خلاف “القابون” يعود إلى الواجهة.. النظام السوري يستعد لهدم 750 مصنعاً

أثار قرار مجلس محافظة دمشق التابع للنظام السوري، والمتعلق بهدم 750 منشأة صناعية في حي “القابون” الدمشقي، موجة غضب عارمة، ولا سيما بين أوساط الصناعيين والتجار.

البعض يعتبر أن قرار الحكومة يأتي في سياق الانتقام من أهالي “القابون” لمشاركتهم في الثورة السورية مبكرا، وإبعادهم من مركز العاصمة، بينما يؤكد آخرون نية النظام إقامة مشروعين سكنيين وتجاريين كبيرين في تلك المنطقة، والمستفيد من هذا الإجراء جهات تعمل من داخل النظام على الاستثمار العقاري لتجني أرباحاً خيالية.

وكان مجلس محافظة دمشق، أصدر الشهر الماضي، تعميما على أصحاب 750 منشأة صناعية في حي القابون بدمشق، بضرورة نقل منشآتهم إلى خارج العاصمة، تمهيدا لهدم المنطقة.

كما أصدرت المحافظة، المخطط التنظيمي رقم /105/، والذي ينص على هدم وتنظيم أكثر من 70% من مساحة حي القابون، لإقامة مشروع يضم عدة أبراج سكنية وتجارية وخدمية، إضافة لمبانٍ استثمارية ومشاف ومدارس وعدة مراكز خدمية للمدينة.

مخالف للدستور ويحمل أبعاد سياسية ..

تعليقا على قرار مجلس محافظة دمشق، يقول الحقوقي “فراس النعال” إن الموضوع مخالف للدستور، لأن المنطقة المستهدفة بالهدم منطقة “طابو أخضر” ومؤسسة بمرسوم جمهوري ومنظمة بمخطط تنظيمي حديث، وجميع مصانعها مرخصة ترخيصاً صناعياً وإدارياً، ما يعني ان أي قرار لهدمها يعتبر مخالفا للقانون وتعد على الأموال الخاصة.

ويضيف “النعال” انه، لا يمكن تجاهل الأبعاد السياسية والأمنية للقرار، ولا سيما أن قرارا آخر شمل حي جوبر الذي شهد مع حي القابون احتجاجات مناهضة للنظام بدايات الثورة السورية، مشيرا الى أن النظام يسعى للانتقام ممن تبقى من أهالي الحيين، وإبعادهما عن مركز العاصمة، خوفا من تجدد المظاهرات في المنطقة.

إلى جانب ذلك، يستند “النعال” في تحليلاته على تصريحات أدلى بها مسؤولون تابعين للنظام في وقت سابق، موضحا أن عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق “فيصل سرور” كان لمح في تصريحات نقلتها صحيفة الوطن التابعة للنظام، إلى وجود بعد سياسي وأمني للقرار من خلال إشارته بشكل غير مباشر إلى مشاركة أهالي القابون بالثورة، وإدراج ذلك ضمن أزمة المنطقة الصناعية التي بدأت قبل نحو ثلاث سنوات حين شرع أصحاب المنشآت الصناعية بإعادة تشغيلها بعد انتهاء الحرب هناك وسيطرة النظام على المنطقة.

وتقول مصادر محلية، إن النظام السوري أدرج منطقة “القابون” و”جوب”ر ضمن مناطق أطلق عليها “التطوير العقاري الجديدة” و التي تتضمن أراض تابعة للقطاع الخاص وأخرى للقطاع العام يجري إعداد صكوك قانونية لها، كالشركة الخماسية التي تمتد على مساحات واسعة في القابون وشركة الصناعات المعدنية “بردى” وعقارات شركة “غراوي”، بالإضافة إلى مناطق السكن العشوائي التي دمر النظام معظمها ولا سيما في مناطق بساتين الرازي التي خصها بالقانون رقم 66 للتطوير العقاري.

