة المسلمين في تلك الآونة.

لذا يمكن أن نقول، إن الوضع الاجتماعي والسياسي المحكوم بتزاوج الاستبداد بنوعيه السياسي والديني وضع المجتمعات الإسلامية أمام حالة تعدٍ على حقوقها، وهذا التعدي يرتكز على التصرف المطلق للحاكم في شؤون المواطنين، وهو عملياً ينطوي على اعتداء حقيقي على حقوقهم الطبيعية، سواء كانت حقوقاً سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، مثل هذا الاعتداء تمارسه سلطة تمتلك وفق نصها القانوني حق الهيمنة على الآخرين. ولهذا كان التنوير ونشر فكره عبر التعليم والإصلاح الاجتماعي ضرورة لمواجهة ما تعيشه الأمة من انغلاق فكري وسياسي.

لهذا يكون تعريف الاستبداد الدقيق: تصرُّف الحاكم، أو مجموعة الحكم بحقوق المحكومين “الشعب”، دون خوف من المساءلة والحساب، وهو ينطوي كفعلٍ على استخدام القوة “العنف”، لفرض الصيغة السياسية للمستبد.

ونستطيع القول: “إن مفهوم الاستبداد يتداخل مع الطغيان والديكتاتورية والحكم المطلق والتسلطية الشمولية”(4) وهو ما يعني أن الاستبداد لا يتوقف عند الحالة السياسية فحسب، بل يرتبط بالحالة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه الحالات تحتاج إلى تسليط ضوء للكشف عنها، ولبيان العلاقة بينها، وتحديد رؤية محددة لتفكيكها.

إن أهم معوقات التنوير، تتمثل بجهلنا بمعرفة البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تعبّر عن درجة تطورنا الحقيقية، ولهذا فنحن نحتاج إلى “الكشف عن تلك البينات الراسخة سياسياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً، وأن بناء المستقبل يتطلب هدم تلك القلاع البالية وصولاً إلى استرجاع كيان الإنسان العربي وحقه في الوجود“(5).

إن جهلنا بمعرفة البنى المختلفة المتحكمة بحياتنا، يجعل قراءتنا للواقع قراءة غير صحيحة، وغير علمية، بسبب النقص الهائل في المعلومات عن هذه البنى. وكي نفهم التنوير بصورة علمية وصحيحة، ووفق منهج علمي صارم، نحتاج إلى المعلومات الأساسية، التي يحتاجها التنوير من أجل تغيير البنى المعيقة له، وهذا ما يجعل قراءتنا للمجتمع والدولة قراءة ممكنة. هذه القراءة المستندة إلى منهج علمي، تساعدنا في فهم “أن الحديث عن الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، يحتاج إلى دراسات مقارنة بين تجمعات إنسانية متباينة، فنحن لسنا وحدنا في هذا الكون، كما أننا لسنا الاستثناء البشري.”(6)

إذاً، الجهل بالواقع يقود حتماً إلى إتاحة المساحة للاستبداد للتحكم بحياة المجتمعات والدول، من خلال فرض الرؤى الفكرية، التي تخدم تجديد هذا الاستبداد.

مأزق الواقع

واقعنا ليس قدراً هبط علينا من السماء، بل هو محصلة تطور البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مجتمعاتنا، وهذا الواقع يحدث نتيجة شروط ذاتية وموضوعية، تتعلق بدرجة التطور. أي إن البنية الاجتماعية في درجة من درجات تطورها، قد تقبل حالة تراجع، وهو ما يعني عدم مواكبة زمن التطور المطلوب، فينتج عن ذلك خلل في بنى المجتمع، تعمل ضد انفتاحها على التغيير، وتساعد على ولادة قوى تعوّق التقدم الاجتماعي والعلمي، إن درجة التطور هذه، تكون قد توقفت أمام انسدادٍ ناتج عن التعارض بين أنساقها المكونة لها ما يسمح للقوى المعطلة لهذا التطور، بإعادة إنتاجٍ تاريخي لنفسها، ولأدواتها السياسية والفكرية، عبر خطاب إيديولوجي، يتشح بتبرير قراءات خاصة للنص الديني، لا تخدم سوى المستفيد من هذه القراءات، ولذلك يبدو الانسداد التاريخي لحركة التطور، وكأنه فقد القدرة على تجديد البنى في الواقع، نتيجة تغيير في عمل أنساقها.

