درعا؛ التي لا يعرفها السوريون

مقدمة

تقع محافظة درعا أو ما كان يعرف سابقاً بلواء حوران، في الجنوب الغربي من سوريا، ودرعا أي (إذرعي)  تعني الحصن المنيع، وعرفت عبر العصور باسم أتارعا وأذرعات وما زال العوام الى الآن يلفظونها ذرعات.

يبلغ عدد سكانها بحسب تعداد عام 2010 نحو مليون ومئتي ألف نسمة، وتعدّ المحافظة الأولى في سوريا من حيث نسبة الاغتراب مقارنة بعدد السكان، إذ وصل العدد عام 2010 إلى نحو مئتي ألف مغترب وهو رقم يشكل أكثر من 16 في المئة من عدد سكانها، وتعدّ من المحافظات المتقدمة تعليمياً إذ أعلنت في صيف 2009 محافظة خالية من الأمية ضمن الشريحة العمرية ما بين 15 إلى 45 عاماً.

تعدّ المرحلة الممتدة منذ الاستقلال حتى منتصف الستينيات من المراحل السيئة التي مرت على درعا، لا سيما سنوات الجفاف التي امتدت أربع سنوات ما بين أعوام 1958 و1962، وهو ما جعل كثيراً من أبنائها يضطرون إلى السفر سواء في داخل سوريا نحو دمشق أم منطقة الجزيرة أم لبنان للعمل بعد أن أصبح الوضع المعيشي سيئاً، وصادف هذا الوضع المزري الطفرة النفطية في الخليج العربي، إذ انتقل كثير من شبابها إلى هناك وبخاصة إلى دولة الكويت، وهو ما أثر إيجابياً في وضع المحافظة في سبعينيات القرن الماضي بعد ورود التحويلات المالية من أبنائها في الخليح.

اتسمت مدة ثمانينيات القرن الماضي بالخوف والمجازر وبخاصة بعد مجزرة حماه عام 1982، ما جعل حافظ الأسد يطمع في دعم المحافظة من خلال استرضاء أهلها، وبخاصة أنها مدينة (سنية) في أغلبها ذات ميول بعثية تقليدية بسبب اجتذاب البعث لشرائح واسعة في ريفها، فسعى لإشراك فلاحيها وعمالها في النشاط السياسي والحزبي، واستمرت على الحال ذاتها في عهد الابن بشار عام 2000 إلا أنها كانت مهداً للإنتفاضة السورية التي اندلعت ضده في 18 آذار 2011.

درعا قبل الأزمة

وصلت محافظة درعا عام 2008 إلى وضع اقتصادي مريح، إذ كانت الطبقتان الوسطى والثرية أكثر وضوحاً في ملامح المحافظة، مع وجود شريحة صغيرة جداً من الطبقة الفقيرة، ويعود هذا إلى تميز المحافظة بتنوع الدخل الاقتصادي فيها، ففي حين كان الريف الشرقي يبدو أكثر غنى لوفرة التحويلات المالية الآتية من دول الخليج، ونسبة الاغتراب والتي ازدادت مع وجود الجيل الثاني في تلك الدول، أصبحت مساهمات أبناء هذه المنطقة واضحة في مدنهم وقراهم سواء من ناحية إنشاء مراكز تعليمية كالجامعات الخاصة ومراكز صحية وحتى مستشفيات على نفقة بعض من أبنائها، إضافة إلى وجود كثير من الأشجار المزروعة أهمها الزيتون الذي أصبح يغطي مساحات واسعة.

أما في الريف الغربي حيث المياه الوفيرة والأرض الخصبة، فكان اعتماد السكان على الزراعة الصيفية والشتوية فتربعت المحافظة بفضل هذه المنطقة في المقدمة من حيث إنتاج كثير من المحصولات الزراعية في مستوى سوريا، واحتلت المرتبة الأولى بإنتاج البندورة وتراوح الإنتاج خلال أعوام 2009 و2010 بين 285 و293 ألف طن، وهي أرقام تشكل ما نسبته 44 في المئة من إجمالي الإنتاج الوطني البالغ بحسب إحصاءات وزارة الزراعة لعام 2008 نحو 639 ألف طن، ووصلت النسبة إلى 40 في المئة عام 2011 بمحصول وصل إلى33 ألف طن، كذلك كان إنتاج المحافظة من العنب كان الأول في مستوى سوريا، بمحصول وصل نحو 62 ألف طن عام 2011 وبنسبة وصلت إلى 20 في المئة من الإنتاج الوطني.

أيضاً كان للمحافظة حصة مهمة من الإنتاج الوطني للزيتون، إذ بلغت المساحة المزروعة عام 2009 ما يزيد على 30 ألف هكتار تضم حوالى 6.3 مليون شجرة زيتون، إذ احتلت زراعة أشجار الزيتون المرتبة الأولى من حيث المساحات المزروعة بالنسبة إلى الأشجار المثمرة في المحافظة، وقدر إنتاج المحافظة من ثمار الزيتون في موسم 2009 بـ 80 ألف طن وقرابة 12 ألف طن من زيت الزيتون مع وجود 38 معصرة حديثة تعود جمعيها إلى أبناء المحافظة.

أما في ما يخص الريف الشمالي الذي يعدّ الأقرب إلى العاصمة دمشق فكان وضعه الاقتصادي يعدّ جيداً إلى حد كبير، ومصادر الدخل متنوعة ما بين الاغتراب والزراعة وأيضا العمل في دمشق، في حين كان مركز المحافظة، مدينة درعا، يعدّ تجمعاً لأبنائها جميعهم، إذ كانت العاصمة التي يلتقي فيها أبناء المحافظة تجارياً، وفي الوقت نفسه كانت النقطة التي يجري فيها تجميع البضائع السورية لتصديرها إلى الأردن، ما جعلها مركزاً مهماً للتجارة سواء في مستوى المحافظة أم في مستوى تصدير المنتجات الصناعية للأردن والآتية من حلب ودمشق، ما أثر إيجابياً في حركة التجارة في المحافظة وخلق آلاف فرص العمل لأبناء المحافظة.

وضمن ذلك الوضع الاقتصادي الجيد للمحافظة مقارنة بغيرها من المحافظات وبخاصة المجاورة لها، والفضل إلى حد كبير يعود إلى أبنائها وموقعها الحدودي، فيما اختصر دور الحكومة على بعض التسهيلات من الناحية الزراعية، مع تجاهل إنشاء المشروعات الاقتصادية الكبيرة، ما عدا بعض المنشآت والمصانع الخاسرة، خرج رئيس النظام بشار الأسد عام 2008 بقانون عرف بـاسم (الموافقة الأمنية) للعقارات والأراضي وشمل هذا القانون مساحة واسعة من المحافظة، وطبق على طول حدود المحافظة مع الأردن والجولان المحتل وبعرض نحو 10 كم، ما جعل مدينة درعا ضمن هذا القانون وأثر سلباً في الحركة التجارية وأصاب المحافظة بالكساد، وتوقفت المشروعات والمنشآت الاقتصادية جميعها، وجمد القانون معاملات البيع والشراء للعقارات والأراضي كافة في هذا الجزء المهم من المحافظة، إضافة إلى مدن وبلدات على طول الحدود.

وقانون (الموافقة الأمنية) كان يقضي بموافقة أجهزة أمن عدة تبدأ من درعا وتنتقل إلى العاصمة دمشق، في بيع العقارات وشرائها وإنشاء المشروعات الاقتصادية بأشكالها وأنواعها كافة، وكل ما له علاقة بهذا الصدد، وعلى الرغم من محاولة بعضهم الحصول على هذه الموافقة، إلا أن عدداً قليل جداً وفقوا في ذلك من خلال دفع رشاوى بمبالغ كبيرة، وكانت حجة النظام لسن هذا القانون (الخوف) من بيع الأراضي لأشخاص مرتبطين بـ(إسرائيل)، أو فتح مشروعات بتمويل (إسرائيلي).

بدأت تصدر أصوات لمحاولة إيصال معاناة المحافظة إلى السلطة ووضعها في صورة الحال، ومدى التأثير السلبي لهذا القانون الذي كان مقتصراً على محافظتي درعا والحسكة فقط، لكن التأثير في درعا كان واضحاً لأن القانون شمل مركز المحافظة، وبدأت أولى المحاولات عبر نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية (عبد الله الدردي) آنذاك، في أثناء زيارته إلى مدينة درعا لافتتاح فندق في المدينة في منتصف عام 2009، إذ أكدت له مجموعة من الوجهاء ضرورة إيصال صوت أبناء المحافظة إلى القيادة، لإلغاء هذه القانون الجائر وغير المنصف، لكن لم يأتِ أي رد إيجابي من السلطة، وتكررت المطالبة حين زار فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية مدينة درعا في بداية عام 2010، وجرى الاتفاق بين وجهاء المحافظة على ضرورة عقد لقاء مطول مع الشرع بحيث يجري وضعه في صورة الوضع، لا سيما وأنه ابن المحافظة والأكثر دراية بتفاصيلها.

وعلى الرغم من مرور أشهر على إخبار الشرع بهذا الوضع، إلا أن الأمر بدا كأنه سياسة متبعة من النظام للسيطرة على مفاصل اقتصاد المحافظة، وفي ظل هذه الأوضاع جاء قرار آخر لبشار الأسد بتعيين ابن خالته (عاطف نجيب) رئيساً للأمن السياسي في المحافظة، ما زاد الوضع سوءاً، وطرأ تحول كبير على العلاقة بين أبناء المحافظة والسلطة، وكان لـ)نجيب) عدد من الممارسات التي أراد من خلالها إيصال رسائل إلى أهالي درعا بأنه حاكمهم الأوحد، وظهر هذا من خلال تدخلاته بتفاصيل ثانوية لا علاقة لفرعه أو منصبه بها، وبدأت من ملف المرور والنقل، وانتهت بـ)الموافقة الأمنية) التي شدد عليها وأصبحت الطلبات تتعطل في مكتبه.

