رواتب فلكية للمسؤولين في الأردن والحكومة تطالب الشعب بـ “الصبر”

ما فتئت الحكومات الأردنية المتتالية ولاسيما الأخيرتين في ظل انتشار وباء كورونا، بمطالبة الأردنيين بالتقشف، في ظل ضائقة اقتصادية تمثلت بارتفاع معدلي البطالة ونسبة الفقر في بلد مثقل بالديون ويفتقر الموارد، حتى قيل عنه “بلد قائم على المنح والمساعدات الخارجية”، حتى سادت موجة من الاستياء والغضب في الشارع الأردني بعد أنباء تتحدث عن تقاضي مسؤولين أردنيين رواتب شهرية بأرقام فلكية، لا يتقاضاها مسؤولون في دول نفطية، وصل بعضها إلى قرابة 40 ألف دولار أميركي شهريا.

وكشف نواب في البرلمان في أولى المواجهات بين مجلس النواب المنتخب في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي والحكومة برئاسة “بشر الخصاونة”، عن تجاوزات خطيرة بتقاضي مسؤولين وذويهم، رواتب شهرية مرتفعة جدا وغير معتادة في الجهاز الحكومي تصل لبعضهم الى حوالي 38 ألف دولار شهريا، عدا عن الحوافز والامتيازات الأخرى، مطالبين بالتحقيق في هذه الأرقام التي لا تتلاءم مع قرارات حكومية سابقة بوقف العلاوات والزيادات على رواتب الموظفين في 2020 بسبب جائحة كورونا.

هيئة الطاقة الذرية..

النائب “محمد عناد الفايز” كان أول من وجه استجواباً لحكومة “بشر الخصاونة” مستفسراً عن تجاوزات خطيرة تمثلت بمنح بعض المسؤولين رواتب وامتيازات وحوافز مرتفعة جداً، واصفاً ما يحدث بالهدر المالي، متسائلا عن المؤهلات والمبررات التي منحت بموجبها الحكومة مخصصات مالية وامتيازات كبيرة لرئيس وأعضاء هيئة الطاقة الذرية، المتهمة منذ سنوات بعدم جدواها الاقتصادية والمالية.

وطالب “الفايز” في سؤاله النيابي الذي وجهه لرئيس الوزراء، بتزويده بموازنة هيئة الطاقة الذرية ونفقاتها من تاريخ إنشائها والمشاريع المقدمة والفائدة منها وتكلفتها، كذلك المنح الخارجية التي حصلت عليها الهيئة ومقدميها وقيمتها وطرق صرفها منذ تاريخ انشائها.

في الوقت الذي تداول فيه نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، معلومات حول تقاضي رئيس الهيئة الوزير الأسبق “خالد طوقان”، رواتب وامتيازات خيالية تزيد عن 38 ألف دولار شهريا، إلا أن “طوقان” رفض الإفصاح عن راتبه أمام مجلس النواب، وخرج في لقاء تلفزيوني معلنا أن راتبه يصل لخمسة آلاف دينار (7 آلاف دولار) شاملا العلاوات والامتيازات وراتبه محدد من رئاسة الوزراء.

وبين طوقان أن مفوضي الهيئة هم حملة شهادة الدكتوراه من أرقى الجامعات الأميركية، وأن إجمالي رواتب المفوضين الخمسة لا يتجاوز 19 ألف دينار شهريا (27 ألف دولار)، موضحا أن بدلات السفر على حساب مشاريع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ليخرج بعدها النائب “عمر العياصرة” منتقدا موقف “طوقان” بسبب عدم كشفه عن رواتب هيئة الطاقة أمام مجلس النواب، وأن تجاهله للمجلس مرفوض كونه الأداة الرقابية على عمله وعمل جميع مؤسسات الحكومة، قائلا “إنه لا يليق بخالد طوقان أن يمتنع عن تقديم المعلومات حول سؤال النائب “محمد عناد الفايز “عن راتبه ثم يخرج على قناة فضائية ويعلن هذه الأرقام”.