وحين تصبح الهيمنة الفكرية والسياسية والاقتصادية عائقاً تاريخياً أمام تطور البنى الاجتماعية، فإن هذه الهيمنة تصبح في حالة تنازع سياسي أو فكري مع هذه البنى. وهذا ما يدفع القوى المعادية للتطور إلى مأزقها التاريخي، المتمثل بانغلاقها على بناها السياسية والفكرية المتعارضة مع تطور بنى المجتمع، التي تبحث عن منافذ لتطورها الحقيقي، وبالتالي تبحث عن تحقيق مصالحها المتعارضة مع مصالح قوى الإعاقة.

هذا المأزق ينبغي لقوى التنوير والتغيير الاجتماعي أن تلحظ حقيقته، وأن تعاينه بصورة علمية، كي لا تنتقل من حالة هيمنة الاستبداد إلى حالة هيمنة النزعات الدينية المتطرفة. كما حدث في تجربة الثورة السورية.

إننا بحاجة لتوفير ركائز تخدم بناء التغيير والتنوير، وكي يصبح هذا التغيير هدفاً للتنوير، لا بدّ من الدفع باتجاه نشر الوعي المبني على نقد الفكر بعمومه، والفكر الديني على نحو خاص. هذا النقد يزيح التباس دور المؤسسة الدينية في ادعائها الحق بالهيمنة على الخطاب الديني، وهو ما يجعل هذا الخطاب في معرض النقد العلمي، وبالتالي يزيح عنه كأي ظاهرة حالة القدسية الوهمية.

إن تعميق التنوير يعني بالضرورة تعميق النقد الفكري، وهذا ما يجعله في حالة هدم لفكرٍ سكوني لا ينتمي لحركة الواقع وتغيراته.

  ويمكننا القول إن الاستبداد لا يستطيع أن يستمر في مأزقه طويلاً، فالمأزق هنا يتمثل بانسداد الأفق أمامه، وبالتالي، هذا إشعار بضرورة هدم أركانه وركائزه، مع بقاء أركان حرية العقل، وركائز حرية التفكير، وهذان العاملان (الهدم والبناء) هما متلازمان بالضرورة، وبينهما علاقة جدلية واضحة. فكلما ازداد الهدم في بنية الاستبداد، يجب أن يرافقه بناء في حرية العقل والتنوير، ولهذا يُخشى أن ينشّط الاستبداد القوى المعادية للتنوير التي تتمثل بالأصولية الدينية المتشددة، وهذا ينبغي الانتباه إليه، كي لا تغدو حركة هدم الاستبداد تعمل لمصلحة بناء الأصولية الدينية وهيمنتها، وهذا يدفعنا إلى القول: “إنه لا يمكن أن تكون الديمقراطية العقلانية بديلاً وحيداً، بل إنَّ هناك مشاريع استبدادية وأصولية أخرى تلوح في الأفق”(7).

ولذلك، يمكن القول: إنَّ معوقات التنوير ليست معوقات سياسية فحسب، بل هناك معوقات أخرى، كالمعوقات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولهذا فإن مأزق المعوقات لا يتجلى في جانبه السياسي فحسب، بل يشمل باقي أنساق البنى الاجتماعية. وهذا يتطلب هدم كل ركائز المعوقات، لأن الاستبداد وفرض الهيمنة وممارسة الطغيان، تشترك فيها جماعات مختلفة، فكلٌ يمارس، من جانبه، الاستبداد والتسلط”(8).

التخلف وحوامله

يعدُّ التخلف القاعدة الأهم لولادة الاستبداد، فالتخلف كمفهوم، لا يتعلق بجانب واحد كالجانب الاجتماعي، بل هو تعبير عن تدني التطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري والسياسي، وعلاقة هذه الأنساق ببعضها ضمن علاقة جدلية، يؤثر كل نسق فيها ببقية الأنساق. والتخلف عموماً يمكن عدَّه “حالة سكون وبطء، تصاحب عمليات التنمية، لعدم قدرة النخب والقيادات السياسية والاقتصادية مجتمعة على صياغة نظريات ومفاهيم ذات رؤى علمية وعملية في تحسين الواقع العربي إلى الأفضل”(9).