بداية الأزمة

كانت الأجواء مشحونة في المحافظة على الرغم من بقاء الوضع الزراعي مقبولاً نوعاً ما، لكن الوضع الاقتصادي ككل في المحافظة أصابه كساد كبير، ومع بدء الثورات ضد الأنظمة الشمولية في بعض الدول العربية مطلع العام 2011 وسقوط أنظمة عربية، بدأ بعض من أبناء المحافظة العمل على حركات يمكن وصفها بـ(التمرد الخفي) على السلطة، وكان أولها ما عُرف بـ(الرجل البخاخ)، إذ استفاقت أجهزة الأمن في مدينة درعا في منتصف شباط 2011 على عبارات تدين النظام وتتوعده بمصير مشابه لأقرانه من رؤساء دول عربية سقطت أنظمتها، وانتشرت تلك العبارات على جدر أبنية حكومية في أحياء عدة من المدينة.

لم يجرِ تداول خبر (الرجل البخاخ) في المحافظة حينها، إلا في حدود ضيقة، لأن الأجهزة الأمنية كانت تعمل على إزالة تلك العبارات بسرعة كبيرة، وأيضاً بسبب الخوف في أنفس الأهالي من تداول خبر كهذا، واستمرت حوادث العبارات أياماً عدة، نشر بعدها النظام نحو 20 نقطة أمنية في أحياء مدينة درعا وحاراتها، في خطوة منه لكبح أي محاولة لكتابة عبارات جديدة مسيئة إلى السلطة على جدر المباني الحكومية، ونوعاً من إرهاب الفاعلين بأن أعين النظام موجودة في كل مكان.

وعلى الرغم من وجود النقاط الأمنية استمرت الكتابات على الجدر، وكانت العبارات التي كتبت على جدر مدرسة (بني درعا البلد) في 27/2/20011 مفصلية في الجو العام للمحافظة، ولا يُعرف إن كان الأطفال قاموا بذلك وحدهم، أم قام آخرون بتحريضهم.

بعد حادثة المدرسة أقدم (عاطف نجيب) في ذلك اليوم نفسه على اعتقال 18 تلميذاً من أطفال المدرسة وجميعهم كانوا دون الـ 14 عاماً من عمرهم، بحجة أنهم قاموا بكتابة عبارات مسيئة إلى رئيس الدولة، وازداد الوضع سوءاً في المزاج العام لأهالي المحافظة بعد رفض (نجيب) إطلاق سراح الأطفال في أثناء لقائه عدداً من وجهائها، وأرسل إليهم كلمات تعدّ مسيئة جداً في عرف المحافظة وتقاليدها.

بعد لقاء (نجيب) الذي عُدّ مهيناً للمحافظة كلها، واعتقاد بعضهم أن هذا الشخص آت بمهمة من أعلى السلطة لاستكمال (ترويض) المحافظة أمنياً بعد السيطرة عليها اقتصادياً، انتشرت في أرجاء المحافظة جميعها قصة لقاء (نجيب) والطريقة غير اللائقة التي قابل بها وجهاء المحافظة، ورفضه إطلاق سراح الأطفال، لتكون الحافز للبدء بالتجهيز من أبناء درعا للقيام بتظاهرة حاشدة معتمدين على الوضع العام العربي، ومراهنين على أن النظام لن يجرؤ على القيام بأي حركة غير محسوبة لأنه يخشى الانفجار، وكان هدف التظاهرة في ظاهرها قضية الأطفال وإطلاق سراحهم، وكذلك إلغاء قانون الطوارئ المعمول به في البلاد منذ أربعة عقود، لكن الهدف الحقيقي للمظاهرة كان العمل على الانطلاق والبدء بانتفاضة الشعب وأن تكون تظاهرة مغايرة للمحاولات التي جرت في مناطق أخرى في سوريا، وبخاصة في دمشق.

كان التحدي يوم الجمعة الثامن عشر من آذار لعام 2011 كبيراً وهو التحدي الأول للسلطة منذ مذبحة حماه عام 1982، وحينها لم تكن أجهزة النظام قد استوعبت الأمر، لكن دخول آلاف في التظاهرة وصدح الحناجر بمطالبات كانت جديدة على مسامعها وهي إصلاح النظام، إضافة إلى المطالبة بالبندين المتفق عليهما الأطفال وقانون الطوارئ.

على وجه السرعة وصل الخبر إلى دمشق وعلى الرغم من وصول عشرات السيارات التابعة للأمن وحافلات حفظ النظام، إلا أنه مع مرور الوقت كان عدد المتظاهرين يزداد، وباءت محاولات أجهزة الأمن كلها لفض التظاهرة بالفشل، على الرغم من تدخل (نجيب) ومحافظ درعا آنذاك (فيصل كلثوم)”، بل وجدوا أنفسهم شبه محاصرين بين المتظاهرين ولاذوا بالفرار، لتتدخل بعدها مباشرة عناصر أجهزة الأمن الآتية من دمشق عبر خمس طائرات وصلت المحافظة، من خلال إطلاق الرصاص الحي باتجاه التظاهرة وقتل اثنين من المتظاهرين، ومن اللافت أن عناصر الأمن كانوا غرباء من حيث اللباس فجميعهم كانوا يرتدون اللون الأسود، وهو ما يعطي مؤشرات حول تجهيز النظام نفسه لمواجهة شرارة انتفاضة الشعب التي ستنطلق، ولهذا قدمت هذه العناصر بالطائرات على وجه السرعة من دمشق لقمع التظاهرة في درعا.

بعد تعاطي النظام مع المتظاهرين بهذه القسوة، جرى الاتفاق بين منسقي التظاهرة الأولى وأغلبهم في أعمار الشباب وجامعيين لا ينتمون إلى أي تيارات أو أحزاب مع وجود بعض المتعاطفين مع الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية، بأن يكون موكب القتيلين مناسبة لإعلان الانتفاضة في وجه النظام، وبالفعل أطلِقت أول صيحة صريحة (ثورة ثورة) في اللحظة التي دفن فيها القتيلان في 19/3/2011، وبعد هذا التاريخ انتقلت التظاهرات لتعم أغلب مناطق المحافظة بمدنها وقراها، وفي هذه الأجواء وجد النظام نفسه عالقاً في الزاوية وحاول أن يستعمل طريقة القمع واللين، ففي حين كانت أجهزته الأمنية تقتل المتظاهرين يومياً بدأت الدبابات تحاصر مدينة درعا وبلداتها، كان بشار الأسد يستدعي بعض وجهاء المحافظة يومياً لتهدئة الأوضاع، ومما نقل عن بعض من التقاهم الأسد في الأسبوع الثاني للإنتفاضة السورية، أنه كان يتعاطى مع الأمر على أن محافظة درعا عشائرية خالصة، وأن هؤلاء الوجهاء ومن بينهم إمام المسجد العمري (أحمد الصياصنة) يستطيعون أن يوقفوا (التمرد).

لكن المطلع بعمق على العلاقات الاجتماعية في المحافظة يدرك أن درعا ذات طابع عشائري ظاهرياً لكنه لا يحكمها، ففي حين نجد عشائر كبيرة ينتمي إليها عشرات آلاف كعشيرة الزعبي والحريري والمصري، لا يوجد في المحافظة ما يسمى شيخ العشيرة، فالعادات والتقاليد وقليل من الانتماء العشائري هو ما يحكم طبيعة العلاقات الاجتماعية، إضافة إلى دور إصلاحي وتوفيقي من بعض الوجهاء الذين كانوا يعملون على فض الخلافات بغض النظر عن عشائرهم ومثال على هذا الشيخ (أحمد الصياصنة)” وهو ابن عائلة صغيرة لكن مقامه الديني أعطاه قيمة بين أبناء المحافظة جميعهم و(الصياصنة) ليس الوحيد فهناك عشرات الأمثلة، ممن انحصر دورهم في هذا.

تلقى أبناء المحافظة خطاب بشار الأسد الأول في 29/3/2011 بنوع من تعالي السلطة على المحافظة، وبخاصة أن الخطاب لم يحو أي اعتذار عن قتل نحو 100 مدني في مدى 11 يوماً، بل وصف الأسد المتظاهرين بأنهم (إرهابيين)، وهنا لا يمكن الجزم أنه كان من الممكن أن تتوقف التظاهرات لو أن بشار اعتذر إلى درعا، فالمؤشرات التي خرجت في ما بعد تؤكد الاستمراريّة، ما دام النظام يقابل الهتاف والمطالبة بالحرية بالرصاص.

دخل جيش النظام مدينة درعا البلد في 25/4/2011 ولم يك هناك نية للانتقال من قبل المنتفضين إلى التسليح على الرغم من مقتل نحو 300 مدنياً خلال المدة من 18/3/2011 حتى تاريخ الاجتياح، لكن التصدي للدبابات والمجنزرات أتى بمبادرات فردية من أبناء المنطقة الذين لا يتجاوز عددهم الـ200 شاب وبسلاح فردي هو موجود في الأصل مع بعض أبناء المحافظة، في مواجهة نحو 5 آلاف جندي بعتادهم، ويبدو أن النظام استغل هذا الأمر ما ظهر جلياً في الأيام التالية للاجتياح، إذ جرى إرسال بنادق ورشاشات مع أحد ضباطه (الذي ادعى انشقاقه عن النظام) إلى وسيط مع أبناء المدينة ولم تكتشف خطة النظام هذه لانتشار السلاح إلا في ما بعد.

