الملخص التنفيذي:

مرّ على الربيع العربي أكثر من عقد؛ هناك من اعتبره فشل فشلاً ذريعاً؛ وآخر يراه تحول إلى كارثة أعادت انتاج الاستبداد وتدويره، وثالث يرى أننا دخلنا مرحلة الانسداد التاريخي بالنظر إلى الخارطة السياسية والاجتماعية لشرقنا البائس هذه الأيام.

بالمقابل هناك آراء أخرى ليست تشاؤمية إلى هذه الدرجة “الشوبنهاورية” فترى رغم مأساوية ما حصل في الربيع العربي حتى الآن؛ لكن هناك إضاءات استراتيجية تحسب له، منها فشل وسقوط الإسلام السياسي على مستوى قيادة الدولة؛ إضافة إلى دوره الواضح في فشل الربيع العربي بسبب هيمنته عليه، مما جعل رأي الشارع يتغير فيه؛ بعد أن كان متعاطفاً معه قبل انتفاضة الربيع العربي، وهناك تيار آخر يرى أن تمدد تيار التنوير الديني الذي ساعدته مواقع التواصل الاجتماعي في تقديم نفسه؛ ونجاحاته الصغيرة إنْ ضد الاستبدادين السياسي والديني؛ وإنْ ضد الإسلام السياسي يجعل الأمل كبيراً من حيث البعد الاستراتيجي لواقعنا.

هذا كله نناقشه في هذه الورقة من خلال المحاور التالية:

  • المدخل
  • الخارطة السياسية والاجتماعية للربيع العربي اليوم
  • هل الوضع العربي اليوم أسوء مما كان عليه قبل الربيع العربي؟
  • الربيع العربي في ضوء فلسفة التاريخ
  • كلمة السر في الفشل: الإسلام السياسي!
  • تراجع الإسلام السياسي مقابل تقدم الأصولية الجهادية
  • الانسداد التاريخي الجديد لشرقنا البائس!
  • هل تغير تفكير المجتمعات بعد عقد من الربيع العربي؟
  • التيار التنويري هل يمثل أملاً وقارب نجاة؟
  • الخلاصة والنتائج

المدخل:

مع الخسارة الكبيرة التي حصدها حزب العدالة والتنمية المغربي خلال نتائج الانتخابات المغربية الأخيرة في أيلول/ سبتمبر ٢٠٢١، بعد أن حل في المركز الثامن، مما يمنعه حتى من احتلال موقع في المعارضة البرلمانية، من حيث انعدام قدرته على التأثير لقلة عدد المقاعد التي حصدها؛ مع تلك الخسارة يكون شرقنا البائس قد أسدل الستار على كل منجزات الربيع العربي الذي جرى خلال السنوات العشر الماضية، بخاصة أن تلك الخسارة تأتي بعد التحولات الكبيرة التي حدثت في تونس نتيجة الإجراءات التي قام بها الرئيس التونسي قيس سعيد من إقالة للحكومة وحل للبرلمان ومركزة للسلطات باسمه؛ وسعيه بعد ذلك لتغيير النظام السياسي الذي توافقت عليه التيارات السياسية في تونس بعد الثورة، لتقف البلاد على أفق مفتوح على كافة الاحتمالات، خصوصاً بعد تمديد العمل بإجراءات الطوارئ إلى أجل غير مسمّى.

صحيح أن حزب العدالة والتنمية المغربي لم يكن يمثل “الثورة” في المغرب، بل جاء على أنقاض الربيع المغربي الذي ساهم هو بإجهاضه حين وافق على الدخول في اللعبة السياسية بعيداً عن الشارع، فأضعف بذلك حركات الاحتجاج المغربية؛ وعلى رأسها حركة ٢٠ فبراير/ شباط المغربية، إلا أنه بالوقت نفسه وصل السلطة من خارج النظام السياسي الذي كان قائماً قبل عام ٢٠١١، وبما هو ضد رغبة صاحب القرار المغربي الذي انحنى للعاصفة حينها خوفاً من الأسوأ، الذي ما إن مر (الأسوأ) حتى عاد؛ وانقلب عليه كما شهدنا من تطورات لتلك العلاقة التضادية والمربكة حقاً بين صاحب القرار وحزب العدالة منذ وصوله إلى السلطة عام ٢٠١١.

