دير الزور من السياسة إلى الثورة

 أحمد الرمح: باحث وكاتب 

يرصد هذا البحث حال مدينة دير الزور منذ خروج الاستعمار الفرنسي مروراً بحكم البعث وصولاً إلى نظام الأسدين، حتى انتفاضة الشارع السوري الأخيرة من خلال أهم التيارات السياسية التي ظهرت في المدينة ونضالاتها ضد الاستبداد من خلال المحاور الآتية:

  • الأحزاب السياسية وضعف تأثيرها اجتماعياً.
  • حركة الإخوان المسلمين بدير الزور.
  • شيوعيو دير الزور والدور النخبوي.
  • القوميون السوريون في المدينة.
  • التيار القومي في المحافظة.
  • وقفة تأمل قبل الثورة.
  • دير الزور في ظل حكم الأسد الأب والابن.
  • ربيع دمشق وتبلور الحراك السياسي.
  • إرهاصات ما قبل الثورة.
  • عسكرة الثورة في دير الزور.
  • الطلاب يستعيدون روح الثورة.
  • داعش في دير الزور.
  • دير الزور رهينة المحبسين (النظام وداعش).
  • غزوة الخير أم الشر؟.
  • دير الزور تعود إلى النظام أم إلى التشيع؟.

المدخل

تُعدّ محافظة دير الزور واحدة من محافظات سورية الأربع عشرة، وتشغل مساحة تقدّر بأكثر من 33 ألف كم2 وعدد سكان يقترب من 1.6 مليون نسمة.(1)

هذه المحافظة النائية جغرافياً عن العاصمة دمشق لم تكن نائيةً عن الحياة السياسية في سورية، وقد شهدت المحافظة بعد استقلال البلاد عام 1946 نشاطاً سياسياً شاركت فيه نُخب المحافظة ووجوهها الاجتماعية، من دينية كالشيخ محمد سعيد العرفي إلى عشائرية مثل الشيخ راغب الحمود البشير إلى اجتماعية مثل عبد الصمد الفتيح وصالح الفرحان الفياض وغيرهم.

ولعلّ أموراً عدة لعبت دوراً في اختلاط العمل السياسي بالجانب الاجتماعي، سواء في مستوى البناء العشائري أم البناء الديني، ومن الأسباب الحقيقية لضعف الحياة السياسية عموماً -وفي محافظة دير الزور خصوصاً بعد الاستقلال- درجة التطور الاقتصادي والعلمي والثقافي المتدنية في البلاد(2)، إضافة إلى عامل القمع السياسي الذي نما باضطراد مع حكم البعث منذ عام 1963.

إنّ نسبة الأميّة التي كانت عام 1980 تبلغ 45 في المئة من السكان، كانت تؤدي دوراً في إضعاف الحياة السياسية، ومع ذلك وجدت الأحزاب والحركات مواطئ أقدام لها في هذه المحافظة، وقد تمثلت هذه الحركات بحركة الإخوان المسلمين والحزب الشيوعي السوري والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث العربي إضافة إلى القوميين العرب وحزبي الشعب والكتلة الوطنية.

إن معرفة النسيج الاجتماعي الذي حكم العلاقات في محافظة دير الزور يسمح بمعرفة هذه العلاقات ودور السلطات الحاكمة في التأثير فيها عبر مراحل مختلفة.

الأحزاب ضعيفة الأثر

لا يمكن لمتتبع الحياة السياسية في محافظة دير الزور أن يلغي البنية العشائرية فيها وأن يلغي أثر هذه البنية في تشكل الحياة السياسية وتطورها، فمحافظة دير الزور هي محافظة تتوزع فيها قبائل عربية وتعيش حياة زراعية وتنتشر على ضفتي نهر الفرات، هذه القبائل بقيت أعرافها تسود حياة الناس المنتمين إليها في ظل واقع تعليمي ضعيفٍ ودرجة تطور اقتصادية تكاد لا تظهر آثارها في المجتمع المحلي، إضافة إلى هيمنة كبار الملاكين من شيوخ هذه القبائل وأُسرها.

ولو قمنا بمسح ديموغرافي على ضفتي نهر الفرات يتعلق بطبيعة السكان وانتماءاتهم القبلية وغير القبلية لاكتشفنا أن القبيلة وتفرعاتها تعيش في مناطق واحدة ضمن نمط إنتاج زراعي بسيط. (أما في قرى الفرات ورافديه الرئيسيين البليخ والخابور فما زال القبلي حياً، وهكذا ينتمي الفلاحون على ضفتي الخابور الأدنى والفرات من الحدود السورية العراقية إلى البصيرة إلى قبيلة العكيدات)(3)، وإلى الشمال الغربي من مركز المدينة تستوطن قبيلة البقارة على ضفة الفرات اليسرى.

