عن الأقليات ودولة المواطنة

كنيسة مدمرة في سوريا

رسائل في العقد الاجتماعي (3)

  • كانت مسألة الأقليات مدداً طويلة من الأمور المسكوت عنها قسراً أو تكاذباً اجتماعياً.
  • لا يمكن تحديد موقف واحد وموحد يعبر عن الأقليات حيال موضوع دولة المواطنة.
  • علينا الانطلاق من الواقع ومعطياته كما هو لا كما نرغب أن يكون.
  • إن المحتوى الحقوقي للمواطنة هو المحدد الأهم في القضية.
  • إن تبنّي المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الأفراد والجماعات وإدراجها في أيّ دستور مقبل للبلاد هو ضرورة ملّحة لحلّ مسألة التعدّد القومي والديني والثقافي في سوريا.
  • إن الإطار الدستوري والقانوني هو الذي يحدد مستوى الاندماج الوطني وقابليته في أيّ دولة.

المدخل

الموضوع إشكالي وذو شجون في هذا الشرق البائس، ومن الصعوبة بمكان الإحاطة به من جوانبه كلها وتشابكاته الإشكالية أيضاً، بوصفها موضوعات تحيلنا على أسئلة الهوية والتاريخ وبوصف مسألة الأقليات كانت مدداً طويلة من الأمور المسكوت عنها قسراً أو تكاذباً اجتماعياً، وارتبط الخوض فيها لدى كثيرين ولأسباب كثيرة، بتعابير من قبيل الشعوبية والانفصالية أو الرجعية واللاوطنية أو الما دون وطنية، وهي وفق هذا السياق أسئلة جديدة لم تأخذ حقها الكافي بعد من الحوار والإنتاج المعرفي والبحث العلمي في سوريا والمنطقة عموماً.

بعض النقاط المتصلة بعنوان الدراسة:

  1. تعبير الأقلية يشير إلى توصيف عددي لمجموعات قومية/ إثنية، أو دينية أو مذهبية، أو كلاهما معاً (وبمعنى الهويات الأولية المكتسبة بالولادة فقط). وليس استخدام تعبير الأقلية من باب الانتقاص من حضورها وقيمتها ودورها وأصالتها، فجميع القوميات والأديان والطوائف السورية هي عناصر ومكونات تأسيسية في الكيان السوري الحديث أقله منذ تأسس الدولة السورية عام 1920، وهي تشكل جزءاً أصيلا وتكوينيا أيضاً من البنيان الثقافي والروحي والاجتماعي والاقتصادي في سوريا، لكنها فقط أقل عددياً بالمعنى البيولوجي، وأيضاً لأنه مصطلح باتت له دلالته القانونية والسياسية والاجتماعية بحسب ما هو وارد في النصوص الصادرة عن بعض الهيئات الدولية المعنية، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره، على الرغم من أن بعض الدساتير تستخدم تعابير كالقوميات الصغيرة للدلالة على الأقليات القومية.
  2. بما أن الأقليات بالمعنى المذكور لا تشكل نسقاً سياسياً متجانساً، بل تنطوي على تعبيرات ومواقف وأيديولوجيات تكاد تختزل معظم الطيف السياسي الوطني خارج حدود هوياتها، فإنه لا يمكن –في هذه الحال- تحديد موقف واحد وموحد يعبر عن الأقليات حيال موضوع دولة المواطنة. لذلك فما يُعرض اليوم لا يعكس بالضرورة أكثر من تعبير سياسي ضمن عدد من التعبيرات السياسية ضمن المشهد السوري، وأقصد هنا المنظمة الآثورية الديمقراطية التي أعتمد أدبياتها بوصفي عضواً فيها.
  3. في عرض الرؤية لدولة المواطنة المنشودة علينا ألّا نقفز فوق واقعنا السوري في ما يتعلق بموضوع الأقليات وما لحق بهم تاريخياً. وأيضاً فوق حقيقة وجود صراع هويات يتجلى حالياً عبر تهتك واضح في النسيج الاجتماعي السوري وبعمق الفجوة وارتفاع مستوى الخوف من الآخر، وهشاشة الرابطة الوطنية السورية، ويجب ألا ننسى أن مشكلة الأقليات وقضية التنوع القومي والديني ليست مشكلة ذات جذور تاريخية في سوريا فحسب، بل هي حاضرة -وإن بنسب متفاوتة- عبر مسار المئة عام الأخيرة التي تجلت بفشل قيام الدولة الوطنية الديمقراطية. لذلك يجب علينا الانطلاق من الواقع ومعطياته كما هو لا كما نشتهي أن يكون، في مسعى لضمان إدارة واقعية لمسألة التنوع وعبر مسار وطني قد يفضي مستقبلاً إلى تشكل هوية وطنية متصالحة مع ذاتها ومع مكوناتها ومع معطيات الماضي والحاضر ومتماسكة أمام رهانات المستقبل.
  4. يجب ألا ننسى عند الحديث عن مبادئ العدالة والمساواة والمواطنة والحرية والكرامة الإنسانية أن ذلك الفرد المنتمي إلى أقلية -ومجازاً الفرد (الأقلوي)- هو شخص لم يختر هويته القومية ولا عقيدته الدينية، وكنتيجة، فإن فهما أعمق للذهنية الأقلوية وما تشترك به بنسبة عامة من سلوكات وتوجهات وهواجس، وربما أمراض، ليست مسؤوليتها وحدها بل هي نتيجة تفاعل تاريخي تراكمي ومعقد جداً، لا يمكن أن يكتمل فهمها إلا بدلالة السمات العامة لمواقف الأغلبية وسلوكها، وعليه فإن الخوض في مسألة الأقليات ومحور التنوع القومي والديني (بوصفه موضوعة وطنية)، والسعي لطمأنتهم وضمان حقوقهم هي ليست حكراً على أبناء الأقليات وحدهم، بل هي مسؤولية وطنية تقع على عاتق الجميع بامتياز.