بهذا المعنى، فإن وجود حزب العدالة والتنمية في السلطة كان أحد ارتدادات الربيع العربي، وعليه فإن رحيله عن السلطة يعني رحيل آخر كتلة للإسلام السياسي حملها الربيع العربي إلى السلطة، وتحمل في برامجها شيء من شعارات الربيع العربي، رغم ما قد يحمل هذا الكلام من اختلاف كبير في وجهات النظر، في كون حزب العدالة والتنمية المغربي، لا يمثل أساساً رافعة تغيير حقيقي (وهذا ما سوف نحاول الإجابة عليه لاحقاً).

الخارطة السياسية والاجتماعية للربيع العربي اليوم

إذا تأملنا خارطة الشرق البائس اليوم بعد نحو عقد من انتفاضة شبان الربيع العربي، ونعني تلك البلدان التي كانت معرضة له بخاصة؛ أو تعرضت لاهتزازات الربيع العربي، فسترتسم أمامنا الخريطة التالية؛ عنوانها الأكبر فشل الإسلام السياسي في التحولات التاريخية:

وقوف تونس أمام مفترق طرق حاد بوجود رئيس يهدد بتغيير النظام السياسي كله، ولا يتورع عن رجم العملية السياسية الديمقراطية بالكامل لصالح نظام سياسي مجالسي غير واضح المعالم، سوى أنه يذكر بالمجالس الشعبية التي اخترعها معمر القذافي.

استقرار النظام السياسي المصري خاصة بعد تطبيع العلاقات القطرية المصرية والتركية المصرية لتدخل المنطقة على إثرها مرحلة جديدة.

استيلاء الحوثيين على السلطة في اليمن المهدد بالتقسيم واستمرار الحرب والجوع دون أن يحصل اليمنيون على أي شيء من الشعارات التي طُرحت عام ٢٠١١.

دخول ليبيا في مرحلة كبرى من الصراع الدولي والإقليمي التي طغت على كل مطالب الليبيين، الذين لم يعودوا يحلمون بأكثر من وقف الحرب وعودة الحياة إلى مسارها.

استقرار الوضع في البحرين منذ زمن طويل لصالح حالة؛ رسمتها إرادة المملكة العربية السعودية ودول الجوار.

بقاء النظام السوري على سدة الحكم؛ مع غياب أي إمكانية لفتح أفق مسار سياسي جاد؛ بعد أن تحولت سوريا إلى ملعب للآخرين، وفي ظل التوجهات الرامية اليوم إلى تطبيع العلاقات معه، وتعنته في تقديم أية تنازلات للمعارضة؛ ورفضه لتحسين شروط الاستعباد. ساعد في ذلك كله؛ فشل المعارضة الرسمية التي سطا عليها الإسلام السياسي؛ واغتصب ثورتها.

إجهاض الثورة السودانية لصالح مجلس انتقالي يتحكم به العسكر السوداني!

إمساك العسكر بمقاليد السلطة في الجزائر حتى اليوم وفرضهم مرشحهم (تبون) رئيساً رغم المقاطعة الكبيرة للانتخابات.

بقاء الوضع اللبناني على ما عليه من فشل للدولة؛ بعد تشكيل الحكومة اللبنانية من داخل الطبقة السياسية اللبنانية التي يطالب الشارع برحيلها ومحاسبتها، والحاكم الفعلي للبنان هو الإسلام السياسي الشيعي بزعامة حزب الله.

ونفس الأمر ينطبق على العراق، حيث بقيت الطبقة السياسية ــ التي جاء بها رجال الدين الشيعة ـــ جاثمة على صدر العراق؛ لتعلن فشلاً ذريعاً للإسلام السياسي بنسخته الشيعية في قيادة الدولة والمجتمع؛ الذي يعاني الجوع وانقطاع الكهرباء في بلد يعتبر من البلدان المصدرة للنفط!