ومن الحوداث المفصلية التي انتقلت بالإنتفاضة في درعا إلى مرحلة اللاعودة مهما حصل كان تصدي النظام لفزعة أهالي ريف درعا للمحاصرين في درعا البلد بتظاهرات سلمية حاشدة من الريفين الشرقي والغربي، في 29/4/2011، إذ تصدت أجهزة أمن النظام للمتظاهرين بالرصاص الحي والرشاشات وقتل مئات الذين لم تعرف أعدادهم إلى الآن لكنها تقدر بما لا يقل عن 300 قتيل، إضافة إلى اعتقال مئات وكان من بينهم الطفل (حمزة الخطيب) الذي قتل تحت التعذيب وأصبح أيقونة.

من الأمور التي تسجل للمحافظة انشاق المجند (وليد القشعمي) من بلدة إبطع في ريف درعا الذي كان يؤدي خدمته في الحرس الجمهوري ويعدّ أول المنشقين في 23/4/2011 بعد أن رفض إطلاق النار على أهالي حرستا في ريف دمشق، وكذلك الملازم أول عبد الرزاق طلاس من مرتبات اللواء 15 بالقرب من مدينة إنخل في الريف الغربي، الذي انشق في 27/4/2011 ويعد أول ضابط منشق لينتقل بعدها إلى مدينة الرستن في حمص مسقط رأسه.

مرحلة التسليح

لم يتم التسليح فعلياً في المحافظة إلا في الشهر السابع من عام 2011، أي بعد خمسة أشهر على اندلاعها، ما تزامن مع إنشاء الجيش السوري الحر، إذ بدأ الشباب ينظم نفسه في مجموعات في بداية الأمر، ليجري دمجها في ما بعد وإعطائها صفات عسكرية كالسرية والكتبية، وكانت الأسماء في أغلبها لا تحمل أي معان ذات بعد ديني، فاعتمدت على الحالة التي خرجت منها ولأجلها، كالثامن عشر من آذار، الشهداء، الحرية، الكرامة، العمري.

وكان يغلب على العسكرة التي تشكلت في المحافظة طابع الصبر الاستراتيجي، كون درعا تعد ثكنة عسكرية كبيرة، تحتوي على ثلث القطع العسكرية للنظام، بحكم التراكم التاريخي في مدى نصف قرن من تشكيل الفرق العسكرية في المحافظة بوصفها منطقة مواجهة أمامية مع إسرائيل، وهو ما شكل تعقيداً كبيراً أمام المنتفضين في المراحل الأولى، نظراً إلى الإمكانات العسكرية البسيطة والبدائية لديهم.

وتعدّ (كتيبة العمري) التابعة للجيش السوري الحر، أول تشكيل عسكري أعلن في المحافظة، وكان ذلك في 30/9/2011، وأخذت الكتيبة على عاتقها مهمة حماية التظاهرات السلمية من قمع النظام، إذ استمدت اسمها من المسجد العمري في مدينة درعا، وتشكلت في الريف الشرقي من المحافظة، لتتحول بعد أقل من شهرين على تشكيلها، إلى (لواء العمري) بقيادة النقيب (قيس قطاعنة)، وضمت عدداً من الضباط المنشقين، إضافة إلى مئات العناصر سواء المنشقين عن النظام أم المدنيين الذين طلبوا الانضمام إلى اللواء، ويعدّ الهجوم على حواجز بلدة خربة غزالة /25 كم شمال شرق مدينة درعا/ وتأمين عدد من المنشقين أهم أعمالها في بداية تشكيلها، إضافة إلى خوضها معارك عنيفة ضد قوات النظام في منطقة اللجاة، وإعلانها محررة بالكامل في 6/6/2012.

أما التشكيل الثاني فكانت كتيبة (الشهيد أحمد الخلف) تكريماً للملازم المنشق (أحمد الخلف) في ريف درعا الشرقي وتعد من أولى التشكيلات كذلك في محافظة درعا إذ أعلن إنشاؤها في 22/10/2011، وضمت مئات المقاتلين، ولم تكن تملك إلا بنادق الكلاشنكوف والأسلحة الخفيفة، ومن أهم أعمالها في بداية تشكيلها، الهجوم على أرتال لقوات النظام بين بلدة تسيل ومدينة نوى في الريف الغربي في 25/11/2011، كذلك الهجوم على حافلات للأمن في مدينة إزرع /30كم شمال مدينة درعا/ وعددها أكثر من 15 حافلة، وقد بلغ عدد قتلى قوات الأمن قرابة 150 قتيلاً، وفق إحصاءات عدّة.

وتعدّ المدّة من نيسان 2011 حتى نهاية العام من المراحل ذات التسليح الداخلي، ولوحظ في تلك المدّة انخفاض أسعار السلاح والذخائر، وكان واضحاً دور النظام في ذلك عبر مهربين ووسطاء من النظام نفسه، وكثيرون أرجعوا هذا إلى الفساد الذي يعانيه النظام، وبخاصة ضمن صفوف ضباطه، لكن تلك المرحلة توثق بأن نظام الأسد عمل بكامل طاقته على تسليح المنتفضين داخلياً، معتمداً على ردات الفعل العاطفية من أهالي المحافظة على مقتل مئات من أبنائهم برصاص قواته.

بعد هذه المرحلة أي في مطلع عام 2012، بدأ السلاح يتدفق عبر الحدود الأردنية، وكان السلاح معظمه يأتي بأموال قطرية وسعودية وكذلك أمريكية، ودخل الدولار بشكل أوضح على خط الإنتفاضة، من خلال صرف رواتب شهرية في متوسط (50) دولاراً لكل مقاتل، فالمقاتلين أغلبهم مدنيون فقدوا مصدر رزقهم، وتزامن تدفق السلاح إلى المحافظة تقريباً مع تشكيل المجلس العسكري في المحافظة في نهاية آذار 2012، وبعد تشكيل المجلس العسكري اتخذ القتال ضد النظام نوعاً من التنظيم، وكانت هناك لقاءات دورية للمجلس مع القادة كلهم وكانت تجري إما في الداخل أو في العاصمة الأردنية، عمّان، إذ فُرغت ثلاثة فنادق في العاصمة على نفقة السعودية لحماية القادة العسكريين وعقد اللقاءات ووضع الخطط لشن المعارك ضد النظام، وصدر الأمر للمحافظات الجنوبية الثلاث، درعا وريف دمشق والقنيطرة.

وتميزت تلك المرحلة بمحاولات مئات الضباط المنشقين لعب أدوار في قيادة التشكيلات العسكرية، لكن محاولات أغلبهم باءت بالفشل في ما بعد، وفي ما يبدو أنه كان هناك تعمد واضح مما سُمي بـ(الدول الداعمة)، لتهميش الضباط المنشقين عن نظام الأسد وبخاصة ذوي الرتب العالية، واختصارها على بعض الأشخاص المرضي عنهم، وهو ما يفسر قيادة فصائل (الحر) أغلبها في درعا كما باقي مناطق سوريا، من أشخاص مدنيين في الأغلب في المراحل اللاحقة.

وعلى الرغم من أن تلك المرحلة اتسمت بعدم التدخل الكبير من (الدول الداعمة)، وكان دورها مختصراً إلى حد ما، على تلبية طلبات المنتفضين من السلاح الذي اقتصر على السلاح الخفيف والمتوسط والذخائر وسيارات النقل العسكرية، في حين كانت المعدات الثقيلة أغلبها التي يشارك فيها المنتفضين بمعاركهم، هي دبابات (الجيش السوري) التي استولوا عليها في المعارك.

كذلك فإن الصواريخ المضادة للدروع أو ما يعرف بصواريخ (التاو) كانت ممنوعة ولم يتسلمها المنتفضين إلا في ربيع 2014، فضلاً عن أن مضادات الطيران بقيت ممنوعة حتى إيقاف الدعم عن الجيش السوري الحر من واشنطن في مطلع عام 2018، بعد أن سبقتها بأكثر من عامين السعودية، في حين تحول التمويل القطري إلى الكتائب الإسلامية منذ العام 2014، وكذلك دعم مشروعات مدنية عبر ما عرف باسم (رابطة أهل حوران) وهي رابطة مدنية ضمت في صفوفها عناصر إسلامية ذات طابع مدني وأخذت على عاتقها المساهمة في المشروعات الخدمية والاجتماعية في المحافظة.

التحول في التشكيلات العسكرية

أعلن تشكيل ألوية وكتائب جديدة، ودُمِج عدد من الفصائل تحت راية واحدة، وأصبح في المحافظة عدد من الفرق والجيوش العسكرية (وفق مفهوم الجيش الحر) وأهم هذه الفرق والجيوش:

(جيش الثورة) وأعلن عن تشكيله في نهاية عام 2016 ويضم أكبر أربع تشكيلات في المحافظة وهي (جيش اليرموك، جيش المعتز بالله، فرقة الحق، فرقة المهاجرين والأنصار)، ويعدّ التشكيل الأكبر والأكثر انتشاراً في محافظة درعا، وتتوزع كتائبه وقواته في أغلب مدن وقرى المحافظة، إضافة إلى نقاط على خط التماس مع مناطق (جيش خالد) المبايع لتنظيم الدولة في منطقة حوض اليرموك.

 و(جيش الثورة) يعدّ الجهة المساندة لما يعرف بدار العدل في حوران (وهي المحكمة المعترف بها في المناطق المحررة في المحافظة) في القبض على الخارجين على القانون، وتجار المخدرات والحشيش.

(جيش شباب السنُّة) وهو تشكيل كبير ويتمركز في مدينة بصرى الشام في الريف الشرقي وكذلك في درعا البلد وبلدة الجيزة.

(فرقة فلوجة حوران) وتتمركز في بلدة النعيمة عند المدخل الشرقي لمدينة درعا، وتعدّ من الفرقة التي توقف تمدد النظام خارج مدينة درعا نحو الريف الشرقي.