وتنطبق على هؤلاء الفلاحين جميعهم -إلى هذا الحد أو ذاك- الملاحظة التي قدمها عام 1973 قائد سابق في حزب البعث وهو من أبناء دير الزور عندما قال: (في منطقتنا خصوصاً الفلاح ليس فرداً وإنما قبيلة برمتها، وإذا حصل اعتداء عليه أو وقع غبن فإن القبيلة تضع ثقلها في الميزان وتنصره وتدفع عنه الظلم والامتهان (المصدر السابق نفسه ص 62- 63).

من هذه البنية القبلية ذات الروابط الدموية والاجتماعية القوية لا يمكن أن تنشأ أحزاب تمثّل برامج سياسية واقتصادية تعبر عن شرائح اجتماعية أو طبقات في ظلّ هذا النسيج الاجتماعي. ولذلك لم تنتشر فعلياً الأحزاب السياسية بوصفها ذات برامج تمس مصالح الناس الحيوية، أو تمس وعيهم الفكري، بل انتشرت لأن نخب هذه العشائر وهم من وجهائها التحقوا بهذا التيار أو ذاك، ما جعل لهذا التيار إمكاناً ليجد قاعدة اجتماعية له بين أبناء القبيلة، ولهذا بقي العامل السياسي معبّراً عن درجة تطور اقتصادي واجتماعي متخلفاً فعلياً عن قدرته على القيام بدور أمام فعل القانون الاجتماعي والعشائري العام. وقد أدّت الإجراءات الاقتصادية والسياسية لاحقاً دوراً في إضفاء نوع من الشرعية على رموز عشائرية ربطت مصالحها السياسية والاقتصادية بعجلة النظام السياسي السائد في البلاد.

حركة الإخوان المسلمين ودورها

تشكلت حركة الإخوان المسلمين في سورية في ثلاثينيات القرن العشرين، وكان مصطفى السباعي أول مراقب عام لإخوان سورية ما بين 1945 – 1964(4)

وفي دير الزور بقيت هذه الحركة محدودة الأثر في الحياة السياسية في المحافظة بسبب عوامل كثيرة كان لها دور في عدم انتشارها، من هذه الأسباب سيطرة العلاقات الاجتماعية العشائرية وتأثر المنطقة بالحياة السياسية في العراق بسبب علاقات القربى التي تجمع بين عشائرها وعشائر عراقية فصلت بينهم حدود أقرها اتفاق سايكس بيكو.

وقد برز من شخصيات حركة الإخوان المسلمين في دير الزور الدكتور حسن الهويدي الذي شغل منصب المراقب العام للحركة عام 1980، ونائب المرشد العام للجماعة في عهود المرشدين السابقين (حامد أبو النصر – الأستاذ مصطفى المشهور – المستشار محمد المأمون الهضيبي).

غلب على حركة الإخوان المسلمين في دير الزور الطابع الدعوي، وتعرض ناشطوها لمضايقات أمنية من السلطات الحاكمة، وتطورت هذه المضايقات عام 1980 بعد صدور القانون 49 إلى مستوى التصفية السياسية والجسدية. لم تستطع حركة الإخوان المسلمين في دير الزور تكوين قاعدة شعبية واسعة لها بعكس بعض الحركات الصوفية التي اتسعت قاعدتها بفعل تشجيع السلطات لها.

شيوعيو دير الزور والدور النخبوي

بقي الفكر الشيوعي فكراً نخبوياً لدى أفرادٍ محدودين في عموم البلاد وفي دير الزور بخاصة، وتحديداً ما قبل مرحلة الخمسينيات، وقد تشكلت في محافظة دير الزور منظمة للحزب الشيوعي السوري الذي كان يقوده آنذاك خالد بكداش.

لم يمتلك الحزب قاعدة جماهيرية في محافظة دير الزور لأسباب عدة، عرضنا لها قبل قليل، وتحديداً ما يتعلق منها بتدني درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وسيادة العلاقات القبلية، إضافة إلى موقف الناس من أيديولوجية الحزب البعيدة عن الدين. ولذلك بقي الشيوعيون في هذه المحافظة نخباً معزولة سياسياً، ولم تستطع منظمة الحزب الشيوعي أن تقدّم قائداً سياسياً أو رمزاً شعبياً يستطيع أن يجذب الجمهور إليه، وبقي ثابت العزاوي -وهو من أنشأ نادي ابن خلدون الثقافي عام 1956 وهو أيضاً باحث ومفكر- رمزاً فكرياً وليس سياسياً للحركة الشيوعية في هذه المحافظة.