هل الوضع العربي اليوم أسوء مما كان عليه قبل الربيع العربي؟

إلى جانب هذه الأوضاع الداخلية التي تعيشها تلك البلدان، فإذا قارنّا الوضع اليوم بما كان عليه قبل عام ٢٠١١، فسنجد أن لدينا ليبيا واليمن وسوريا واقعة في براثن حروب أهلية؛ دمرت كل التراكم التنموي؛ وأعادت تلك البلدان إلى مرحلة ما قبل الدولة بكثير دون أن يكون لديها قدرة الخروج منها، ويضاف إلى تلك البلدان العراق الذي لا يمكن القول أنه خرج من الحرب الأهلية المديدة بعد، في حين تشهد كل من لبنان وتونس انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، فيما يعاني السودان (سلة الغذاء العربي) من وضع اقتصادي مزري؛ ولم تنجُ منه مصر ولا المغرب وإن كانت أحوالهما ليست بذات السوء بعد. وللإسلام السياسي دور لا يُنكر في هذا الفشل بشهادة القاصي والداني.

في حين نلاحظ أن النظام الجزائري أقدم على قطع علاقاته الدبلوماسية مع المغرب في محاولة لاختراع “قضايا” تلهي الجزائريين عن مصائرهم الحقيقية، وهذا مسعى لا يذكر إلا بسلوك الاستبداد الذي يسعى اليوم لإعادة إنتاج ما خسره في الأمس.

وإلى جانب هذا كله، نلاحظ أن الجامعة العربية في حالة عطالة كاملة، فيما تخضع سوريا لأربع احتلالات متزامنة وتعاني كل من العراق ولبنان واليمن وسوريا من هيمنة إيرانية شبه مطلقة على مركز القرار، لنكون في النهاية أمام حصيلة مفادها التالي: عدم تحقّق أي من شعارات الربيع العربي التي طرحها الشارع العربي (إسقاط النظام، العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، حقوق الإنسان…)، يقابل فشل الشعارات هذا؛ استقدام احتلال جديد، الحروب الأهلية، الإفقار، نهب الثروات الوطنية، تهتك النسيج الاجتماعي، تفكك أشباه الدول التي كانت قائمة لصالح ما هو دون منها، بما يعني في نهاية المطاف العودة إلى أوضاع أسوأ مما كان سائداً قبل عام ٢٠١١.

الربيع العربي في ضوء فلسفة التاريخ

للمفكر والكاتب السوري هاشم صالح مفردة توصف حال شرقنا البائس قبل عام ٢٠١١، ونعني بذلك مفردة “الانسداد التاريخي” (وهي أحد عناوين كتبه) التي طالما وصف بها الأحوال العربية آنذاك، فهل ما زال هذا الوصف ينطبق على حالنا اليوم؟ هل عدنا إلى مربع الانسداد التاريخي مجدداً؟ أم أنّ ما جرى هو نوع من “خطوة إلى الأمام خطوتين إلى الخلف” بتعبير الكاتب نفسه في كتابه “الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ“؟

علينا أن ننتظر المستقبل للإجابة على السؤال الثاني، ولكن فيما يخص السؤال الأول، فإن ما قدمناه آنفاً؛ وتأمل الحال الذي وصل إليه شرقنا البائس اليوم، يشير إلى أننا عدنا حقاً إلى مربع الانسداد التاريخي، حيث أبواب التغيير تبدو مغلقة من كل الجهات، ولعل أكثر ما يجعلنا نركن إلى هذه الحالة اليوم هي قراءة الوضع التونسي الذي يعتبر أكثر الأوضاع العربية إيجابية من حيث سلمية الانتقال ومستوى الإنجازات ووعي الجمهور التونسي، ومع ذلك نلاحظ أن الشارع هذه المرة لم يكن له أي صوت ضد إجراءات قيس سعيد، فلماذا؟ ربما إذا قرأنا ما جرى في تونس على ضوء التصويت العقابي الذي جرى لحزب العدالة والتنمية في المغرب نفهم الأمر، فكلمة السر تكمن في الإسلام السياسي، فكيف ذلك؟ والوضع في سوريا الذي تحول من انتفاضة شبابية هي الأجمل في تاريخها؛ إلى حرب أهلية فمأساة ثم كارثة على مستوى الاجتماع والسياسة؛ ناهيك الفشل الذريع لدولة مثل العراق التي يتحمل ذاتياً الإسلام السياسي الشيعي فيها الكفل الأكبر؛ ودور الولايات المتحدة وإيران موضوعياً في ذلك.