محسوبيات ورواتب ضخمة..

في سياق متصل وجه النائب “ينال فريحات”، سؤالا نيابيا للحكومة استفسر فيه عن راتب “زيد فايز الطراونة” نجل رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي السابق “فايز الطراونة”، والذي جرى تعيينه مديرا لوحدة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في رئاسة الوزراء براتب يبلغ حوالي 5600 دولار شهريا.

كما تم تداول معلومات عن تعيينات لمقربين من مسؤولين في وزارات وشركات حكومية كبرى برواتب مرتفعة.

في موضوع مماثل كشف الخبير الاقتصادي والمستشار السابق في الحكومة “محمد الرواشدة”، عن راتب الرئيس التنفيذي لشركة مصفاة البترول الأردنية، والذي يبلغ 320 ألف دينار في السنة أي ما يعادل 27 ألف دينار في الشهر، فيما يتقاضى مساعده 23 ألف دينار.

وقال في تصريحات قبل أيام إن هناك مبالغ طائلة تتراوح بين 8 – 10 آلاف دينار تصرف للمستشارين في الشركة، مشيرا الى أن هذه المعلومات ليست سرا وإنما مدرجة في التقرير السنوي والبيانات المالية للشركة.

كما بين الرواشدة أنه قبل سنوات قليلة كان راتب الرئيس التنفيدي لمصفاة البترول لا يتجاوز 6 آلاف دينار، واليوم يبلغ راتبه 27 ألف دينار شهريا ما يعد أمرا غير منطقى.

اللافت انه وبحسب البيانات الحكومية فان ذات الشركة خسرت حوالي 43 مليون دولار.

حملات شخصية..

ورأى آخرون أن قصة الراتب غير مهمة نسبة للوظيفة الموكلة والسيرة الذاتية المهمة للبعض، مقارنة مع دول أخرى، ذاهبين إلى نقطة أهم، كالصحافي “ماهر أبو طير” الذي وجد ان “القصة التي تستحق الإثارة، قصة كلفة المشروع منذ بدايته، حتى الآن، وليس راتب طوقان، وهي قصة تنسحب على مؤسسات ثانية في الأردن، في القطاع العام، والمؤسسات المستقلة، إضافة الى ما يثار حول رواتب مرتفعة لبعض المدراء، في عشرات المؤسسات والشركات”.

ويرى “أبو طير” أن الحملات ضد رواتب بعض المسؤولين الأردنيين تكون شخصية أحياناً وغير محايدة، ويضيف أن المشكلة الفعلية ليست في الراتب، بل في الإنفاق على بعض المشاريع من دون وجود أي جدوى يلمسها الناس.

الكاتب الصحافي يعتقد أن كلفة بعض المشاريع مبالغ فيها، خصوصاً في القطاع العام والمؤسسات المستقلة التي يحصل فيها رؤساء مجالس الإدارة، وأعضاء المجالس على مبالغ مالية عالية على الرغم من خسارة أغلب هذه الشركات.

و”خشية من استدراج الرأي العام في الأردن نحو التحاسد الطبقي والكراهية والانتقائية” يطالب أبو طير بـ”تخفيض الرواتب لا سيما موظفي الفئات العليا”.

رغم قرار مجلس الوزراء الأردني اقتطاع نسب من رواتب رئيس الوزراء والوزراء وبعض المسؤولين اعتباراً من راتب أبريل (نيسان) العام المنصرم، وتحديد الحد الأدنى للأجور وذلك لدعم جهود الدولة الأردنية في مكافحة فيروس كورونا، تشير التقديرات الرسمية أن الحد الأدنى للأجور في الأردن يبلغ 366 دولاراً فقط، فيما تقول تقديرات غير رسمية إن متوسط الأجور في البلاد يبلغ 800 دولار، كما تظهر أرقام أن نحو 14 في المئة من الأردنيين يتقاضون رواتب أقل من الحد الأدنى للأجور.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©