نظرة إلى مفهوم المواطنة

المواطنة ببساطة هي علاقة حقوقية بين أعضاء المجتمع في ما بينهم من جهة وبينهم وبين السلطة من جهة أخرى. والمواطنة بحد ذاتها ليست منظومة مبادئ وقيم وحقوق قادرة دائماً على تلبية كل الشروط إن كان في المستوى الحقوقي، أو في المستوى السياسي الاجتماعي الذي يتعلق بالمشاركة السياسية وفي عائد التنمية، أو حتى في المستوى الرمزي المعنوي القائم على معاني الانتماء والارتباط بالوطن.

فمثلاً وفق دستور الجمهورية العربية السورية، يعد  حاملو الجنسية العربية السورية جميعهم مواطنين، وعليه لا يمكن نفي صفة المواطنة عن المسيحي مثلاً، ولكن درجة مواطنته هي جوهر المشكلة.

من هنا فإن المحتوى الحقوقي للمواطنة هو المحدد الأهم في القضية، وهذا المحتوى يتعلق بتعريف الفرد الذي يعيش على أرض هذه الدولة، فهذا الفرد لا يعرف بمهنته أو بدينه أو بجنسه أو بقوميته، وإنما يعرّف تعريفاً قانونياً اجتماعياً بأنّه مواطن، أي عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات، وشرط المواطنة الكاملة هو المساواة التامة في الحقوق والواجبات وأمام القانون.

المواطنة وحقوق الإنسان

لقد طور المجتمع البشري في العصر الحديث منظومة قيمية وحقوقية باتت معياراً للانتساب إلى هذا العصر، ومعياراً لقياس الحرية والمساواة وبقية الحقوق الأساسية، وعليه فإن المواطنة في دولتنا المنشودة يجب أن تتطابق في محتواها الحقوقي والقيمي وفي آليات تنظيمها وإنتاجها مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. وانطلاقاً من هذا التلازم الجدلي بين حقوق الإنسان وحقوق المواطنة، يصبح النضال من أجل المواطنة، هو نضال في الوقت نفسه من أجل تثبيت حقوق الإنسان كما وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي جاءت بعده وأهمّها العهدين الدوليين لعام 1966 وإعلان الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1992 الخاص بحقوق الأفراد المنتمين إلى الأقليات القومية والدينية.

إن ما يسري على حقوق الأفراد يسرى على حقوق الجماعات، وفق ما جاء في المواثيق الدولية لا سيّما المتعلقة منها بحقوق الأشخاص المنتمين إلى الأقليات والشعوب الأصلية التي لحظت أهمية صون حقوق الجماعات خصوصاً في الدول ذات التعدّد القومي والديني والثقافي واللغوي، وعليه فإن تبنّي المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الأفراد والجماعات وإدراجها في أيّ دستور مقبل للبلاد بحيث تشكل جزءاً عضوياً وأساسياً منه -وليس نوعاً من الترف القانوني- هو ضرورة ملّحة لحلّ مسألة التعدّد القومي والديني والثقافي في سوريا، حلاّ وطنياً ديمقراطياً عادلاً ضمن إطار وحدة سوريا أرضاً وشعباً.