كلمة السر في الفشل: الإسلام السياسي!

حين تحدث المفكر هاشم صالح عن الانسداد التاريخي في كتابه المذكور آنفاً، كان يعني بذلك أن شرقنا البائس محاصر بين سندان الاستبداد ومطرقة الإسلام السياسي! فهما معاً يغلقان الدائرة، مستنداً بقراءته تلك إلى جوهر المجتمعات العربية المحكومة بوعي تراثي هائل ومسيطر، بما يجعل من الإسلامويين هم وحدهم القادرين على ملء فراغ الاستبدادات العربية حال رحيلها، وهو ما رأيناه نسبياً في عدد من البلدان خلال الربيع العربي. ([1])

ثم قال في كتابه “الانتفاضات العربية”: إن الربيع العربي يفتح كوة في قبر الاستبدادات ستصب في مصلحة الإسلام السياسي الذي سيكتوي بنيران السلطة والحكم التي ستشكل ميدان تراجعه هو الآخر، وهو ما حدث فعلياً في كل من مصر وتونس والمغرب، في حين كان الصراع شديد الوطأة في سوريا وبلدان أخرى بين التيارات الإسلاموية والعلمانيين والاستبداد؛ وهو الصراع الذي انهارت البلدان تحت وطأته، بما يعني في نهاية المطاف أن الذي حصل في المغرب وتونس ومصر، بعد وصول الإسلامويين إلى السلطة، هو بالضبط كما تنبأ صالح، نوع من “خطوة إلى الأمام خطوتين إلى الخلف”، حيث فشل الإسلام السياسي “المعتدل” في إدارة الدولة والسلطة وقدم نماذج إدارة سيئة أدت إلى تراجع ثقة الشارع فيه؛ وانكشافه أمام جمهوره قبل أي أحد آخر، ولعل التصويت العقابي الذي قام به جمهور حزب العدالة والتنمية ضد “حزبه” خير دليل على ذلك. ولعل أحد الأشياء التي ساهمت في تراجع الإسلامويين، إلى جانب انكشاف خواء سياساتهم وبراغماتيتهم، يتمثل بذلك الصعود الأصولي الجهادي الذي ترافق مع الربيع العربي في ظل ظهور داعش وجبهة النصرة وتيارات جهادية كثيرة في أكثر من بلد عربي، والذي ختم مؤخراً بعودة حركة طالبان إلى السلطة بعد رحيل الاحتلال الأميركي. ([2])

تراجع الإسلام السياسي مقابل تقدم الأصولية الجهادية

وهنا علينا أن ننتبه إلى بروز متحول جديد حصل مؤخراً على الساحة العربية الإسلامية، ونعني بذلك تراجع ما بعد الإسلاموية السياسية لصالح ليس عودة الإسلاموية السياسية، بل لصالح الصعود الجهادي ـــ وهو الشكل الراديكالي للإسلام السياسي ـــ الذي تمثل اليوم بعودة طالبان إلى الحكم رغم كل الدعايات السياسية التي ترافق عودة الحركة من كون أنها تغيرت، وهذا ليس أكثر من ذر للرماد في العيون، وتمدد جبهة النصرة السلفية الجهادية في شمال غرب سوريا.

كانت نماذج مثل حزب العدالة والتنمية المغربي وحزب العدالة والتنمية التركي وحركة النهضة بعد تحولها إلى حزب مدني تشكل نوعاً مما يسميه “آصف بيات” في كتابه الشهير “ما بعد الإسلاموية”، أو أنها كانت في طور الانتقال إليها على أبعد تقدير، إلا أن الذي جرى مؤخراً هو اندحار ما بعد الإسلاموية هذه لصالح صعود جهادي مخيف، وذلك بعد أن فقد الإسلام السياسي قوته، ففي سورية ما عاد لحركة الإخوان المسلمين أية شعبية تذكر، في حين أن حركة الإخوان المسلمين المصرية تعاني اليوم من انقسامات تنظيمية حادة، وكما أن حزب العدالة والتنمية التركية تراجع من مصاف ما بعد الإسلاموية إلى مصاف الإسلاموية، وذلك بعد تخليه عن الكثير من الإنجازات والسياسات التي تجعل منه ما بعد إسلاموي! ولعل آخرها انسحابه من اتفاقية إسطنبول المتعلقة بحقوق المرأة، فضلاً عن تبنيه لسياسات محافظة؛ تجهض من الداخل وبشكل تدريجي كل الإنجازات التي تحققت على هذا الصعيد. ([3])

الانسداد التاريخي الجديد لشرقنا البائس!