إن الحديث عن منظمة سياسية قادرة على الحشد الجماهيري الطوعي والتأثير في مجريات الحياة السياسية والاقتصادية في المحافظة هو حديث لا يجد له سنداً واقعياً في حياة محافظة دير الزور، لأن الشيوعيين لم يستطيعوا تجذير عملهم وأهدافهم في حياة سكان ما يزالون يؤمنون بقضيتين هما القبيلة والفكر الاسلامي المتوارث .

حزب البعث العربي والطريق المسدود

يعرف دارسو حزب البعث في سورية أن هذا الحزب تشكل في السابع من نيسان عام 1947 في دمشق، وكانت لجنته التنفيذية مؤلفة من ميشيل عفلق وجلال السيد وصلاح البيطار ومدحت البيطار.

وبما أن جلال السيد (1913 – 1993) (5) من مدينة دير الزور فقد أدى دوراً مهماً في نشر فكر هذا الحزب في أوساط البرجوازية الصغيرة من معلمين وفنيين وأطباء …إلخ.

لم تتسع قاعدة الحزب في محافظة دير الزور قبل انقلاب عام 1963، وعلى الرغم من اتحاده مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني بقي فكر هذا الحزب فكراً انقلابياً.

لم يكن لأعضاء الحزب أي تأثير اقتصادي أو اجتماعي في مرحلة الخمسينيات، وعلى الرغم من أن شعاره الأساسي (أمة عربية واحدة   ذات رسالة خالدة) لم يستطع هذا الحزب أن ينقل السكان في محافظة دير الزور من الحالة القبلية إلى الحالة المدنية، لأنه لم يهتم كثيراً بعد وصوله إلى السلطة بمسألة التحولات الجذرية في البنى الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة. وبما أن الحزب لم يخدم الطبقات الاجتماعية (العمال والفلاحين وصغار الكسبة) التي يدعي تمثيلها بقي غريباً على الرغم من أن منتسبيه بعد عام 1970 بلغوا عشرات آلاف المنتسبين في المحافظة.

القوميون السوريون   

أسس هذا الحزب اللبناني أنطون سعادة في 16/11/1932 في ظل الاحتلال البريطاني والفرنسي لسورية الطبيعية (لبنان – سورية – فلسطين – الأردن) بعد اقتسامها بموجب (اتفاق سايكس بيكو عام 1916)6. انتشر هذا الحزب في سورية في أوساط الأقليات الطائفية والدينية أكثر من انتشاره في النسيج الاجتماعي الكبير للمجتمع الذي هو المجتمع السني.

تلقفه عدد محدود من أفراد بعض الأسر في دير الزور وتحديداً من أسرة (عياش والهجر)، لكن الحزب لم يستطع الانتشار في مناطق المحافظة، والأمر يعود إلى دعوته إلى أمة سورية، وهذا يتعارض مع وعي السكان المحليين الذين ينحدرون من قبائل عربية مسلمة.

التيار القومي العربي 

يُعدُّ هذا التيار الأوسع قاعدة في سورية في مرحلة الخمسينيات، إذ شهدت مصر آنذاك بعد تسلم عبد الناصر سدّة الحكم موجة فكر قومي عربي، كانت الشروط الموضوعية للعالم العربي تسمح بهذا، فقد كان الجزائريون يخوضون حرب استقلالهم عن فرنسا.

كانت دول عربية عدة تشهد استقلالها عن قوى الاستعمار الأوروبي، كان هذا تياراً شعبياً عاماً لا تحكمه منظومة فكرية سياسية ذات جذور اقتصادية تمس حياة الناس، وكانت الحركة القومية العربية في دير الزور تنتشر نتيجة هذا المدّ القومي العام، وقد مثلتها حركات مختلفة مثل حركة القوميين العرب التي قادها المحامي ناجي الضللي، وكذلك ظهر الناصريون والوحدويون وغيرهم، لكن صعود البعث إلى السلطة بانقلاب عام 1963 ساهم في إبعاد هذا التيار عن دوره السياسي وتحديداً بعد فشل انقلاب جاسم علوان في 19 تموز عام 1963، وبافتراض أن البعث هو أيضاً يحمل فكراً قومياً وحدوياً فقد ساهم هذا الأمر في تراجع باقي حركات الفكر القومي في سورية.

وقفة تأمل  

بقي أن نستنتج أن الحياة السياسية بمعناها العصري الذي توفره لها الأحزاب والتيارات السياسية لم يكن من الممكن أن يبنى في سورية عموماً وفي دير الزور خصوصاً، وهذا الأمر يتعلق بدرجة تطور سياسية ذات طبيعة وطنية تلغي حدود العوامل ما قبل الوطنية وأثرها؛ كالعشائرية والطائفية والدينية.

