زيارة السيسي الأولى لجنوب السودان .. أبعاد استراتيجية وتحركات إقليمية

تزداد وتيرة التحركات المصرية على مختلف الصعد، السياسية والعسكرية في محيطها الإقليمي في ظل اشتعال أغلب الجبهات المحيطة بالقاهرة وتهديدها لأمنها القومي، بشكل استدعى تحركات خاصة تتناسب مع طبيعة تلك المتغيرات.. فشهدنا تحركات مختلفة في ليبيا والسودان وكان آخرها زيارة تاريخية – لأول مرة – لدولة جنوب السودان، قبل أيام قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تحرك حمل أبعادًا خاصة في رأي كثير من المراقبين

زيارة مهمة

شهدت نهاية الشهر الماضية، توجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لدولة جنوب السودان في زيارة هي الأولى من نوعها (الأولى منذ استقلال جنوب السودان في 2011) لبحث سبل التعاون بين البلدين، تزامنًا مع ارتفاع حدّة التوتر والاضطراب في منطقة القرن الإفريقي في ظل معارك إقليم التيغراي الإثيوبي.

والتقى الرئيس المصري نظيره سلفاكير ميارديت، حيث قام الجانبان بمباحثات تناولت عدة قضايا وملفات، أبرزها سبل تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين على مختلف المستويات، وقضايا التنسيق السياسي والعسكري وفق المؤتمر الصحفي الذي عقده الجانبان بُعيد اللقاء.

لقاء الرئيسين تناول ملف سد النهضة، الذي يعتبر من أهم التحديات أمام السياسة الخارجية المصرية حيث جرى التفاهم فيه حول أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ومتوازن حول ملء وتشغيل السد.

السفير، بسام راضي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية، في بيان له قال إن المباحثات شهدت مناقشة أطر وآفاق التعاون المشترك بين مصر وجنوب السودان، ليعرب عن الارتياح لمستوى التعاون والتنسيق القائم بين الدولتين، مع تأكيد دعمه لصالح البلدين والشعبين الشقيقين، وذلك بالاستغلال الأمثل لجميع الفرص المتاحة، وتعزيز الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين بالدولتين.

رسائل خاصة

حملت زيارة السيسي رسائل استراتيجية خاصة لجوبا وللخرطوم كذلك، في توجه قديم متجدد للقاهرة جنوبًا، بالتوازي مع التعاون الواسع في المجالات كافة بين مصر وجنوب السودان، حيث أخذت مصر على عاتقها دعم الدولة الوليدة منذ استقلالها عن السودان، والعلاقات بين البلدين تتضمن اتفاقيات واسعة.. كون الأخيرة تعتبر – وفق الرؤية المصرية – إحدى أهم دوائر الأمن القومي المصري الذي تعتبر جميع ملفاته مترابطة ومتصلة، وتتداخل في أمنها كل الملفات.

وفق البيانات المصورة حول الزيارة وتعليقات الصحف المصرية، فإن مُلخص الرسائل الرئاسية المهمة من جنوب السودان مثلته نقاط عديدة على رأسها:

تعزيز الشراكة الاستراتيجية المتكاملة بين البلدين في مختلف المجالات.. يضاف لها تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين على مختلف المستويات.

تسعى الزيارة للارتقاء بمعدلات التبادل التجارى بين البلدين وتشجيع الاستثمارات المصرية في جنوب السودان.

كما تهدف لتعزيز التعاون القائم بين البلدين في مجال الموارد المائية والري وتعظيم الاستفادة من موارد نهر النيل.

حيث تم الإشارة إلى أن نهر النيل يجب أن يكون مصدرا للتعاون والتنمية كشريان حياة لجميع شعوب دول حوض النيل. والعمليات السلام في البلدين السودانيين، جرى تأكيد دعم مصر الكامل لجهود الرئيس سلفاكير وجميع الأطراف الجنوب سودانية من أجل تحقيق السلام في البلاد.

يضاف لها دعم جهود حكومة الوحدة الوطنية لصياغة دستور جديد يحقق تطلعات شعب جنوب السودان نحو السلام والاستقرار والتنمية.

السيسي بدوره طالب المجتمع الدولي للوفاء ببتعهداته والتزاماته تجاه جنوب السودان في مسيراتها نحو بنا مستقبل أفضل.. كما دعم مساعي رفع العقوبات الدولية عن جنوب السودان بما يسهم في دعم عملية الانتقال السياسى الجارية.

وتمت مناقشة عملية تكثيف التعاون في مجال نقل الخبرات المصرية وتوفير الدعم الفني وبناء قدرات الكوادر الوطنية في جنوب السودان.

كما ناقش السيسي وسلفاكير ضرورة البحث في مزيد من الآليات والمشاريع لرفع إيرادات النيل، ومنع الضائع من مياه حوض النيل، خاصة وأنه يمكن أن تفكر دولة جنوب السودان بعد إنهاء أزمتها الداخلية؛ في إنشاء سدود على النيل الأبيض الذي يعتبر رافدًا مهمًا لنهر النيل.