إذن، يبدو واضحاً اليوم أننا عدنا إلى مربع الانسداد التاريخي الذي كنّا نرزح فيه قبل عام ٢٠١١ مع فارق جوهري وهو أن أحد طرفي هذا الانسداد ـــ الإسلام السياسي ـــ قد تراجع وفقد شعبيته وكشف عن انعدام قدرته على أن يكون بديلاً سياسياً ممكناً. ولكن المخيف في هذا السياق، كما ذكرنا آنفاً، أن هذا التراجع تم لصالح صعود أصولي جهادي، يقابله أيضاً تفكك اجتماعي خطير جداً؛ وتفكك دولاتي ـــ من الدولة ــ وتراجع كافة التيارات السياسية القومية والعلمانية والليبرالية، بما يجعل الفرصة مناسبة لعمل التيارات الجهادية التي تحرص الدكتاتوريات على إبقاء الأرضية خصبة لنموها، لأنها تشكل حصانها الرابح حينما تتهدد سلطاتها، كما شهدنا في سورية، الأمر الذي يجعل من مقولة هاشم صالح “خطوة إلى الأمام خطوتين إلى الخلف” ممكنة إنما بشكل أكثر جنوناً مما شهدناه، فهل ثمة خطوة ثانية إلى الخلف مجدداً؟ هل تراجع الإسلام السياسي وعودة الدكتاتوريات تمثل الخطوة الأولى إلى الخلف فيما يشكل الصعود الجهادي الخطوة الثانية إلى الخلف؟ أم أن ما حصل حتى الآن يمثل الخطوتين إلى الخلف، وبالتالي ما ينتظره شرقنا البائس في العقود المقبلة هو خطوة إلى الأمام، نحو الديمقراطية المنشودة؟

هل تغير تفكير المجتمعات بعد عقد من الربيع العربي؟

في حقيقة الأمر، إن الإجابة عن هذا السؤال، تتعلق بثقافة وطبيعة وعي مجتمعات شرقنا البائس المتشكلة بعد سلسلة التحولات التي شهدها في العقد الأخير. هل كان تغير وعي المجتمعات العربية ضد الإسلام السياسي لصالح الإسلام الجهادي أم لصالح الوعي المدني الديمقراطي؟ وهل الوعي الحاكم لمخيال الشعوب العربية هو وعي مدني أم وعي ديني سلفي؟

إذا حاولنا قراءة الأمور من وجهة نظر علم الاجتماع، سنعرف أن وعي الجماهير الكاسح في شرقنا البائس قائم على مخيال إسلامي تراثي؛ ودين موازي للدين الحنيف، إذ صحيح أن خيبة أمل الشارع كانت كبيرة بالإسلام السياسي، لكن هذا لا يعني أبداً أن وعيها الديني العميق والمستقر قد تغير باتجاه تنويري! فهي في العمق ما زالت محكومة بهذا الوعي الديني التراثي الذي لم يتح له أن يتغير، لأسباب كثيرة، منها ضعف التيار الليبرالي في تقديم رؤيته للخلاص ونجاة الشعب والدولة، وضعف مستويات الحداثة العميقة لصالح حداثوية بقيت على مستوى السطح الفكري.

التيار التنويري هل يمثل أملاً وقارب نجاة؟

يقابل خارطة التشاؤم السياسية والاجتماعية إضاءات تنويرية؛ فرضت نفسها في الربيع العربي خصوصاً بعد الثورة التكنولوجية؛ وتوافر مواقع التواصل الاجتماعي؛ استطاع تيار التنوير أن يقدم رؤية إنسانية تشاركية في فهم الإسلام؛ قائمة على منطق المواطنة بمعناه العميق؛ قلبت الطاولة على السلطة والإسلام السياسي، كما ظهرت شخصيات تنويرية؛ واجهت بشجاعة الاستبداد السياسي والإسلام السياسي وعرتهما؛ رغم ضعف الحاضن الاجتماعي والإعلامي لها، ولكنها مازالت تقاوم بضراوة، وتيارها يتشكل بهدوء، وأيضاً يكبر بهدوء؛ مما يدفعنا للتوقع أن المستقبل له؛ فجيل التكنولوجيا؛ بات شبه منتصر على جيل الإيديولوجيا. ([4])