بناء على ما سبق وبافتراض أن الأسس والمبادئ والقيم التي أوردتها هي منظومة قيمية وحقوقية وقانونية عالمية، يتكرر عدد من مفرداتها في الأدبيات السياسية السورية، فإنها في النتيجة يجب أن تمثل الأساس الذي يجب أن تبنى عليه الدولة الوطنية الحديثة التي تنتمي إلى قيم العصر، وعليه يبرز السؤال الأساس: أي دولة وأي مواطنة ننشد؟

وهل تلبي دولة المواطنة وفق ما يتفاعل في الفضاء السياسي السوري اليوم جوهر المواطنة وفق المحتوى المذكور؟

لن أخوض في كثير من الأسس والمبادئ التي توافق عليها السوريون في عدد من المؤتمرات والتكتلات السياسية، لكني سأركز هنا على النقاط التي ما تزال ذات طابع إشكالي في مستوى الرؤية للدولة المنشودة، وهي تتعلق في جوهرها بأسئلة الهوية للدولة والشعب، وبثنائية المدنية والعلمانية وموقع الدين في الدولة، وأخيرا حول حقوق الأفراد فقط، أم حقوق الأفراد والجماعات.

أولاً: حقوق الافراد والجماعات/ وسؤال الهوية والاندماج

إن الإطار الدستوري والقانوني هو الذي يحدد مستوى الاندماج الوطني وقابليته في أيّ دولة. فإذا بني على أسس العدالة والمساواة والشراكة واحترام الهويات والخصوصيات، وقبل هذا وذاك على المواطنة الكاملة، فإنّ هذا كفيل بتحقيق الاندماج الوطني والتماهي في النظام السياسي الحديث. ويعدّ الالتزام الدستوري بإدراج حقوق القوميات أو الإثنيات من مؤشرات الدول العصرية التي تضمن للأقليات حقوقها الجماعية الثقافية والسياسية, وفق ما جاء في شرعة حقوق الإنسان وملحقاته المعنية بالموضوع. ويعدّ هذا الاعتراف الدستوري، المكمل الحقيقي لمبدأ المواطنة المتساوية بين الأفراد والجماعات. ويعدّ هذا الإقرار الدستوري تجاوزاً للانقسامات والمخاطر المحتملة ضمن سوريا المستقبل.

من هنا فإن الدولة ذات التعدّد القومي والديني والثقافي يجب أن تنأى بنفسها عن أن تكون ملكاً لجماعة قومية بذاتها، أو لدين بعينه، وعليها أن تنبذ سياسات الاستعلاء والاحتكار، أو فرض هوية واحدة على الجميع، واستبعاد الجماعات والأقليات الأخرى. وعليها بدلاً من ذلك القبول بأن يكون المواطنون متساوون بالكامل في الحياة السياسية من دون الاضطرار إلى إخفاء هويتهم القومية أو الثقافية أو الدينية الخاصة بهم أو إنكارها.

إن احترام الدولة السورية بوصفها وطناً نهائياً لجميع أبنائها، ينبغي أن يترجم بإعادة الاعتبار إلى الرابطة الوطنية السورية وتنميتها وتعزيزها، والعمل على بناء هوية وطنية سورية جامعة، تنهل من حالة التعدد القومي والديني والثقافي التي يتصف بها المجتمع السوري، هوية وطنية عصرية تتجاوز حالات الانقسام المجتمعي سواء على أساس قومي أم ديني أم طائفي أم مناطقي، مدخلاً لا بد منه لمعالجة الخلل والشرخ الكبير في الرابطة الوطنية، وتحويل حالة التنوّع إلى عامل غنى وثراء وطني، بدلاً من أن تكون عامل تمزيق للهوية السورية ومهدّداً لوحدتها الوطنية, وهذا يستدعي من الجميع رفض كلّ أشكال التعصّب والتطّرف والاستعلاء القومي والديني، والعمل على إشاعة ثقافة المواطنة والاعتدال والتسامح وقبول الآخر، وجعل الحوار قاعدة أساسية للعلاقة بين مكونات المجتمع والتيارات السياسية والفكرية المختلفة، وتفرض على القوى السياسية القومية والدينية التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن أجنداتها ومشروعاتها المثالية التي تحوّل البلاد إلى محض قطر أو ولاية في منظومة متخيّلة لا تجد صدى لها في الواقع، وعليها الانصراف إلى بناء دولة ديمقراطية حديثة قادرة على تحقيق الرّفاه والازدهار لمواطنيها، وقادرة على التفاعل والتكامل مع محيطها الإقليمي والمجتمع الدولى وفق سياقات عصرية ومتطّورة تلبّي مصلحة شعبها ومصلحة الوطن عموماً.