فالاستبداد السياسي الذي وسم نظام حكم حافظ الأسد منذ عام 1970 شكل فعلياً عامل عرقلة حقيقية لتطور البنى الاجتماعية السورية وحاجاتها السياسية، فالنظام الذي قفز إلى الحكم بطريقة غير شرعية لم يكن بإمكانه الاستمرار في الحكم من دون إحياء القيم والأدوات ما قبل الوطنية كلها وتعميقها، إذ استخدمها ركيزة لحكمه إلى حين الانفجار الذي شهدته البلاد عام2011 الذي كشف تقدم الانتفاضة الشعبية على المعارضة السياسية التي ذابت فاعلياتها في ظل استبداد سياسي استمر خمسين عاماً.

دير الزور في ظل حكم الأسدين.

معارضون بالفطرة؛ هكذا يوصف أهالي دير الزور في علاقتهم بالنظام منذ استلام الأسد الأب السلطة حتى توريثها لولده، أولى الاحتجاجات في دير الزور كانت مع استلام الأسد الأب السلطة 1970 ولكن الاحتجاجات الأشد كانت في آذار عام 1980، استطاعت في ساعات قليلة السيطرة على البلد؛ فدفع الأسد بقوات حرس الحدود (الهجانة) وقوات الأمن إلى اقتحام البلد وفتح نيرانهم على المدنيين، فحدث إضراب شامل، إلا أن القوات العسكرية والأمنية نجحت في إنهائه، ونتج من تلك الانتفاضة اعتقال أكثر من (300) متظاهر أُعدموا جميعاً في مجزرة تدمر الشهيرة. أتبع تلك الاعتقالات حملة اعتقالات أخرى طالت قيادات إخوانية وقومية ويسارية، وصل تعدادهم مئات، بل لم تبقَ عائلة في الدير ليس لها معتقل لدى النظام، لتصاب المحافظة بجفاف نخبوي شديد.

تبلور الحراك السياسي من جديد

بعد الغزو العراقي للكويت 1990 شهدت دير الزور حراكاً قوبل بعنف شديد واعتقالات شملت البقية الباقية من النخب السياسية، وكانت الأحكام القضائية ضدهم قاسية من خلال محكمة أمن الدولة سيئة الصيت.

استكانت المدينة حتى جاء ربيع دمشق عام2000 لتشهد المدينة أول تظاهرة في سوريا حيث خرج أكثر من (40) شخصاً في شهر نيسان من العام ذاته في تظاهرة صامتة، من دوار السبع بحرات حتى وصلت إلى تكيّة الراوي، وكان ذلك حدثاً لافتاً نظراً إلى السطوة الأمنية التي تعيشها المدينة، حتى قيل عن هؤلاء المتظاهرين بأنهم مجانين أو عملاء للنظام.

بدأ الحراك السياسي يتبلور ليكون أكثر تنظيماً وعقلانية وتنسيقاً بين مختلف التيارات السياسية مع تأسيس لجان إحياء المجتمع المدني عام2003، إذ شاركت نخبة من أبناء المدينة في ذلك التأسيس، وحضرتُ اللقاء الأول في منزل (صبحي سلمان) في دمشق – ضاحية الأسد، وشاركتُ بعد ذلك في تسمية لجان المجتمع المدني الذي عُقد في منزل (حازم نهار) في ضاحية الغزلانية – دمشق.

جاء العدوان الثلاثيني على العراق في آذار من العام ذاته، فتحركت مجموعة من السياسيين بتظاهرة بدأت صامتة احتجاجاً على قصف العراق، بدأت بـ(100) شخص من أمام كلية الآداب متجهة إلى وسط المدينة، ولكن لم يمض على التظاهرة أقل من ساعة حتى انضم إليها آلاف من أبناء المدينة، لتتحول إلى تظاهرة صاخبة، نادت بإسقاط الأنظمة العربية التي ساهمت في العدوان على العراق، فتأسست حينئذ لجنة مستقلة أسسها ناشطون سياسيون لمساندة الشعب العراقي تعرضت لضغوط أمنية كبيرة، نجحت في مقاومتها، وقدمت المساعدات للشعب العراقي، وذهب كثيرون من شبان المدينة للقتال في العراق، استشهد كثيرون منهم، واعتُقل من رجع سالماً.