هذا التيار التنويري بدأ يطرح أسئلة أكثر جرأة من تلك الأسئلة التي طرحها الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم من رواد الإصلاح الديني في القرن الماضي، ناهيك عن الأسئلة التي طرحها طه حسين وفرح أنطون وعلى عبد الرازق.

صحيح أن تلك الأفكار التنويرية ما تزال تحبو بهدوء مستغلة مواقع التواصل الاجتماعي لتعبر عن ذاتها ومشروعها، بمعنى آخر لم تتحول إلى تيار عريض، على خلاف التيارات الإسلاموية الحاكمة للمجتمعات المتدينة، فإذا أخذنا مثالاً في الداخل السوري مثلاً، سنجد أن حركة دينية نسوية إسلامية مثل القبيسيات لها من التأثير المجتمعي أكثر مما لدى أي حركة يسارية أو حتى مدنية علمانية! ولكن هذا لا يعني في نهاية المطاف أن الوعي السائد اجتماعياً هو الوعي الديني الغيبي، إنما مثل التيار القبيسي تيار خادم للاستبداد؛ ومُصَنَّع من قبله؛ كما لا يخفى هذا عن السوريين. ([5])

وبمقابل هذا يعني حتى اللحظة أن البديل السياسي الممكن عن الاستبداد؛ غير مكتمل؛ لأن الطينة الاجتماعية لم تتغير إلى المستوى الذي يسمح بالتغيير، هذا إذا افترضنا أن الأمور لم تذهب نحو الأسوأ من خلال هيمنة التيارات الجهادية كما يحصل في إدلب السورية، التي شكلت عودة طالبان إلى السلطة عملية انتعاش لها، خاصة أن المناخ الدولي والإقليمي دخل في مرحلة حرب باردة جديدة بين الصين والغرب من جهة، وروسيا البوتينية والغرب من جهة أخرى! الذي يعمل اليوم وبشدة على حشد كل الإمكانيات لمواجهة الصعود الصيني، وباتت الحرب الروسية الأوكرانية مزعجة للحكومات والشارع الأوروبي؛ بما يعني أنه لن يتورع هنا عن إعادة ظاهرة “الجهاديين العرب في أفغانستان” حال احتاج إليها، فهل سنشهد قريباً إعادة ترتيب المنطقة من جديد، بعد التطبيع مع الدكتاتوريات في المنطقة وسحب مفردة الديمقراطية من التداول؟

الخلاصة والنتائج:

مما تقدم نخلص إلى نتيجة أن الاستبداد فشل في مواجهة الأزمات الداخلية بامتياز، كما فشل الإسلام السياسي في التحول من ضفة المعارضة إلى ضفة الدولة؛ وفشل أيضاً في قيادة المعارضات المختلفة؛ وبالتالي يتحمل كفلاً كبيراً في فشل الربيع العربي، وهذا لا يدعونا لليأس إنما لتنظيم الصفوف مرة أخرى بهدوء؛ فنحن أمام فرصة تاريخية استنفذ فيها الاستبداد الحاكم أية فرصة ليسوّق نفسه شعبياً؛ كما استنفذت حركات الإسلام السياسي أية فرصة للمصالحة مع الشارع؛ فهل سنكون أمام ربيع عربي آخر أكثر عقلانية؛ يتفجر بشكل ما؛ ولا يُلدغ من الجحر مرة أخرى؟.


[1] ـ راجع هاشم صالح، الإسلام والانغلاق اللاهوتي، دار الطليعة.

[2] ـ راجع كتاب هاشم صالح: الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ، دار الساقي. دمشق.

[3] ـ  راجع: آصف بيات، ما بعد الإسلاموية، دار جداول.

[4] ـ هاشم صالح، الانسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟، دار الساقي. دمشق.

[5] ـ المرجع السابق هاشم صالح، الانسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟، دار الساقي. دمشق.