(فرقة 18 آذار) وتتمركز في أحياء مدينة درعا المحررة، وتعدّ قوة مانعة لتوسع النظام نحو مناطق المدينة المحررة، لا سيما حي المنشية في درعا البلد، وحي طريق السد في مدينة درعا المحطة.

(فرقة أحرار نوى) وتتمركز في مدينة نوى ثاني أكبر مدن المحافظة، وكذلك في المناطق المحيطة بالمدينة.

(فرقة عامود حوران) مدينة بُصر الحرير في الريف الشمالي الشرقي؛ واتخذت هذا الاسم من دمج الفصائل التي شاركت في أول معركة كبرى ضد النظام في نهاية عام 2012.

(فرقة الحمزة) وتتمركز في مدينة جاسم في الريف الغربي للمحافظة وهي أي جيش الأبابيل وفرقة الحمزة من التشكيلات التي تتمركز في المنطقة الأصعب في المحافظة وتعرف بـ(مثلث الموت) وهو مثلث تلتقي فيه ثلاث محافظات (درعا، القنيطرة، ريف دمشق).

إضافة إلى تشكيلات إسلامية مستقلة معتدلة كفصيل (جند الملاحم) وهو تشكيل يضم عناصر منشقة عن جبهة النصرة، وكذلك فصيل (نور الهدى)، فضلاً عن تشكيلات كانت توجد في مرحلة من المراحل باسم (حركة المثنى) و(لواء شهداء اليرموك)، وغيرها عشرات التشكيلات التي ضمت في منتصف عام 2013 نحو 80 ألف عنصر، وشكلت هذه الفرق والألوية عامود العمل القتالي ضد النظام في المحافظة، لكن عدد المقاتلين انخفض مع مطلع عام 2018 إلى نحو 40 ألف، والسبب في انخفاض العدد يعود إلى قتل أعداد كبيرة منهم في المعارك في مدى سنوات الإنتفاضة، وكذلك الإصابات البليغة للآلاف منعتهم من الاستمرار في القتال، إضافة إلى ترك السلاح من أعداد أخرى والهجرة إلى دول الجوار أو إلى أوروبا.

ويُلاحظ أنه مع نهاية 2012 وبداية عام 2013 اتخذت المعارك في المحافظة طابع التحدي للنظام، من خلال التطور في السيطرة على الأهداف، وانتقلت من تحرير الحواجز والمخافر الصغيرة إلى مرحلة الهجوم على الثكنات العسكرية وتحرير القرى والبلدات الاستراتيجية، ما مكن المنتفضين الاستيلاء على السلاح الثقيل، إضافة إلى أن تلك المرحلة كانت تتميز باشتراك فصائل الجيش الحر جنباً إلى جنب مع فصائل إسلامية عدة بغض النظر عن أيديولوجياتها.

وكانت أولى المعارك ذات الطابع القتالي بالأسلحة كافة ما أطلق عليها معركة (عامود حوران) في ريف درعا الشمالي الشرقي في مدينة بُصر الحرير ومحيطها نهاية عام 2012 إذ استخدم الطيران الحربي بكثافة، بعد أن خسر النظام مواقع مهمة في تلك المنطقة وقُطع الطريق الأساسي بين درعا والسويداء.

أما المعركة الثانية فكانت معركة (الرماح العوالي) إذ استطاعت من خلالها الفصائل السيطرة على أجزاء مدينة درعا البلد معظمها، ومنها المسجد العمري الذي انطلقت منه أول تظاهرة ضد النظام وكانت تلك المعركة مابين شباط حتى آذار من عام 2013.

وما نقل عن قائد المجلس العسكري في درعا آنذاك (أحمد النعمة) قوله: كانت معركة (الرماح العوالي تمثل رمزية لأبناء المحافظة كلهم، وساهمت في هذه المعركة الفصائل جميعها، وعلى الرغم من محاولات النظام كلها للمحافظة على هذه المنطقة ذات الرمزية لنا وله، لإفشال المعركة وزج عناصر شيعية من إيران ولبنان لأول مرة في المحافظة، إلا أن الغلبة كانت لأصحاب الأرض).

وتوالت الانتصارات لمصلحة المنتفضين في تلك المدّة إذ استطاعوا تحرير (اللواء 38) في 23 آذار 2013م حين تمكن مقاتلو الجيش الحر وفصائل إسلامية أهمها (جبهة النصرة) السيطرة على (اللواء 38)- دفاع جوي الواقع بالقرب من بلدة صيدا شرق مدينة درعا، بعد اشتباكات عنيفة استمرت 16 يوماً، استطاعت خلالها كتائب (الحر) و(النصرة) الاستيلاء على أعداد كبيرة من الذخائر المتنوعة، وكذلك أسلحة معدات ثقيلة، وسُجل في تلك المعركة تمكن المنتفضين قتل قائد ذلك اللواء (العميد محمود درويش) الذي عرف عنه ارتكابه لمجازر كثيرة بحق أهالي درعا ومنها (مجزرة الفزعة) في 29/4/2011 أو ماعرف بمجزرة صيدا، وقتل فيها نحو 350، وأطلق سراح عشرات المعتقلين من سجن سري داخل اللواء.

ومن المعارك التي كانت نتائجها لمصلحة المنتفضين أيضاً، معركة (القادسية) التي انطلقت في مدينة بصرى الشام في 22/3/2015 ضد قوات النظام والميليشيات الشيعية المساندة له. كذلك معركة (يالثارات المعتقلين) وأعلن المنتفضون انطلاقها في الأول من نيسان 2015 بهدف تحرير معبر نصيب الحدودي (على الحدود السورية-الأردنية) في ريف درعا الشرقي، وتعد هذه المعركة استكمالاً لمعركة (أهل العزم) التي تمكّنوا من خلالها في 21/10/2014 التمهيد للسيطرة على المعبر بعد تحرير حواجز عدة واقعة على طريق (دمشق-عمان) الدولي.

كانت أيضا معركة (القصاص للشهداء) من المعارك المفصلية في المحافظة وبدأت في 9/7/2015، قامت بها فصائل عدة من الجيش الحر بهدف السيطرة على اللواء 52 ميغا في ريف درعا الشرقي، ويعد هذا اللواء ثاني أكبر لواء في جيش النظام، وبالفعل حُرر اللواء بعد أيام عدة.  

أما المعركة الأخيرة فقد انطلقت في منتصف شهر شباط عام 2017، وأطلق عليها اسم (الموت ولا المذلة) في حي المنشية في درعا البلد، وشاركت فيها فصائل عدة في المحافظة من خلال غرفة تنسيق عُرفت باسم (غرفة البنيان المرصوص)، فكانت هذه المعركة من المعارك التي اعتمد فيها المنتفضين على تكتيك عسكري دقيق ودراسة لطبيعة الجبهات، سبقت إعلانهم المعركة بأكثر من ستة أشهر.

 وتميزت المعركة بقدرتهم على التقدم وتحرير حي المنشية الاستراتيجي في مدينة درعا، وعلى الرغم من زج النظام كامل طاقتة القتالية ودخول الطيران الروسي ومشاركة ميليشيات إيرانية ولبنانية حاولت الالتفاف على المنتفضين بفتح جبهة من حي آخر على الطرف الثاني للمدينة (حي طريق السد)، إلا أن المنتفضون كانو مدركين أن النظام قد يحاول الالتفاف، وهو ما أوقع خسائر بشرية كبيرة في صفوف النظام والميليشيات الشيعية على جبهات ذلك الحي.

 ويسجل لمعركة (الموت ولا المذلة)، أنه ولأول مرة تعترف روسيا بصورة غير مباشرة بهزيمتها في معركة في سوريا، من خلال بيانين اثنين عبر الصفحة الرسمية على مواقع التواصل لقاعدة حميميم الروسية التي أرجعت السبب إلى تراجع القوات على الأرض لعدم وجود تنسيق ميداني في ما بينها، ولم تتوقف المعركة إلا بعد لقاء الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، على هامش قمة العشرين في الصين في 8/7/2017، وأُعلنت هدنة تشمل مناطق جنوب غرب سوريا جميعها (أي محافظة درعا).

دخول الإخوان وجبهة النصرة

كان الإخوان المسلمون يعملون في مدى تسعة أشهر على تقويم الأوضاع وكيفية الدخول إلى قلب الإنتفاضة في المحافظة التي كانت ترفض حتى بعد اجتياح جيش النظام مدينة درعا في نيسان 2011 وسمها بألوان دينية أو مناطقية.

في البداية حاول الإخوان اللعب على الوتر الديني للأهالي، لكن طبيعة المحافظة المعتدلة التي تغيب عنها مظاهر الغلو إلا في حده الأدنى، جعلت محاولاتهم تبوء بالفشل في البداية، إلا أن تطورات الأوضاع جعلت بعضاً من أبنائها يتقبلون فكرة مساعدتهم سواء من ناحية التسليح أم الإمداد المالي، واقتصرت في البداية على اتخاذ بعض الكتائب والسرايا أسماء إسلامية خالصة، وظهرت على أرض الميدان للمرة الأولى في آذار من عام 2012.

بعد أن ثبتت الفصائل الإخوانية مثل (حركة المثنى) قواعدها على الأرض، باتت تشارك إلى جانب فصائل الجيش السوري الحر المنتشرة في أرجاء المحافظة، وكانت هذه الفصائل ذات الطابع الإسلامي تشكل أقلية مقارنة بفصائل (الجيش الحر) صاحبة اليد الطولى في المعارك ضد نظام الأسد التي كانت تستهدف الحواجز والنقاط التي زرعها النظام ضمن الأحياء للاعتقال والتنكيل.