إن محض القول بهوية سورية وشعب سوري بوصفهما مسلمتين محددتين وناجزتين ربما ينطوي على قدر من النخبوية والمثالية والرغبوية أكثر من قدرته على عكس الواقع الحالي الذي يجسد خلاصة لمسار تاريخي إشكالي -في أكثر تعبير حيادي يمكن أن يصفه- ويفترض ضمنياً وجود بيئة وشروط موضوعية ملائمة لإنضاج هوية اندماجية جديدة ليست متوافرة لا حالياً ولا في المدى المنظور، وهو بالقدر الذي يمثله -كطموح مستقبلي علينا العمل جميعا العمل لتمكين مقومات نموه ودعمها- فإنه بقدر مماثل قد يكون عنواناً جديداً لاستمرار هيمنة جماعة بعينها على الفضاء العام المشترك (أي الدولة) بلبوس جديد، إذا لم يقترن بمبادئ دستورية تنطلق من تعريف سوريا بوصفها دولة متعددة القوميات والأديان، يقرّ دستورها بحقوق كافة المكوّنات القومية، وعدّ لغاتهم وثقافاتهم لغات وثقافات وطنية، تمثّل خلاصة تاريخ سوريا وحضارتها. هوية متصالحة مع كامل المخزون الثقافي والروحي للمجتمع وعلى طول المسار التاريخي وبكل ما تخلله من مساهمات حضارية بعيداً عن أي رؤية أيديولوجية، بحيث ينعكس ذلك في اسم الدولة وعلمها ورموزها السيادية وإعلامها ومناهجها التعليمية وفي المؤسسات جميعها التي تمثل الفضاء العام المشترك. ومن ثم تعريف الشعب السوري الواحد بالمعنى القانوني عبر الاعتراف الدستوري بمكوناته القومية، وضمان حقوقهم القومية وقدرتهم على المشاركة في القرار بعيداً عن مفهوم المحاصصة، بل عبر جملة من الآليات الخلاقة في المستوى التشريعي والإداري، وربما يكون اعتماد برلمان بغرفتين تتمثل في غرفته الثانية الأقليات بحيث يكون لها دور محوري في إجراء تعديلات دستورية تمس حقوقها وحرياتها بصورة مباشرة (حيث يتطلب الأمر حينها أغلبية الثلثين في غرفتي البرلمان)، إحدى الآليات التي تستحق الاهتمام. أما في المستوى التنفيذي فإننا ندعوا إلى تبنّي نظم حديثة، وفي مقدّمتها النموذج الفدرالي، والتفاعل معه بإيجابية، بما يضمن تجاوز مساوئ النظام المركزي الذي غذّى -على مدى عقود- نزعات التسلّط والاحتكار والاستئثار بالحياة العامة، وبما يضمن توزيعاً عادلاً للسلطات والثروة، ويعزز العملية الديمقراطية، وتوسيع نطاق المشاركة، والمساهمة في تحقيق الإنماء المتوازن لكافة المناطق في سوريا، على أن يجري ذلك في مناخات يسودها الاستقرار والقدرة على التعبير عن الإرادة الحرّة لكلّ السوريين.

ثانياً: النظام السياسي المنشود بين الدولة المدنية والعلمانية

لقد تبنّت قوى المعارضة وتياراتها الفاعلة معظمها، مصطلح الدولة المدنية الحديثة، نوعاً من الهرب من مفهوم العلمانية، وتحاشت أي ذكر للعلمانية، ربما مراعاة للتيارات الإسلامية التي يرى بعضها في العلمانية معادلاً للكفر والإلحاد. ولم تجهد هذه القوى نفسها في توضيح ملامح الدولة المدنية ومقوماتها بالشكل المطلوب. بدورها القوى الإسلامية قدمت تعريفات مختصرة للدولة المدنية شابها الغموض واللبس، إذ رأى بعضهم في الدولة المدنية استمراراً لدولة الرسول في المدينة المنوّرة وعدّها أساساً للحكم والقياس. فيما رأى بعض آخر بأنها الدولة التي لا يقودها رجال الدين ولا يحكمها العسكر. وآخرون عرّفوها بأنها دولة تحترم كل الشرائع السماوية، فلا تلزم غير المسلمين بشريعة الأغلبية، بل تحترم حقهم في تطبيق شرعهم الخاص. أو دولة عموم المواطنين، لكن لا ولاية فيها لغير المسلم على مسلم، ولا للمرأة على الرجل. إنّ هذه الرؤى لم تنجح في تبديد الغموض الذي اكتنف مصطلح الدولة المدنية خصوصاً من منظور القوى الإسلامية، بل زاد من التوجس والمخاوف عند بعضهم، خصوصا لدى الأقليات، لأنّها لا تحقّق مبدأ المساواة بين المواطنين، وتكرّس التمييز في ما بينهم على أساس الدين، وما يحمله ذلك من مخاطر وتبعات على وحدة المجتمع/ الدولة.