تابعت النخب السياسية عملها بعقلانية وتنسيق، ليسفر عن أول اجتماع للمعارضة السورية في (20أيار/ مايو 2005) في دير الزور، أطلق عليه إعلان دير الزور، شارك فيه ما يقارب (100) شخصية سياسية من المحافظات السورية كلها في منزل الشيخ نواف راغب البشير، وكان بمنزلة اللبنة لولادة إعلان دمشق الذي أعلن عام 2007 ومن ثم جاء مؤتمر(الخراطة) في دير الزور للقوى المشاركة في إعلان دمشق في الأول من أيار2006.

إرهاصات الثورة في دير الزور

مع بداية الربيع العربي في تونس ومصر شهدت المدينة إرهاصات تشير إلى انفجار اجتماعي رافض لنظام الأسد الابن، بدأت بكتابات على الجدران، ثم تطورت إلى منشورات هادفة تلصق على أبواب المساجد بعد صلاة الفجر، وأسست لجنة سياسية للتخطيط للحراك، بالتنسيق مع قوى أخرى من بقية المحافظات، وكان هناك تنسيق متبادل مع تجمعات سياسية وثورية في المحافظات الأخرى، وللمدينة ممثلٌ يذهب كل يوم اثنين إلى دمشق للتنسيق حول الحراك هو الدكتور أحمد طعمة، الذي شغل منصب رئيس الحكومة الموقتة في الثورة لمدّتين، كما زار المدينة سراً وفود عدّة من محافظات مختلفة للتنسيق مع الحراك.

أول حراك ثوري قام به طالب جامعي يدعى(سؤدد)، إذ نزل إلى الساحة العامة ظهراً، وكتب على صدره (حرية)، وبقي متظاهراً وحده قرابة نصف الساعة، وأجهزة الأمن تراقبه، ولم يتضامن معه أحد، فقامت باعتقاله، تبع ذلك خروج تظاهرات لمجموعات شبابية من مساجد عدة بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، قوبلت بعنف شديد من الشبيحة بالعصي والهراوات، حتى جاء يوم22 نيسان2011(الجمعة العظيمة) الذي خرجت فيه دير الزور عن بكرة أبيها بعد صلاة الجمعة، تجمعوا في الساحة العامة، وحطموا تمثال الباسل، فاعتقل في إثرها مئات المتظاهرين، وعوملوا بقسوة شديدة من الأجهزة الأمنية، إلا أن الشارع الديري لم يستسلم، وعاد إلى التظاهر كل جمعة بأعداد هائلة.

في أواخر شهر نيسان/ أبريل ارتقى أول شهيد من دير الزور (معاذ الركاض)، فزادت حدة التظاهرات، إلى أن جاءت جمعة (آزادي) 20أيار2011 التي شارك فيها أكثر من(300) ألف متظاهر، حتى قيل: لم يبقَ أحد في بيته من سكان المدينة، ودخلت المدينة في عصيان مدني تمثل برفض دفع فواتير الماء والكهرباء والهاتف، وتعطّلت دوائر الدولة، والأجهزة الأمنية تزداد وحشية باعتقالاتها، وشباب البلد يزدادون إرادة وتصميماً على هدفهم.

عســــــــكرة الثورة في دير الزور

ازدادت حدة الاعتقالات ووحشيتها، لتطال مئات من الشباب المتظاهر، وكثر عدد الشهداء، لتعلن المدينة إضراباً تاماً، نصب أثناءه المتظاهرون حواجز في المدينة لتخرج المدينة بكاملها عن سيطرة النظام، وحوصرت الأجهزة الأمنية في مقارها، هنا بدأت تظهر مظاهر مسلحة بأسلحة خفيفة، من الشباب الذين تعرضوا لتعذيب شديد في أقبية الأمن، طوّق جيش النظام إثر ذلك المدينة بقوات استحضرها من دمشق ومناطق أخرى، إضافة إلى اللواء(137) الموجود في ضواحي المدينة وكتائب أخرى عدة، فبدؤوا باقتحام المدينة فجر الخميس 28 أيلول، وتعرض حي الجورة لقصف مدفعي استمر يومين، ارتقى خلاله عدد من الشهداء، وفي 30أيلول اقتحم الجيش الحي مستخدماً الأسلحة الثقيلة والدبابات ما أدى إلى استشهاد (19) مدنياً وأكثر من (50)جريحاً، وتابع الجيش زحفه إلى بقية الأحياء مستخدماً الدبابات والآليات العسكرية، واستمر القصف حتى (5آب)، لتنتهي الأمور إلى سيطرة الجيش على المدينة؛ وحرق بيوت الناشطين؛ واعتقل المئات، ونصب حواجزه داخل المدينة، وبقيت حتى نهاية الشهر الخامس من عام 2012.