ومع توغل النظام في قتل المدنيين من خلال القصف بمختلف صنفوف الأسلحة الأرضية والجوية، واقتناع كثير من أهالي المحافظة بأن الوضع في سوريا يختلف عن بلدان الربيع العربي، ويتطلب الدخول في مواجهة متكافئة مع النظام، وبخاصة أنه ترافق مع سكوت أو تأييد من الأقليات أغلبها في سوريا، كذلك التصريحات الدولية التي بدت غير مشجعة على الرغم من القتل اليومي، بدأ المزاج العام نوعاً ما يتقبل دخول تيارات إسلامية جهادية متمثلة بـ(جبهة النصرة)، ودخل فعلياً التيار الجهادي على خط الانتفاضة في درعا مطلع عام 2012 (متزامناً مع بدء تدفق السلاح إلى المحافظة من الخارج)، وكان دخول (النصرة) عن طريق الحدود الأردنية ممثلة بشخصيات قيادية في صفوفها أبرزهم القيادي البارز في تنظيم القاعدة (مختار الأردني) (الذي قتل لاحقاً في معركة مثلث الموت) و(أبي أحمد أخلاق) فسلطيني الجنسية، و(أبو جليبيب) أردني الجنسية، وأقاموا في بلدة اليادودة، لينتقلوا بعدها إلى بلدة معربة في الريف الشرقي ويؤسسوا أولَ معسكراتهم فيها، بعد أن أصدرت في 24 /1/ 2012 بياناً طلبت فيه من السوريين حمل السلاح ضد النظام، ثم انتقلت في ما بعد إلى بلدة المسيفرة لتكون مركزاً لها في المحافظة.

ومن أسباب دخول (النصرة) -إضافة إلى المزاج العام الذي أشرنا إليه سابقاً- وجود بضع مئات من المؤيدين للفكر السلفي الجهادي من أبناء المحافظة، ازداد بعد إطلاق النظام سراح مئات من أصحاب هذا الفكر في تموز 2011 الذين بدؤوا منذ خروجهم من السجن بالتخطيط لدخول (التيار الجهادي)، لكن معرفتهم لطبيعة المحافظة المعتدلة جعلتهم يترددون في التقدم بأي خطوة لا تعرف نتائجها، إذ بدؤوا ينظمون أنفسهم بعيداً من أعين الجميع، حتى أتت قياداتهم من خارج الحدود.

ويُسجل في تلك المرحلة مشاركة (النصرة) وتنسيقها مع الجيش الحر، وجرت عشرات المعارك المشتركة، وبقي الوضع على هذا النحو حتى منتصف عام 2014 وخلال المدّة من مطلع عام 2012 حتى صيف 2014، كان لـ(النصرة) وجود وتأثير قوي على الرغم من عددها القليل الذي لا يتجاوز ـ5 آلاف عنصر، مقارنة بـ 80 ألف من الجيش الحر، والتأثير جاء من خلال اللعب على العاطفية الدينية من (النصرة) الذي تزامن مع مجازر طائفية ارتكبها النظام في مناطق عدة من سوريا، فضلاً عن زج الجبهة الانتحاريين في معاقل النظام إذ أوجعوا النظام كثيراً من خلال الأعداد الكبيرة لقتلاه، ما جعل شعبيتها تزداد، وبدا أن قادة (النصرة) شعروا بأريحية أكثر ووجدوا الوقت قد حان للتمدد أكثر ضمن المجتمع الحوراني، واتخذت شعارات ذات طابع مغاير لأهداف الإنتفاضة، عندما أعلنوا صراحة أن معركتهم دينية في صيف 2013 وازدادت الميليشيات الشيعية القادمة من إيران والعراق وأفغانستان وباكستان إلى سوريا، إذ لاقى هذا الأمر ترحيباً قوياً بين فئات واسعة من المحافظة، ووجدت فيها المخلص والحامي من ظلم النظام والميليشيات الشيعية، وباتت (النصرة) مسيطرة على مناطق واسعة من حيث التأثير، وفي الوقت نفسه مسيطرة على قادة فصائل تابعة للجيش الحر وأصبح قادة (النصرة) هم أصحاب القرار الأول والأخير في المحافظة، ووصل الأمر إلى إنشاء محكمة باسم (الكوبرا) وكانت لها اليد الطولى في المناطق المحررة كلها في المحافظة تعتقل من تشاء وكيفما تشاء.

واللافت أنه في تلك المرحلة كان بعض قادة الجيش الحر وعناصره ينظرون إلى (النصرة) بوصفها المعلم والموجه، إلا أن حالة الود بين الأهالي وعناصر الحر من جهة و(النصرة) من جهة ثانية، بدأت تتحول إلى كره وضغينة، بعد ما عدوه تجاوزاً من الجبهة لهدف (نصرتهم ضد ظلم النظام)، من خلال التركيز على أمور لاعلاقة للإنتفاضة بها (وفق مفهوم أبناء المحافظة) كتطبيق الشريعة الإسلامية وفق مفهوم (“النصرة)، وهو ما بدا أمراً غريباً على طبيعة المحافظة المعتدلة، كذلك كان هدم قبور الرموز دينية والمحاكمات الكفرية وغيرها، فضلاً عن تدخل عناصرها في مناحي الحياة جميعها سواء الاجتماعية أم الاقتصادية، ومحاولتهم الدخول إلى عمق المجتمع وتغيير مفهوماته الدينية أو عاداته وتقاليده، وهو ما يمكن وصفه بتجاوز للخط الأحمر، إضافة إلى محاولات متكررة من الجبهة لإنزال علم الثورة السورية لأنه علم (علماني) ينافي الشريعة، في الوقت الذي كانت فيه فصائل الحر ما تزال في ساحة المعارك تقاتل على جبهات واسعة في المحافظة ضد نظام الأسد تحت هذه الراية.

هذه الامور كلها أدت إلى ردات فعل سلبية ضد (النصرة)، ومما زاد النظرة السلبية أن قادة الصف الأول فيها معظمهم كانوا من غير السوريين وأتوا من خارج البلاد، وأدرك كثيرون من أبناء المحافظة في تلك المرحلة وجود اختلاف كبير بين ما يريد هؤلاء (الغرباء) فرضه على أهل المحافظة من تعاليم دينية وثقافية، وما تعلموه وعرفوه فبدا الأمر وكأنهم أصبحوا تحت احتلال رضوا به.

وعلت الأصوات بعد اعتقال قياديين عسكريين كثر في الجيش الحر وقتلهم من (جبهة النصرة)، أهمهم (أحمد النعمة) قائد المجلس العسكري في المحافظة الذي اعتقل في أيار عام 2014، وتمت تصفيته في ما بعد بتهمة تسليم بلدة خربة غزالة استرضاء للدول الداعمة،وهذا الاعتقال عُدّ تجاوزاً خطراً، لا سيما أنه اعتقال لأرفع قائد عسكري في (الحر) في مستوى المحافظة، إذ خرج عدد من التظاهرات في مناطق عدة هتف فيها المتظاهرون بأن هذا الأمر لا يمكن السكوت عنه ولا يمكن تجاوزه، وتحول المزاج العام من القبول إلى الرفض بالنسبة إلى وجود (النصرة)، وحدث أن طلب أهالي بعض البلدات والمناطق من عناصر (النصرة) مغادرة بلداتهم، كما حصل في مركزهم الرئيس في بلدة المسيفرة في الريف الشرقي (كانت المسيفرة مركز الجبهة الأخير في المحافظة قبل أن تبدأ الخروح منها)، بوصفهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم، واضطر مقاتلو الجبهة إلى المغادرة مرغمين، فلا خيار آخر لهم، ولا قاعدة شعبية تقبل وجودهم والفصائل العسكرية تفوقها بعشرات المرات والتفكير في دخول معارك مع (الحر) يعني الانتحار.

بدأت النصرة بالخروج تدريجياً ابتداءً من صيف 2014، وتوجه عناصرها أغلبهم إلى إدلب في الشمال السوري، وتجمع قسم صغير في محافظة القنيطرة، ولم يبق في المحافظة مع مطلع العام 2015 سوى 500

عنصر، وهو رقم يشكل 10 في المئة من أصل تعداد (الجبهة) في المحافظة، منتصف عام 2013، أما العناصر المتبقية فهم من أبناء المحافظة، وبين الحين والآخر يدخلون في مواجهة مع عناصر (جيش خالد) في وادي اليرموك، إضافة إلى وجود حواجز عدة لهم لا تتجاوز الثلاثة في كامل المحافظة.

على الطرف الآخر، تحولت الحركات الإخوانية وأهمها حركة (المثنى) بعد مقتل مؤسسها (عامر مسالمة) واستلام شقيقه (ناجي المسالمة) القيادة، إلى حركة سلفية جهادية، وعلى الرغم من إعلانها الصريح فكرها السلفي، كان أهالي المناطق التي تتمركز فيها هذه الحركة وبخاصة في مدينة درعا البلد وبعض المناطق في الريف الغربي ومدينة بصرى الشام في الريف الشرقي، تقبلها لشراسة مقاتليها وقبولهم الانضمام إلى الجبهة الجنوبية ومن ثم كانت ضمن فلك الجيش الحر، لا سيما أن قتالها كان في أغلبه إلى جانب فصائل (الحر)، كذلك انحدار مقاتليها جميعهم من المحافظة وتساهلها مع الأهالي من حيث تطبيق الشريعة مقارنة بـ(جبهة النصرة)، جعلها موضع ترحيب من بعضهم، لكن هذا لم يدم طويلاً بعد أن ازدادت عمليات الاغتيال لقيادات عسكرية ومدنية ودينية في المحافظة، وكشف أن هذه الحركة كانت وراء هذه الاغتيالات.