إن فهمنا للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة ينطلق من كونها دولة مستقلة ذات سيادة، دولة دستورية تمتلك دستوراً وضعياً توافقياً يساهم في صوغ كافة القوى السياسية والمكونات الوطنية، وهي دولة عابرة للقوميات والأديان والمذاهب، وهي بهذا المعنى دولة المواطنين كلهم بغضّ النظر عن انتماءاتهم المختلفة، وليست حكراً لدين أو مذهب أو طائفة أو عرق أو أيديولوجيا أو حزب، هي الدولة التي تحترم العقائد الدينية ولا تعاديها من دون أن يترتب على ذلك أيّ امتيازات. هي دولة الحقوق والواجبات ودولة المواطنة المتساوية وفصل الدين عن السياسة والدولة، السيادة فيها للشعب وتقوم على فصل السلطات وتسود فيها سلطة القانون على الجميع، وتعتمد الديمقراطية نظاماً سياسياً يقوم على التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات نزيهة.

وفق هذه الرؤية فإن مفهوم الدولة المدنية لا يتعارض ومفهوم العلمانية، بل يتقاطع معه إلى درجة التطابق. لهذا لا نجد مبرّرا لاستبدال مصطلح العلمانية بالمدنية، ونرى في ذلك نوعاً من الالتفاف والتهرب من الالتزامات الواضحة التي تستوجبها القيم العلمانية، تحقيقاً لغايات يخفيها بعض من وراء التلطي والتمسّك بمفهوم الدولة المدنية.

ونرى في العلمانية والديمقراطية شرطان متلازمان، لا يمكن أن يتحقق أحدهما بمعزل عن الآخر. والنظام الديمقراطي العلماني يوفر حريات واسعة لكل الأديان، ويمنع التمييز الديني والطائفي واضطهاد الأقليات والمرأة، ويمنع استغلال الدين وتوظيفه من السلطة أو التيارات السياسية المتنافسة لأغراضهم الخاصة، ولا ننظر إلى العلمانية بوصفها عقيدة أو أيديولوجيا، وهي ليست معادية للأديان ولا تنتقص من قدسيتها، بل تهدف إلى تحديد مسافة فاصلة بين الدين والدولة، وإلى وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان، وتكفل للجميع حرية ممارسة دينهم وعقائدهم وطقوسهم من دون فرض وصاية أو هيمنة من الدولة والمجتمع على أساس ديني. ثم إن العلمانية ليست فلسفة إلحادية وإنما هي ترتيبات وإجراءات لضمان الحرية، وضمان حرية المعتقد والفكر. وأخيراً؛ ليس للعلمانية نموذج موّحد للقوانين والتشريعات، يجري تعميمها واستنساخها في كلّ دولة تأخذ بالنظام العلماني بل هي نظرية تسعى لأن تكفل لجميع المواطنين فرصاً متكافئة، وتضمن لهم الحرية في الاعتقاد والفكر والتعبير وتتأثّر بثقافة المجتمع وهويته وموروثه الشعبي، ولها تطبيقات ناجحة في دول عدة في الغرب والهند واليابان وماليزيا وتركيا وغيرها، وهي دول تعتنق ديانات مختلفة، والجوهر في هذه التجارب كلها هو تحييد الدين عن السياسة ووضعه في مكانه ودوره الملائم والمحترم بين صفوف المجتمع ومؤسساته المدنية. وبمعزل عن نشوء المفهوم وتطوره في الغرب، فإنه أضحى قيمة إنسانية عابرة للقارات والأجناس والأديان، ونجاح تطبيقه جعل منه صالحاً للتعميم ما دام يخدم فكرة الحرية، وقيم التعايش الحرّ، وتحقيق الخير العام للمجتمع.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.