الطلاب يستعيدون روح الثورة

بعد اقتحام الجيش للمدينة واضطهاد الشباب، بدأ التفكير جدياً بالتحول إلى عسكرة الثورة، إذ توقفت التظاهرات تقريباً، بل أصبحت تظاهرات طيّارة، ولكن في هذه المرحلة العصيبة على البلد، حمل عبء الثورة طلاب المدارس والجامعات الذين أعادوا للثورة روحها حيث كانوا يتظاهرون يومياً بعد انصرافهم من مدراسهم، فاستعاد الشارع الثقة بنفسه، وبدأ العمل الثوري أكثر تنظيماً، كان الناس يذهبون إلى أعمالهم صباحاً وكأن لا شيء في المدينة، ولكن بعد صلاة العشاء تبدأ يومياً تظاهرتان مسائيتان في غرب المدينة وشرقها، محروسة ببعض الشباب الذين يحملون أسلحة خفيفة لحماية المتظاهرين، إذ لم يجرؤ الأمن على الاقتراب منها، وبعد الساعة الواحدة ليلاً تبدأ عمليات عسكرية ضد حواجز جيش النظام المنتشرة في المدينة، أحدثت رعباً داخل أجهزة الأمن والجيش.

بقي الأمر على هذا النحو أشهراً حتى جاء يوم 11/6/2012، شهد ذلك اليوم حدثان مهمان، تمثل الأول في انفجار سيارة الناشط (عبد الله نجم السيد) في حي الجورة فاستشهد في إثرها، وفي مساء اليوم ذاته حدث تفجير أثناء التظاهرة المسائية في حي الجبيلة ذهب ضحيته (13) متظاهراً وعدداً من الجرحى، كانت نواة الكتائب العسكرية قد بدأت بالظهور، فاتُخذ القرار العسكري للكتائب بتحرير المدينة عسكرياً، وتمكنت تلك الكتائب خلال أسبوع من السيطرة على ثلثي المدينة، لتصبح خاضعة للجيش الحر، باستثناء أحياء القصور والجورة غرب المدينة، وحي هرابش شرق المدينة التي بقيت تحت سيطرة قوات النظام.

استمرت عمليات التحرير فسيطر الجيش الحر على كامل الريف الشرقي للمدينة بما فيه آبار النفط الكثيرة، ولكن اختلاف مصادر التمويل ومراكز القرار وعدم الوعي الثوري والسياسي، ساهم في تفرق تلك الكتائب واختلاف توجهاتها، فتغلغلت التنظيمات العسكرية الإسلاموية وسيطرت على القرار العسكري بعد أن ساهمت قلة الوعي لدى كتائب الجيش الحر المتفرقة في ذلك؛ إضافة إلى تمكن شخصيات إخوانية من السطو على قرار الحراك من خلال المال السياسي؛ لتظهر جبهة النصرة التي ساهمت تلك الشخصيات المذكورة في مساعدتها على بسط سيطرتها على البلد، حتى ظهر تنظيم الدولة (داعش) الذي استطاع أن يسيطر بطريقة يشوبها كثير من إشارات الاستفهام مع بداية الشهر السابع على كامل الريف الشرقي وآبار النفط من دون مقاومة تذكر.

داعش في دير الزور

ساعد تفرق الكتائب العسكرية التي زادت على (132) كتيبة، واهتمام بعضها بموارد النفط وسرقة الآثار، والاكتفاء بمناطق نفوذها، حتى تحول ريف الدير إلى إمارات عسكرية، لكل قرية كتيبتها وأميرها، أما المدينة فلم تتوحد كتائبها على الرغم من أنها كانت بوابة المواجهة العسكرية مع النظام، وساهم الصراع بين جناحي الإخوان الشامي والحلبي في تشرذم تلك الكتائب؛ ما سهل دخول الدواعش إليها والسيطرة بلا مقاومة، حتى قال بعضهم: ليلة دخول داعش إلى المدينة كانت هناك عشرات الرايات المختلفة للكتائب، وفي الصباح فوجئوا باستبدال تلك الرايات براية داعش لتسقط المدينة.

وهناك اتهامات لقيادات إخوانية ديرية معروفة بأنها سلمت المدينة إلى داعش كالإسباني وتيسير علوني الذي كان يدير الأمور عن بعد، إضافة إلى السلفي الذي عمل مع الإخوان رياض الحسن المتهم بعسكرة الحراك الثوري في دير الزور، والفريق العامل معه في المجلس الوطني ثم الإئتلاف؛ وسيذكر التاريخ أن هؤلاء كانوا أحد أهم أسباب دمار المدينة وتشريد أهلها؛ وإعطاء النظام الذريعة في ذلك؛ وإننا نملك حول ذلك كثيراً من الأدلة والشهادات الموثقة ما لا يعلمها من عمل بالعسكرة ذاتها.  