كان مطلع العام 2016 مرحلة مفصلية في تاريخ المحافظة وكاد أن يصل إلى اقتتال الإخوة بعد أن انشطرت المحافظة إلى شطرين تقريباً، بين مؤيد لحركة (المثنى) بافتراض أن ما حصل دعوة من الخارج إلى قتال الحركة وبث الفتنة من خلال إلصاق التهم بها، ومعارض لها بافتراض أنها حركة أهدرت دماء أبناء المحافظة ويجب التخلص منها بعد كشف جرائمها.

لكن إعلان الحركة الانضمام إلى لواء (شهداء اليرموك) المبايع لتنظيم الدولة والمتمركز في منطقة وادي اليرموك (في أقصى الريف الغربي يحده من الغرب الجولان المحتل ومن الجنوب الأردن) كان كفيلاً بنزع فتيل الفتنة، وكشف المنهج الحقيقي لهذه الحركة ونياتها، وبعد انسحاب الحركة من مناطقها وكشف قياديي الحركة نياتهم ومنهجهم، أعلن كثير من عناصرها ترك الحركة واندمجوا مع فصائل إسلامية معتدلة سواء تابعة لـ(الحر) أم مستقلة، في حين شوهد كثير من قيادات (المثنى) في مناطق سيطرة تنظيم (الدولة) بعد أشهر من تلك الحادثة، فيما بقي قسم ويمثل نصف الحركة التي كان عددها نحو ألفي عنصر في مناطق (لواء شهداء اليرموك)، إذ شُكل من اللواء والحركة ما بات يعرف بـ(جيش خالد) المبايع لتنظيم الدولة الإسلامية.

لواء (شهداء اليرموك) المبايع لتنظيم (الدولة)

أسس هذه اللواء السجين السابق في سجن صيدنايا (محمد البريدي) ذاع صيت اللواء عندما اختطفت 21 جندياً فلبينياً من قوات حفظ السلام الأممية في أوائل شهر آذار/ مارس 2013، وأطلقت سراحهم يوم 10 آذار/ مارس 2013.

يعدّ هذا اللواء من أكثر الألوية المثيرة للجدل في درعا، فعلى الرغم من تشكيله في البداية بوصفه لواء تابعاً للجيش الحر ذي طابع إسلامي، وكان متصلاً مع المجلس العسكري عام 2012 وكذلك الجبهة الجنوبية عام 2014، وتلقى الدعم من غرفة عمليات (الموك) أكثر من ستة أشهر حتى منتصف عام 2014 أصبح منعزلاً تدريجيا، بسبب دلائل بدأت تأتي من مناطق سيطرة اللواء تشير إلى أنه مبايع لتنظيم (الدولة الإسلامية).

أغلب مقاتلي هذا اللواء هم من أبناء تلك المنطقة، ويبدو أن مؤسسه استغل الوضع العام لتلك المنطقة التي تعدّ من أقل مناطق المحافظة تعليماً، والأقل دخلاً مقارنة بغيرها من المناطق لعدم اعتمادها على الهجرة، كما أنها بيئة غير (منسجمة) اجتماعياً فهي خليط من نازحي الجولان وأبناء المنطقة والبدو والفلسطينيين، فكانت بيئة ملائمة استغل من خلالها (البريدي) وبعض من رفاقه، هذا الوضع وانتقل بمقاتليه من فصيل إسلامي معتدل ضمن صفوف الجيش الحر إلى حركة جهادية متشددة مبايعة لتنظيم الدولة الإسلامية.

في أواخر 2014، دخل اللواء في سلسلة من الاشتباكات المتقطعة مع جبهة النصرة، وفي نهاية 2014 شنت النصرة هجوماً ضد اللواء حتى تدخلت أطراف أخرى وأجبر اللواء على البقاء في قواعده في بلدتي جملة والشجرة.

قتل الأمير العسكري للواء شهداء اليرموك يوم 5 تموز 2015 في اشتباكات عنيفة في حوض اليرموك بين اللواء من جهة، وجيش الفتح في المنطقة الجنوبية المتمثل بـ(جبهة النصرة) وأحرار الشام من جهة أخرى.

 ودخل اللواء بعد مجيء حركة (المثنى) واندماجها معه باسم (جيش خالد) في معارك طاحنة من عناصر الجبهة الجنوبية التي بدأت منذ شباط 2016 حتى يومنا هذا.

تسيطر اليوم الحركة على خمس قرى ومزارعها ضمن وادي اليرموك بمساحة تقدر بنحو 30 كم، يحدها من الغرب (الجولان المحتل) ومن الجنوب الأردن، فيما الجهة الشمالية والشرقية مع مناطق سيطرة (الحر).

وتعد منطقة وادي اليرموك الوحيدة التي يوجد فيها تنظيم (الدولة) في المحافظة، وكذلك تعد المنطقة الوحيدة التي لا يرفع فيها علم الثورة في المناطق المحررة التي تشكل نحو 65 في المئة من مساحة المحافظة.

غرفة العمليات الدولية في الأردن (الموك)

تشكلت غرفة عمليات دول أصدقاء سورية بعد القرار الذي أعلنته وزارة الدفاع الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية لنظام الأسد بعد استخدامه السلاح الكيماوي في غوطتي دمشق في صيف عام 2013، وهذه الغرفة ومقرها العاصمة الأردنية عمان، مخصصة للعمليات العسكرية المشتركة وسميت (الموك MOC) اختصاراً لـ (Military Operation Cooperation) وضمت بريطانيا وفرنسا ودولاً عربية أهمها السعودية والإمارات والأردن لدعم (الجبهات الجنوبية، إضافة إلى تنسيقهم مع الائتلاف الوطني) برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إدارة العمليات العسكرية في الجنوب السوري الأقرب إلى العاصمة.

وضمت الغرفة فصائل الجيش الحر كلها ضمن اتفاق الجبهة الجنوبية في أواخر عام 2013، وأعلن عنها رسمياً في شباط 2014، وقع يوم الإعلان عن تشكيل الجبهة الجنوبية 50 فصيلاً عسكرياً من محافظات درعا وريف دمشق والقنيطرة، إذ قدمت غرفة العمليات المشتركة «الموك» الدعم لكتائب الجيش الحر ذات الطابع المعتدل، من خلال الدعم المالي، إضافة إلى تقديم الدعم لأغلب متطلبات أي تشكيل عسكري من الدعم بالسلاح، كتزويد كتائب الجيش الحر بصواريخ (التاو) الأمريكية المضادة للدروع وتذخير المعارك التي تطلقها كتائب (الحر) من ذخيرة الرشاشات الثقيلة وصولاً إلى قذائف الهاون.

وتلتزم غرفة (الموك) بتزويد فصائل الجيش الحر، بالرواتب الشهرية للمقاتلين، وتلتزم مقابل ذلك أغلب الفصائل، بخطوط عريضة تقترب من أهداف الإنتفاضة السورية وتلامسها، وهي مكافحة الإرهاب وتمدده، وإنشاء دولة مدنية في سوريا، ونبذ الطائفية بأشكالها كافة، وحماية الأقليات الدينية والعرقية في سوريا، والإقرار بحق السوريين كلهم في تحديد مصيرهم، إضافة إلى إقامة دورات عسكرية في الأردن لمقاتلي الجيش الحر، وذلك على غرار ما قامت به روسيا وإيران تجاه النظام، من دعم بعدة وعتاد.

وعلى الرغم من الانتصارات الكبيرة التي أحرزتها فصائل الجيش الحر نظراً إلى ما حققته غرفة (الموك) من توحيد لقنوات الدعم الدولي لكتائب الجيش الحر وضبطها والعمل على توزيعها، وهو ما ساعد في تقارب فصائل (الحر) بعد توحد الجهات الداعمة لها، إلا أن بعضهم يرى أنها تعمل على اختبار الفصائل وتدريبها لتكون قاعدة لبناء دولة سوريا الحديثة، فيما يعارض بعض آخر هذا ويقول إنها كانت تعمل على زيادة الدعم تارة وإيقافه تارة أخرى، حتى لا يحقق المنتفضون تقدماً كبيراً في المنطقة، لهذا انسحب القيادي في حركة أحرار الشام الإسلامية من الغرفة لأن الغرفة بحسب رأيه تريد دمى، معلناً ما قاله مندوب الاستخبارات الأمريكية في أحد الاجتماعات، (لن نسمح لكم بالعمل من دون استشارتنا).

وأن للغرفة خطوطاً حمراء يجب عدم تجاوزها، وعدم اتخاذ قرار معركة أو تنفيذها إلا بعد أخذ الموافقة من الغرفة عن طريق ممثلي الفصائل. وتنفيذ الأوامر بالتقدم أو الانسحاب من أي منطقة من دون أي تذمر أو رفض.

والأمر نفسه أكده بعض القادة الميدانيين الذين انسحبوا، أنه (عند اقتحام تل قرين في مثلث الموت والسيطرة على أولى المساتر واستخدام صواريخ الكورنيت وإعطاب عدد من الآليات، أتى الأمر من ممثلي الفصائل في الأردن في عمان بالانسحاب).

ونقل عن القيادي (عماد السعدي) في لواء (أبي عبيدة بن الجراح) قوله قبل مدة إنه (عند بدء أي عمل عسكري يبدأ العمل بالأسلحة الثقيلة مدّة قصيرة جداً، ومن ثم تختفي بعد أن يجري التواصل من ممثلي الفصائل في الغرفة مع القادة على الأرض لتتوقف المعركة، أو يجري تحويلها إلى قتال في حوض اليرموك، (أي مع تنظيم الدولة الإسلامية الذي يمثله جيش خالد بن الوليد).