خسائر بالمليارات..

في الإشارة إلى تأثيرات تطبيق القرار، يكشف المحلل الاقتصادي “عمار الطباع” أن هدم مصانع المنطقة الصناعية في القابون، سيتسبب بخسائر بمليارات الدولارات بالنسبة الصناعيين، كما سينتج بطالة تطال تأثيراتها عشرات الآلاف من الأسر في.

ويشير “الطباع” الى أن معظم مصانع المنطقة من الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ما يعني أن عدد العمال مرتفع، حيث تعيل المنشآت نحو عشرين ألف أسرة، إضافة إلى الموظفين والعمال في الخدمات المساندة.

بالإضافة الى ذلك، يكشف “الطباع” أن النظام يسعى من خلال الاستحواذ على المنطقة الى إقامة مشروعين سكنيين وتجاريين كبيرين، هما “ماورتا سيتي” و”باسيليا سيتي”، مشيرا الى أن رجال أعمال مقربين من النظام من بينهم “محمد حمشو” بدأوا التحضير لإطلاق المشروعين.

يشار الى أن “محمد حمشو”، سبق وأن زار منطقة “القابون”، بعد رفض الصناعيين إزالة مصانعهم قبل نحو عامين وأبلغهم بأن الحكومة مصرة على التنفيذ طالباً منهم التوقيع على تعهد بالإخلاء عند الطلب.

وبعتبر “حمشو” واجهة اقتصادية لـ”ماهر الأسد” المقرب من إيران، ويخضع للعقوبات الأميركية منذ العام 2011، وظهر بوصفه صاحب مبادرات، وقدّم مشاريع استراتيجية، إذ أعاد طرح موضوع إنشاء مصرف سوريّ إيراني، وشركة سورية إيرانية قابضة تعنى بالتطوير العقاري، وسبق له أن زار طهران على رأس وفد ضم 50 رجل أعمال وحظيت الزيارة باهتمام شخصيات إيرانية بارزة.

تبريرات غير مقنعة..

بررت حكومة النظام، قرارها بهدم المصانع في منطقة القابون، بأن نسبة الدمار في المنشآت جراء الحرب بلغت نحو 80 في المائة من المنطقة، لكن مصادر مطلعة، تؤكد أن لجنة من نقابة المهندسين دحضت ذريعة المحافظة وبينت في تقرير رسمي أن نسبة الدمار لا تتجاوز الـ 20 في المائة، وأن المنشآت الصناعية تحتاج فقط إلى عمليات ترميم بسيطة.

الصناعي “عاطف طيفور”، أوضح أن الخلاف بين الصناعيين والمحافظة هو على “مساحة أرض لا تتجاوز 24 هكتاراً من المصانع القائمة والجاهزة للعمل”، وتتضمن 750 مصنعاً قائماً وجاهزاً للعمل والإنتاج، من أصل 200 هكتار بالمخطط التنظيمي الصادر عن المحافظة، ما يعادل 10 بالمئة من المساحة المقترحة للمخطط.

كما أكد أن التنازل عن 10 بالمئة من مساحة المشروع قد تمنح الحياة لـ 750 مصنعاً، وأكثر من 20 ألف عامل وعائلاتهم، والحياة للصناعة الدمشقية العريقة، قد تعيد الحياة للسوق الداخلي والخارجي وتعيد الحياة لـ”صنع في سوريا”.

وتنقسم “القابون” إلى منطقتين، الأولى صناعية وتحوي عدداً كبيراً من المنشآت، والثانية سكنية، وتعد من مناطق السكن العشوائي أو المخالفات ونزح القسم الأكبر من سكانها الذين يقدر تعدادهم بنحو 100 ألف نسمة بسبب القصف والاشتباكات، بينما نزح معظم ما تبقى إلى الشمال السوري بعد التسويات التي أعقبت سيطرة النظام على المنطقة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©