هنا انقسم الثوار إلى ثلاثة أقسام: قسم بايع داعش على القتال والهجرة ليغدو جزءاً منها، وقسم آخر بقي على (طلّاقياته) من دون مبايعة مفترضاً أن معركته مع النظام فقط، أما القسم الثالث فرفض أن يكون تحت إمرة التنظيم، منهم من ترك القتال وبقي في المدينة، ومنهم من هاجر إلى تركيا.

دير الزور رهينة المحبسين

حاولت داعش اقتحام الأحياء التي يسيطر عليها النظام مرات عدة، ولم تفلح، وحاولت مرات عدة أيضاً اقتحام المطار العسكري الذي يقع جنوب شرق المدينة، وذهب ضحية تلك الاقتحامات الفاشلة عشرات الشهداء من أبناء المدينة، حتى أصبحت عملية تحرير المطار مثار سخرية أبناء المدينة لكثرتها وفشلها.

مع مطلع عام 2015 اتخذ تنظيم داعش قراراً بمحاصرة الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام (الجورة والقصور وهرابش) التي لجأ إليها قرابة (400) ألف مدني هرباً من قصف المناطق التي تقع تحت سيطرة داعش.

حوصرت تلك الأحياء بفتاوى تقوم على تخوين المدنيين المستضعفين فيها بوصفهم موالين للنظام، وقابلين لحكمه وعُدّوا مرتدين عن الإسلام، فمنعت داعش التي حاصرت المدينة من جهاتها الأربع إدخال المواد الغذائية والدوائية وقطعت الاتصالات عنهم، كما قطعت الكهرباء، ومنعت دخول المحروقات، لتلتهب الأسعار، فاستغل تجار الحروب الموالون للنظام حاجة المحاصرين، ليبنوا ثروات ضخمة من معاناتهم.

زرع النظام الألغام في محيط المدينة منعاً لتسلل عناصر داعش، ومع مرور عام على الحصار توفي نتيجته (130) مدنياً، منهم (45) بسبب مباشر للحصار، و(25) أثناء محاولتهم الخروج من الحصار تهريباً، و(40) في أثناء محاولتهم تهريب مواد غذائية إلى المناطق المحاصرة، في حين توفي (20) مدنياً نتيجة قصف تعرضت له الأحياء المحاصرة.

غزوة الخيـــــر أم الشر؟

في 13/1/2016 أعلن تنظيم داعش البدء بعملية عسكرية للمناطق المحاصرة سُميت (غزوة الخير)، من جهتي الغرب والجنوب للمدينة، وما يثير الاستغراب والشك في تلك العملية أنها بدأت مع الإعلان عن بدء عملية التفاوض في جنيف3 وهذا يجعل النظام يذهب إلى جنيف ليقدم نفسه ضحية للإرهاب، خصوصاً أن تلك العملية ذهب ضحيتها العشرات من عناصر جيش النظام وجيش الدفاع المدني، إضافة إلى ضحايا مدنيين ذهبوا نتيجة ذلك الاقتحام والقصف. والأمر الآخر الذي يثير الشك، أن الهجوم ركز على المنطقة الغربية والجنوبية للمدنية، وهي تعدُّ من نقاط قوة النظام.

بدأ الاقتحام بتسلل خمسة من عناصر داعش لفندق فرات الشام الواقع غرب المدينة، ودخلوا في اشتباك مع قوات النظام المتمركزة فيه، ولما فشلت العملية، فجروا أنفسهم، تبع هذه العملية سيطرة للتنظيم على قرية البغيلية المتاخمة للمدينة من جهة الغرب، واستطاع التقدم حتى سيطر على تل الإذاعة وجامعة الجزيرة الواقعتين في أطراف قرية البغيلية شرق المدينة. تبعتها اشتباكات عنيفة في محيط اللواء (137) جنوب غرب المدينة، بعد سيطرة التنظيم على جبل (ثردة)، ثم تقدم التنظيم ليصل إلى مشارف المدينة بالقرب من جمعية الرواد الواقعة غرب المدينة والمتاخمة لقرية البغيلية، واستطاع اقتحام كتيبة الصواريخ القريبة من الواء (137) ولم يسيطر عليها، ثم ما لبث أن بدأ تقدم التنظيم يتراجع، مقابل عودة النظام إلى بعض المواقع التي فقدها فاسترجع جامعة الجزيرة وتل مبنى الإذاعة.