ولكن التخلف يتعزز مع وجود حالة استاتيكية في بنى المجتمع، وتحديداً تدني العلوم وتوقفها عند عتبة بعيدة عن البحث العلمي، وبعيدة من التقصي حول الحقائق واستخدام ذهنية تحليل الظاهرات وفهمها. ولذلك لا يشمل الجمود جانب العلم والمعرفة، بل يتعداه إلى طبيعة نمط التفكير، والاعتماد على العادات والتقاليد الاجتماعية المحكومة بالعرف الاجتماعي، أو بالولاءات ما قبل الوطنية، ومع ذلك يبقى التخلف الاجتماعي المحور الرئيس، الذي تستند إليه بقية محاور التخلف.

وكذلك، يمكننا القول: إن التخلف الاجتماعي يتمثل بـ “تردي الوضع المعيشي، وانتشار الفقر والبطالة، والتزايد الهائل في أعداد السكان ما أثّرعلى مستواهم الفكري والثقافي، فأصبح جلّ همهم تحصيل لقمة العيش، وبناء مسكن يأويهم، وتأمين حياة صحية سليمة لكل أفراد المجتمع الواحد.(10)

 الاستبداد في هذا الوضع، يستفيد من حالة التخلف الاجتماعي والاقتصادي، ويحوّل عناصر التخلف الأخرى إلى حالة متجددة من أجل استمرار وجوده. ولهذا يكون التنوير بوابة أساسية، تسلط الضوء على مخاطر الاستبداد في حياة المجتمعات، ويساعد على فهم حوامله، وحوامل التخلف بشكل عام.

ولكن لا يمكن القول بالتخلف الاجتماعي أو التخلف السياسي دون أنساق التخلف الأخرى، فلو أردنا أن نعرف ما علاقة التخلف الاقتصادي (underdevelopment) بالأنساق الأخرى من التخلف العام، لاكتشفنا أن التخلف الاقتصادي هو تعبير عن سيرورة تطور التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية في المجتمع. أي ينبغي معرفة تطور البنى القائدة للتشكيلة الاجتماعية المعينة، لمعرفة طبيعة هذه التشكيلة واتجاهات تطورها، وبيان بنيتها بشكل علمي. فإذا تعرّفنا على أنساق البنية القائدة للتشكيلة، يمكن معرفة المرونة التي تتمتع بها التشكيلة في قبول علاقة بنيتها بالخارج نتيجة تخلفها، أو عدم وجود علاقة تبعية نتيجة تطورها.

لهذا “لا يمكن إطلاق مفهوم التخلف الاقتصادي على نحو غير علمي على الظاهرات الاقتصادية، إلا في حالة الفشل من الاستفادة الكاملة من الإنتاج، نظراً لتخلف المعرفة الفنية والفشل الناجم عن مقاومة المؤسسات الاجتماعية”(11). وهذا يقودنا بالضرورة إلى أن التخلف يعني الفقر الاقتصادي، أي الفشل في تحقيق الراحة المادية لمعظم أبناء المجتمع.

هنا نستطيع فهم معنى غياب التنوير ودرجة التطور الاقتصادي، فهذه العلاقة في ظل سيادة الاستبداد السياسي والاقتصادي، تكشف عن معادلة اقتصادية، لا تعمل لمصلحة تطوير بنى المجتمع الوطني، فوجود الاستبداد بصوره المتعددة، يعني تحويل قدرات المجتمع الاقتصادية لصالح جهتين رئيستين هما، نظام الاستبداد، الذي يضع يده على مقدرات البلاد، والمراكز الدولية الكبرى، التي تلعب دور المراكز الاقتصادية العالمية التي تميزها قدراتها الصناعية، وهو أمر يعني تحقيق السيطرة بين المركز المتطور والأطراف المتخلفة، إذ ينجم عن هذه العلاقة السيطرة، التي تنشأ عبر مصادرة فوائض التنمية الوطنية لمصلحة الخارج، وهو ما يمنع تطور البنى الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، وهذه الحالة تحدث ضمن التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في المجتمع الواحد. إذ يقوم المركز بانتزاع فوائض النمو الاقتصادي من الأطراف، وتسخيرها لمصلحة بقائه وديمومته.