 بقي أن نقول إنه أعلن إغلاق غرفة (الموك) في مطلع عام 2018، بعد قرار الرئيس الأمريكي (ترامب) بإيقاف الدعم لفصائل الجيش الحر، لكن بعضهم يقول إن الغرفة ما تزال موجودة وتجري الاجتماعات فيها حين تتطلب المرحلة ذلك، كما حصل مؤخراً بعد معركة الغوطة الشرقية، إذ جرى اجتماع في العاصمة الأردنية، وخرجت تسريبات عن تحذير (الموك) للفصائل في درعا من فتح معركة ضد النظام، لأنها واقعة ضمن هدنة معلنة، والرد فقط حين يخرق النظام أو الروس الهدنة، في المقابل أعطت الغرفة تطمينات أنه في حال خرقت الهدنة من النظام والروس وفتحوا معركة، سيجري تقديم الدعم اللازم لهم لصد الهجمة كما حصل في معركة (الموت ولا المذلة) في العام الماضي.

منطقة (مثلث الموت)

يشكل (مثلث الموت) نقطة التقاء محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق، وتعدّ من أكثر البقع الجغرافية حساسية في مستوى البلاد، وذلك لأهميتها الاستراتيجية سواء بالنسبة إلى للنظام وداعميه أم بالنسبة إلى فصائل المنتفضين.

وتضم هذه المنطقة تلالاً (حاكمة) أبرزها الهبارية، السلطانية، حمريت، تل فاطمة، وتل غرين، وجميعها الآن تقع تحت سيطرة قوات الأسد والميليشيات التي تقودها إيران.

وكانت فصائل من الجيش الحر وفصائل إسلامية قد سيطرت على المنطقة في أواخر عام 2014، واحتفظت بها نحو ستة أشهر، قبل أن تستعيدها ما أطلق عليها اسم (القوات المشتركة) وتضم كلاً من (لواء فاطميون) الأفغاني و(حزب الله) اللبناني، و(اللواء 90) و(الفرقة السابعة) من قوات الأسد، بإدارة خبراء (الحرس الثوري) الإيراني وذلك في شباط 2015.

وجرت محاولات عدة من النظام وتلك الميليشيات للتقدم خارج (مثلث الموت)، حتى بعد إعلان الهدنة في درعا، وكانت أخر تلك المحاولات في نهاية عام 2017، حين حشد النظام وإيران و(حزب الله) قوات ضخمة على حدود المثلث، بهدف الوصول إلى تل الحارّة الاستراتيجي (أعلى تل في محافظة درعا)، لكن عادت أدراجها بعد أسابيع من تمركزها في المنطقة، ويبدو أن السبب يعود إلى خط أحمر إسرائيلي- أمريكي يمنع تجاوز القوات الإيرانية جنوب المثلث.

العلاقة مع السويداء والقنيطرة  

اتسمت العلاقة بين درعا (ذات الغالبية السنيُّة) والسويداء (ذات الغالبية الدرزية) منذ مطلع القرن الماضي بحسن الجيرة، وتطورت العلاقات في مدى عشرات السنين، وعلى الرغم من وجود حالات اقتتال بين الفينة والأخرى بين قرى الريف الغربي للسويداء وقرى منطقة اللجاة التي كثيراً ما كانت تسفر عن سقوط بعض القتلى من الطرفين كليهما، إلا أنها لم تؤثر كثيراً في العلاقة الجيدة عموماً بين أبناء السهل والجبل.

كذلك فإن العلاقة بين الدروز وسكان اللجاة لم تكن متوترة باستمرار، بل هي استثناءات كانت تحدث كل عدة أعوام، ولم تأخذ طابعاً دينياً، بقدر ما شكلت تعديات من أحد الطرفين على الآخر كما حصل عام 2000، كذلك في مراحل عدة قبل الأزمة السورية وبعدها.

وعلى صعيد العلاقات التجارية بين المحافظتين، فكانت تمتاز بأنها جيدة، إذ إن الخضروات معظمها كانت تأتي من محافظة درعا وما تزال، في المقابل كانت نسبة كبيرة من فواكه السويداء يجري تسويقها في درعا، أيضاً مياه الشرب في محافظة السويداء معظمها كانت تأتي من بحيرة المزيريب في ريف درعا الغربي، وتصل عبر قناة ضخمة.

بعد قيام الإنتفاضة بقيت العلاقة حسنة، وكان للجيش الحر في درعا وأهل المحافظة وكذلك كثير من أبناء السويداء دور كبير في بقاء العلاقة على هذا النحو، وبخاصة أن النظام حاول أكثر من مرة افتعال حوادث في البداية وفي أوقات لاحقة، وذلك لبث الفتنة بين أبناء المحافظتين، لكن سرعة كشف المسؤول عن تلك الحوادث، كما حصل حين جرى اختطاف حافلة لعناصر من الشرطة المدنية من أبناء السويداء عام 2013، تبين بعد أيام بأن النظام هو من قام باختطافهم.

لكن في المدّة ما بعد عام 2013 بعد أن سيطرت (جبهة النصرة) (قبل أن تنسحب في وقت لاحق) على بعض المناطق الحدودية مع السويداء، وكذلك وجود ميليشيا (اللجان الشعبية) من أبناء السويداء التي أنشأها النظام على خطوط التماس مع محافظة درعا التي كانت تقصف قرى وبلدات كثيرة في درعا، جعل العلاقة تأخذ طابع الحذر والتوجس، إلا أن هذه العلاقة لم تذهب الى الاقتتال، إلا في استثناءات قليلة منفصلة بين عصابات امتهنت الخطف من المحافظتين كلتيهما، عملت على الخطف والخطف المضاد وظهرت بوضوح أكثر مع بداية عام 2015 وهي مستمرة حتى الآن، وبعضها تبين أنها تتبع للرئيس الأسبق للأمن العسكري في السويداء (وفيق ناصر).

ويشار إلى أن العادة بين أهالي المحافظتين كانت تقوم على تبادل الزيارات الدورية سواء في الأفراح أم الأتراح، إلا أن هذه الزيارات انقطعت بعد قيام الإنتفاضة بمدّة قصيرة، ويعود هذا إلى الوضع الأمني في درعا، والوضع الحيادي الأقرب إلى صف النظام في السويداء، مع الإشارة إلى أن هذا الانقطاع ليس له طابع طائفي، بقدر التفاوت في الموقف من الإنتفاضة في المحافظتين كلتيهما، وكذلك حالة عدم الاستقرار الأمني، وأكبر مثال على ذلك وجود ما بين 30 و40 ألف من أبناء درعا في محافظة السويداء.

أما في ما يخص العلاقة مع محافظة القنيطرة، فهي تعدّ امتداداً طبيعياً وسكانياً لسهل حوران ومساحة القنيطرة أغلبها كانت تابعة لمحافظة درعا حتى عام 1965، لهذا حين يجري ذكر اسم درعا غالباً ما يتبادر إلى ذهن كثيرين، سواء من أبناء المحافظتين أم في سوريا، اسم القنيطرة والعكس صحيح، وترسخ هذا المفهوم بعد الإنتفاضة، وتمثل واقعاً على الأرض من خلال عمل فصائل المحافظتين أغلبها على جبهات القتال يداً بيد، لا سيما فصائل الجيش الحر، إضافة إلى وجود آلاف النازحين سواء من درعا في القنيطرة أم العكس، ويعود سبب هذه العلاقة التي وصلت حد التوءمة، إلى الرابط العائلي والديني والعادات والتقاليد التي هي في الأساس واحدة على الرغم من التقسيمات الإدارية.

منطقة اللجاة

اللجاة وهي هضبة بازلتية ذات طبيعة صخرية وعرة وصعبة، تقع شرقي درعا ومحاذية للسويداء، تبلغ مساحتها نحو 800 كم مربعاً، وتشكل ما نسبته نحو 20 في المئة من مساحة المحافظة، وتضم المنطقة 24 قرية ويسكنها قرابة 55 ألف نسمة.

تعدّ منطقة اللجاة موطناً لكثير من القبائل العربية، أهمها شمر والعنزي وغيرها من العشائر العربية، وهذه المنطقة تعد من أكثر المناطق التي عانى منها الفرنسيون في أثناء الثورة السورية الكبرى ضدهم، لما لها من خواص، أهمها، عدم قدرة الآليات على دخولها لوعورة أرضها، إضافة إلى معرفة أهلها طرق المنطقة ومسالكها، وهذه الميزات جعلت منطقة اللجاة أول منطقة تسيطر عليها الفصائل في درعا في منتصف عام 2012، إلا أن صعوبة المنطقة الوعرة كان لها آثار سلبية، جعلت فيها نسبة التعليم أقل نوعاً مقارنة بباقي قرى المحافظة ومدنها خارج منطقة اللجاة.

يعيش سكان منطقة اللجاة حالياً، وفق ما أكده كثير من الناشطين هناك، أوضاعاً إنسانية صعبة منذ أعوام، ما ترافق مع تراجع كبير في قطاع الثروة الحيوانية، وهي أهم مورد رزق لسكانها، وقد زاد الأوضاع سوءاً ابتعاد منظمات المجتمع المدني العاملة في الجنوب عن التكفّل بمشكلات المواطنين المختلفة في تلك المنطقة.

الآن تتمركز في المنطقة ألوية العمري وعناصرها جميعهُم من أبناء المنطقة، وتعد القبلية والعشائرية السمة الأوضح في هذه المنطقة، والسبب في ذلك انتماء سكانها جميعهم إلى القبائل العربية.

 الوضع الاقتصادي الآن

على الرغم من تراجع الوضع الاقتصادي في سوريا وانتشار الفقر المدقع لا سيما في المناطق المحررة وذلك في إثر سبع سنوات من القتل والتدمير، إلا أن محافظة درعا تعدّ الى حد كبير من أكثر المناطق الخارجة على سيطرة النظام، وما تزال فيها شريحة واسعة تعيش على خط الفقر وما فوقه، مع وجود شريحة أصبحت بالفعل تحت خط الفقر.