هنا استعرت حملة الطيران الروسي على المدينة وقراها وقد استخدمت القنابل العنقودية مرات عدة على مواقع سيطرة داعش بحسب شهود عيان. وارتكب الطيران الحربي الروسي والسوري مجازر عدة بحق المدنيين في قرى البغيلية والحسينية وشقرا والجنينة والبوليل ومحيميدة والحصان.

قصفت داعش المناطق المدنية التي يسيطر عليها النظام، ما أدى إلى استشهاد أو جرح عدد من المدنيين، وزادت تلك المعارك من معاناة المدنيين وفاقمت من حصارهم، إذ انقطعت المياه عن المدينة ستة أيام، ثم عادت تدريجاً، علاوة على أن الكهرباء مقطوعة طوال أيام الحصار، وارتفعت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً جنونياً، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن سعر كيلو غرام من الشاي بدأ يرتفع مع بداية الحصار من (1200 ل.س) ليصل في أثناء المعارك الأخيرة إلى نحو(20ألفا).

طرد داعش من دير الزور

بعد التفاهم الأمريكي الروسي على إنهاء تنظيم داعش في سوريا، وبمساعدة طيران التحالف والروس والنظام، استطاع النظام من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، البدء بهجوم على المحافظة لطرد تنظيم داعش منها في مطلع تشرين الثاني من عام 2017.

بدأ الهجوم من محورين، الأول غربي المدينة، جهة الرقة (خط الكسرة) وقامت به قوات سوريا الديمقراطية، والثاني شمال المدينة من حدود الحسكة الإدارية كذلك نفذته قوات سوريا الديمقراطية، وانهارت أمامه جحافل داعش بشكل دراماتيكي، حتى سيطرت على المحافظة من حدودها مع الحسكة إلى حافة نهر الفرات، وبذلك أخذت أمريكا مع قوات سوريا الديمقراطية كل ما هو شمال نهر الفرات باستثناء جيب حطلة/ الحسينية.

وأما هجوم النظام والروس والميلشيات الإيرانية فكان من غرب المدينة وجنوبها، وكذلك انهارت داعش لتسقط المدينة في يد النظام وتتخلص من ظلام الدواعش، ولكن بعد أن أصبحت أثراً بعد عين، ثم تابع النظام والقوات المساندة له السير باتجاه ريف المدينة الشرقي لتسلم داعش القرى كلها من دير الزور المدينة حتى البوكمال في وقت قياسي. وأعلن النظام خلاص دير الزور من وحشية داعش في 13 تشرين الثاني من عام 2017.

لكن فرحة أبناء الدير لم تكتمل بطرد الظلام الداعشي، إذ إن المليشيات الإيرانية التي ساعدت في معركة دير الزور بدأت عملية تشييع أبناء المحافظة، وبناء الحسينيات، ما شكل صدمة حتى للموالين للنظام، وبدأت تلك المليشيات عملية شراء البيوت المدمرة نتيجة القصف (ولدينا شهادات موثقة عن عمليات بيع للمليشيات)، ثم توقفت عمليات شراء البيوت بعد التهديد الأمريكي باجتياح المدينة وإخراج النظام والمليشيات الإيرانية منها، ولم يحسم أمر المحافظة حتى اليوم، بل ما زالت المساومات والتهديدات الأمريكية قائمة حتى هذه اللحظة.

إن مدينة دير الزور، هذه المدينة المعارضة أنهكتها الحرب، وشردت أهلها معظمهم ما بين نازح ومهاجر، وما زالت تلك المدينة العنيدة تضمر المعارضة للاستبداد وكذلك للبغاة الدواعش، وتنتظر أن يتفق أهلها على حل حتى تتكحل عيون أبنائها جميعاً بعودتهم إليها، عودة مظفرة تتكلل بانتصار على البغاة والطغاة والغلاة، لتشرق شمس الحرية على فراتها من جديد وتعود الحياة إليها، وهذا يحتاج إلى وعي سياسي ووطني يعجل بهذا الفجر المنتظر.


المراجع:

  1. المجموعة الاحصائية السورية عام 2012.
  2. الثقافة والتنمية في سورية والبلدان المتخلّفة . د. رزق الله هيلان .اصدار وزارة الثقافة السورية
  3. فلاحو سورية – أبناء وجهائهم الريفية الأقل شأناً سياسياً (حنا بطاطو ترجمة عبدالله الفاضل ورائد النقشبندي ) المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات .
  4. الجزيرة نت 29/3/2011 جماعة الإخوان المسلمين
  5. مجلة السُنّة رواية جلال السيد عن نشأة الحزب
  6. alqawmi.info

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.