هذه المعادلة الجائرة هي من يجعل المناطق الزراعية متخلفة، وبالتالي تكون التنمية فيها محدودة نتيجة عدم وجود التراكم، وهو ما يُبقي التخلف بصورة عامة في البلدان التي يسود فيها الاستبداد السياسي المقترن بالاستبداد الديني.

إن التخلف الاقتصادي يلعب دوراً حاسماً في ترسيخ التخلف العلمي والفكري والسياسي، ولهذا نجد أن سمات البلدان المتخلفة تظهر عبر تدني دخل الفرد واشتغال النسبة الكبرى من السكان بالزراعة، وضعف الادخار وسوء التغذية، وتدني المستوى الصحي والتعليمي.

لذلك تصعد قوى الاستبداد على درجات سلم التخلف سياسياً إذ تجد شروطاً لاستبدادها، يوفرها التخلف الاقتصادي والاجتماعي. ويجب ألا يغيب عن البال أن العلاقة بين أنساق التخلف هي علاقة جدلية، يتناوب بعضها بعضاً في التأثير، وهذا ما يجعلنا نؤكد أن “التخلف السياسي ناتج عن تخلف الأوضاع الأخرى (الاجتماعية والثقافية والعلمية..)(12).

وعندما نقول بوجود التخلف، فهذا لا يعني أن التخلف يحدث في نسق واحد دون الأنساق الأخرى في البنية الواحدة، ويظهر ذلك في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية. فحين يكون التخلف السياسي موجوداً لا يمكن أن تكون باقي الأنساق متطورة، لهذا يمكن معرفة كيف “تتجلى ظاهرة التخلف السياسي في العديد من المصاديق العملية التي تُعدّ فساداً في الحياة السياسية الإنسانية، منها احتكار العمل السياسي، وإقصاء الأمة عن الحياة السياسية، وتحولها إلى قطيع يسوقه “فرعون”، أو محتكر العمل السياسي إلى حيث يريد بالقوة والإكراه، أو بالخداع أو التضليل الإعلامي والسياسي”(13).

إن غياب التنوير يعني غياب الثقافة السياسية، التي تشكل حقاً لكل فرد من أفراد المجتمع، وهذا الغياب يطوي تحت جناحيه خطر غياب الحياة السياسية الطبيعية في المجتمع، ويجعل من احتكارها عامل ترسيخٍ للتخلف السياسي، والتخلف بشكل عام. وهو ما يفتح الباب للاستبداد عموماً، والاستبداد الديني خصوصاً. ويجعل قوى التخلف ترتكب حماقتها الكبرى برفض التنوير كفكرة، لأنها لا تريد أن ينكشف تغلغلها في الخطاب الفكري والثقافي الاجتماعي بصفته خطاباً معيقاً، ولذلك يمكن القول “كلما كان التنوير أشدّ جذرية، وأكثر صراحة من جهة، والواقع أكثر بؤساً وتقليداً وتخلفاً، كانت حدة الصراع أكبر”(14).

غياب الديمقراطية

لا شك أن غياب الديمقراطية عن الحياة السياسية في المجتمع، يكشف عن درجة الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، أو عن تزاوج هذين النوعين من الاستبداد. ولهذا فإن غياب الديمقراطية يعدُّ معيقاً للتوجه نحو الحداثة والتنوير. كما أنه يكشف عن درجة تطور البنى الاجتماعية، التي تشكل بدورها حاملاً ضرورياً للديمقراطية.

هذه البنى حين تكون درجة تطورها، لا تزال دون درجة التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للحداثة، فإنها ستكون بنى اجتماعية ما قبل وطنية، أو بنى بعيدة عن خلق الاندماج الوطني على قاعدة تطور الاقتصاد. كما في الوضع اللبناني، حيث البنى الاجتماعية لا تزال ذات محتوى ما قبل وطني، أي ذات محتوى طائفي. لذلك يمكن القول، إن الحاجة للديمقراطية ترتبط بحدوث التطور في البنى الحاملة لها في المجتمع. أي تفكيك البنى ما قبل الوطنية ليحل بدلاً منها بنى وطنية مندمجة، ولكن، يمكننا التأكيد “أن الديمقراطية وإن لم تكن شرطاً كافياً لولوج عتبة الحداثة، فإنها في المقابل شرط ضروري للعبور الآمن لها”(15).