ويعود بقاء الأوضاع المعيشية ضمن شريحة واسعة في المحافظة في حدود المعقول إلى أسباب عدة هي:

1- استمرار تدفق التحويلات المالية من أبناء درعا في الخليج، وكذلك من المهاجرين أو اللاجئين الجدد في الدول الأوروبية.

2- استمرار عجلة الزراعة في كثير من المناطق وبخاصة في الريف الغربي ما أدى إلى انخفاض أسعار كثير من المحصولات الزراعية، مقارنة بباقي مناطق سوريا، إضافة إلى استمرار كثير من المزراعين بتسويق محصولاتهم في مناطق سيطرة النظام سواء في العاصمة دمشق أم في السويداء، ومن ثم الحصول على مزيد من الموارد المالية لشريحة مقبولة في المحافظة.

3- دخول منظمات دولية إنسانية وافتتاح عشرات المشروعات الخدمية والتعليمية من تلك المنظمات، ورفدها بكوادر من أبناء المحافظة، إذ يبلغ متوسط الرواتب في هذا المنظمات قرابة الـ200 دولار وهو مبلغ جيد في ظل الأوضاع الراهنة.

ما بعد الهدنة؛ ورؤية مستقبلية

دخلت المحافظة في هدنة معلنة بعد لقاء بين الرئيسين الأمريكي (دونالد ترامب) والروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين في الصين في 8/7/2017، ما جعلها تختلف عن المناطق جميعها التي أعلنت فيها عن هُدن باسم مناطق (خفض التوتر) التي كانت من مخرجات مؤتمر (آستانة) الذي أثبت الواقع على الأرض في ما بعد، أنها جاءت لمصلحة الروس والنظام بعد الاستفراد بالمناطق الواحدة تلو الأخرى.

تتميز الهدنة في درعا بأنها ثابتة وجاءت وفق تفاهمات أمريكية- روسية في أعلى المستويات، ما يجعل الوضع مشابهاً تقريباً لوضع الشمال السوري، حيث الدور التركي الواضح بعد تفاهمها مع موسكو وطهران، في منع اقتراب النظام والميليشيات من تلك المناطق.

ويعد الجنوب السوري الذي تُشكل محافظة درعا الجزء الرئيس فيه، منطقة نفوذ أمريكي، يُمنع على الروس والإيرانيين والنظام، تغيير وضع السيطرة في المحافظة التي لم تتغير منذ عام 2015، إلا بسيطرة المنتفضين على حي المنشية في درعا البلد، وعلى الطرف الآخر السيطرة على مدينة الشيخ مسكين وبلدة عتمان في شمالي مدينة درعا.

تسيطر اليوم فصائل الجيش الحر على 65 في المئة من مساحة المحافظة، وهذه الفصائل تشكل أكثر من 95 في المئة من مجمل الفصائل الموجودة في درعا، فيما الفصائل الإسلامية على اختلاف انتماءاتها ومناهجها، لا تشكل أكثر من 5 في المئة ولا تسيطر على أكثر من 3 في المئة من المناطق المحررة في المحافظة.

إن أكثر ما يجري الحديث عنه في درعا، هو انقلاب الوضع ، لا سيما أن الدعم الأمريكي لـ(الحر) توقف منذ مطلع عام 2018، وترافق ذلك مع سيطرة النظام بمساندة الروس والإيرانيين على مناطق عدة في البلاد، ما جعل فصائل درعا تتجهز للمواجهة على الرغم من الضغوط التي مارستها واشنطن على هذه الفصائل، من أجل عدم الدخول في أي معركة مع النظام، وبخاصة في أثناء معركة الغوطة الشرقية الأخيرة، وعدّت واشنطن الهدنة ثابتة في درعا وأنها ستكون منطلقاً للفصائل المعتدلة في سوريا، لكن ما حصل للفصائل الكردية المدعومة من واشنطن، وتركها لقمة سائغة للأتراك، جعل الفصائل المنتشرة على طول المحافظة تعمل منذ أشهر عدة على تجهيز نفسها ضمن إمكاناتها، لصد أي هجوم قد تشنه روسيا والنظام في المرحلة المقبلة، وهذا التجهيز واقعي نوعاً ما، لأن قادة فصائل الجيش الحر وعناصره كافة في درعا، يدركون أن السيناريوهات كلها مفتوحة في المحافظة، والأسوأ هو أن تنسحب واشنطن من اتفاقها مع موسكو وتترك المحافظة للروس، إلا أن هذا السيناريو يبدو بعيداً على الأقل في المدى المنظور، ويعود السبب في هذا إلى خصوصية المحافظة وحساسيتها بالنسبة إلى إسرائيل التي تربطها حدود برية مع الجولان المحتل، وتأكيد إسرائيل في أكثر من مناسبة بأنها لن تسمح بوجود قوات إيرانية على حدودها، وهو ما يؤكد أن هناك خطاً أحمر بالنسبة إلى إسرائيل وكذلك واشنطن في ما تغيير الوضع الراهن في المحافظة.

 وفي ظل غياب الميليشيات الداعمة للنظام فإن الطائرات الروسية لن تستطيع وحدها التقدم على الارض مع أعداد قليلة من المقاتلين الذين ما زالوا يقاتلون مع قوات النظام.

 في المقابل فإن إيران تتربص من أجل دخول المحافظة، لا سيما وأن عشرات المراكز والمراصد الإيرانية تنتشر على حدود محافظة درعا الشرقية من جهة السويداء، إضافة إلى قيام إيران بفتح مكتب تطوع تابع للحرس الثوري الإيراني في مدينة إزرع 30 كم شمال مدينة درعا، وهو ما يعد انتهاكاً واضحاً للاتفاق (الأمريكي الروسي الأردني) الذي وقع في عمّان بعد إعلان هدنة الجنوب في تموز عام 2017، ونصّ على وجوب ابتعاد الميليشيات الإيرانية عن حدود الأردن 40 كم شمالاً.

 خاتمة

يمكن القول إن الأوضاع في المحافظة، من خلال محاولة النظام فرض سيطرته المطلقة على اقتصاد المحافظة الذي لا يعتمد بالأساس على حكومة النظام إلا في جزء بسيط جداً، إضافة إلى وضع (عاطف نجيب) قريب بشار الأسد، حاكماً مطلقاً للمحافظة، كان من الأسباب الرئيسة التي جعلت الإنتفاضة السورية تنطلق من درعا، مع وجود مناخ ملائم في بعض البلدان عربية وسقوط أنظمة دكتاتورية، وهي من الأمور المحفزة والمشجعة على انطلاق الإنتفاضة.

لا يمكن الجزم أن أطفال درعا من خطوا الكتابات التي تعدّ شرارة الإنتفاضة، لأن كتابات أخرى مشابهة سبقت تلك العبارات في (مدرسة بني البلد)، وهناك مؤشرات سبقت الإنتفاضة وأخرى بعدها، تؤكد بأن اعتقال أطفال درعا لم يكن السبب الرئيس لاندلاع الإنتفاضة، بل يمكن تسميته السبب الأقوى الذي جرى استغلاله من بعضهم لإشعالها، فكان رد النظام القمعي كمن وضع الوقود على النار.

كانت الإنتفاضة سلمية في بدايتها وبعد أشهر تسلحت من الداخل بمساعدة غير مباشرة من النظام، لكن دخول الدعم الخليجي جعل العسكرة واقعاً ملموساً في المحافظة في مطلع عام 2012.

كان للبيئة الدينية المعتدلة في المحافظة، دور كبير في كشف (مخططات) الجماعات الإسلامية المتشددة، ما جعل أبناء المحافظة يطالبون بخروج تلك الجماعات علناً، وهذه المطالبة ما كانت لتخرج في الأصل، لو لم يكن هنالك وعي تام بأن اليد الطولى هي لعناصر الجيش الحر في مناطق المحافظة كافة، سواء من حيث المقاتلين أم العتاد، وفي النهاية خرجت الجماعات المتشددة معظمها ببطء وعلى مراحل، في حين حُشر أكثرها تشدداً أتباع (تنظيم الدولة) في بقعة جغرافية صغيرة وضيقة.

تكاد تكون درعا اليوم المنطقة الوحيدة في سوريا التي ما يزال يرفع علم الثورة في مناطقها كلها من دون وجود أي رايات أخرى، وكذلك المنطقة الوحيدة التي حافظت على 95 في المئة من الأراضي التي سيطرت عليها الفصائل منذ منتصف عام 2012 حتى منتصف عام 2017.

تمتلك درعا خصوصية تتميز بها عن غيرها من المحافظات السورية، فإضافة إلى رمزيتها بوصفها مهداً للإنتفاضة السورية، فإن موقعها يعدّ سيفاً ذا حدين، فمن جانب هي بوابة دمشق الجنوبية وخاصرة الأردن الشمالية، وتحدها من الغرب (إسرائيل) اللاعب الأول في سوريا، ومن الشرق محافظة السويداء التي تعدّ أقرب إلى النظام. أما من الجانب الآخر فإن هذا الموقع وبخاصة قربها من دمشق وإسرائيل، يبدو أنه أعطاها حصانة، منع فيه الإيرانيون -بتفاهمات أمريكية -إسرائيلية مع روسيا- من إحداث أي تغيير في خريطة المحافظة، لأن أي تطورات مشابهة لما جرى في مناطق أخرى، يجعل الأبواب جميعها مفتوحة، وقد تؤدي إلى موجات هجرة كبيرة لا تستطيع إدلب أو غيرها استيعابها، وقد تتسبب بخروج الأمور عن السيطرة حتى في الأردن وإسرائيل، لا سيما وأن ما بين 700 إلى 800 ألف نسمة يعيشون في المحافظة اليوم، فضلاً عن أن إسرائيل قالت في أكثر من مناسبة إنها لن تسمح للإيرانيين بالوجود على حدودها حتى لو كلف هذا الأمر حرباً شاملة مع إيران في سوريا.


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.