وهذا ما يجعل من التنوير ضرورة، ففيه تحرير العقل، واستخدام وظائفه بصورة حقيقية، بعيداً عن هيمنة الاستبداد الديني أو الفكري أو السياسي. فإذا لم يستطع التنوير أن يحقق إطلاق سراح العقل عبر وظيفة النقد، سيكون التنوير في هذه الحالة تنويراً وظيفياً، يعمل لمصلحة الفئة المهيمنة، ويتحول إلى أداة قهر جديدة.

إن التغلب على هذه الظاهرة المنحرفة، يجب أن يرتبط بدرجة اشتقاقنا للتنوير من معطيات واقعنا وصيرورته، لا من خارج هذه الصيرورة. هذه الرؤية تسمح بمعرفة البنى الاجتماعية وقدرات حملها لمشروع التنوير. وفي الوقت ذاته، تسمح بمعرفة الاستبداد وركائزه وطرق تفكيكيه وعزله عن أنساق الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية. إذاً “المطلوب تطوير منظور نقدي تأسيسي، يراعي المعطى التاريخي والحالة الحضارية”(16).

لهذا لا يمكن ربط التنوير بالفهم الأوربي، الذي كان يعدُّ حاجة المجتمعات الأوربية للانعتاق من سيطرة الكنيسة، بل إنه يرتبط لدينا بالفهم الحقيقي لدور الاستبداد الديني والسياسي في إعاقة الحداثة، وكذلك في فهم مرتكزات هذا الاستبداد، وهذا ما يجعلنا نؤكد أن ” التنوير في نهاية المطاف ليس سوى نداء عظيم إلى الحرية، وتعبير موضوعي عن الإنسان الحر، الكائن العقلاني المتبصر لوجوده ومصيره، والفاعل في ذاته ومحيطه”(17).

إذاً، لا حرية في غياب الديمقراطية، ولا يمكن الحديث عن جوهر ديمقراطي دون أن يكون واضح الممارسة في الواقع السياسي والفكري، وهو أمر لا يتيحه الاستبداد بكل أنواعه وتجلياته.

إن درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي تفترض بنية سياسية متوائمة مع هذا التطور لتحقيق الحداثة والتنمية. ولكن، وبما أنَّ المجتمعات المتخلفة هي مجتمعات لا تزال بعيدة عن تطور بناها، وفق حاجات التطور العامة، فإن قسماً كبيراً من المجتمع لا يزال لا يعي معنى الديمقراطية، وهذا أمر معوق للتنوير والحداثة.

ويمكن التأكيد أنه “لا يزال هناك قسم كبير من الرأي العام السياسي يعتقد أن نظام التعددية والديمقراطية، بما يتضمنه من غياب الرقابة على الفضاء العام، وإباحة التنافس والصراع بين الأحزاب السياسية وحرية التعبير والتفكير، قد يساهم في توفير تربة صالحة لتزايد النفوذ الأجنبي، وتنمية الصراعات الداخلية، التي تهدد بتصديع الكيان الوطني”(18).

وفق ما تقدم من رؤى، يمكن التأكيد على صعوبة مساهمة السلطة الاستبدادية القائمة على رفض وجود أي نوع من سيادة الشعب على قراره في السماح بحدوث التنوير، وهذا الرفض تعرف السلطة الاستبدادية، وتحديداً الدينية، بأن السماح به سيفتح الباب على تهديم منطق وصايته، التي تتحكم بتفكير الناس والنخب الثقافية والاجتماعية بشكل رئيس.

لهذا يمكننا التأكيد على صعوبة تطور هذه السلطات الاستبدادية، أو خروجها عن تقاليدها وطرق إعادة إنتاجها لنفسها، فإن فعلت ذلك ستكون مهددة بالانهيار من الداخل، أي مهددة بتهديم بنيتها وتشظي هذه البنية.


المراجع


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.