حساسية التوقيت

أصبحت الحدود الجنوبية – حتى البعيدة منها – اتجاهًا استراتيجيًا مصريًا في ظل تصاعد أهمية التحالفات والشراكات المصرية.. فتحركت القاهرة بجرأة واضحة كون الزيارة تحدث لأول مرة، في وقت تعاني فيه أديس أبابا من مواجهة عسكرية مفتوحة بين الجيش الفيدرالي وجبهة تحرير “شعب تيغراي”.. بالتوازي مع مشاركة المقاتلات المصرية “ميغ 29” المعدلة في قاعدة المروي في السودان، وقيامها بمناورات مع سلاح الجو السوداني لأول مرة، ليصل بعدها بأيام، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لجنوب السودان، والتقي رئيس جمهورية جنوب السودان، سلفاكير..

ومع السياقات المضطربة للأمن الإقليمي وتهديد الدولة المصرية من جميع اتجاهاتها الاستراتيجية، وما قامته القيادة المصرية من مواجهة التهديدات من اتجاهي الشمال (شرق المتوسط وسوريا) ثم اتجاه الغرب (ليبيا)، اعتبر مراقبون أن الدور على الاتجاه الجنوبي الذي يمثل أهمية قصوى للعمق الأفريقي.

وهنا يجب تذكر أن العلاقات مع الخرطوم رغم ارتباكها في بعض الأوقات أثناء حكم البشير المحسوب على التيار الإسلامي، إلا أنها اليوم – مع الحكام الجدد اي الخرطوم – أصبحت أكثر تماسكًا وتعاونًا في أغلب ملفات التعاون الثنائي والقضايا الأفريقية، وظهرت التفاهمات أكثر عمقًا في ملف السد الإثيوبي.

ومع ما يعيشه القرن الإفريقي من موجة نزاعات وحروب داخلية، وخلافات بين قادة دوله، تتعثر المفاوضات حول سد النهضة بشكل متواصل، مع غياب آفاق لحلول مستقبلية قريبة الأجل.

وبينما تزداد خطورة الأوضاع الأخيرة والتوترات التي تشهدها إديس أبابا، تنتقل مصر خطوة في سبيل عرض وساطتها بالإضافة إلى الدعم الفني والعسكري لتعزيز السلام في جنوب السودان، الأمر الذي تباحثه الطرفان بشكل معمق خلال الزيارة الأخيرة، وجرى التصريح به خلال المؤتمر الصحفي.

ليؤكد مراقبون أن التعاون المذكور من شأنه أن يعزز موقف مصر في ملف سد النهضة المتعثر، لا سيما مع ارتفاع حدة القلق المصري على مستقبل حصتها من مياة النيل.

يأمل الجانب المصري عبر محاولات التقارب مع القادة الإفريقيين، في الوصول إلى حل لهذه الأزمة، والدفع بمسار المفاوضات حول سد النهضة، والذي يعتبر من أهم الملفات الإقليمية الإفريقية حالياً.

حيث يستمر قلق القاهرة من تهديد حصتها المائية، فهي تقوم بسعي متواصل لإقرار حل دائم وفق قانون ملزم لجميع الأطراف.. رغم ما تنفيه أديس أبابا من تهديد المصالح المصرية.

اللواء محمد الغباشي الخبير العسكري المصري ومساعد رئيس حزب حماة الوطن المصري، قال بحسب “المجلة” إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية جنوب السودان “تاريخية” لأنها الأولى منذ استقلال جنوب السودان في 2011 وجاءت هذه الزيارة في توقيت مهم جدًا وتدعم تعزيز أطر التعاون المشترك وتحمل الكثير من الرسائل، مع تحقيق الاستراتيجية المصرية في أفريقيا، وقيام جسور التعاون في جميع المجالات، مع تعزيز التنسيق في المواقف بين الدولتين تجاه القضايا الإقليمية المشتركة في القارة الأفريقية.

ليؤكد الغباشي، أن هناك ترابطا تاريخيا بين مصر وجنوب السودان، ووحدة نهر النيل والموقف المصري الاستراتيجي الثابت الداعم لأمن واستقرار السودان وشعبه الشقيق.. مضيفا أن اللقاء يؤكد حرص مصر على مواصلة التعاون والتنسيق مع جنوب السودان في كافة الملفات، خاصة فيما يخص منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي وأن مصر تولي أهمية كبرى للقضية الأفريقية والعودة إلى أفريقيا والحرص على تحقيق وأمن واستقرار جنوب السودان ومنطقة القرن الأفريقي.

وبحسب الخبير، تعتبر مصر الاستقرار والتنمية في جنوب السودان دعًما للاستقرار في القارة والمنطقة، وهو ما انعكس في مباحثات الرئيسين المصري السيسي، والجنوب سوداني سلفاكير، حيث حرصت القاهرة على تقديم دعم فني وتدريبي للكوادر من جنوب السودان، في مختلف المجالات المدنية والعسكرية، مع نقل الخبرات المصرية، وبرامج بناء القدرات للكوادر بمختلف القطاعات، بجانب التعاون الاقتصادي والتجاري في مجالات متعددة، تدعم مصالح البلدين.

علاقات عميقة رغم المتغيرات

اعتبرت خبيرة الشؤون الأفريقية في مصر بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أماني الطويل، وفق ما نقلته صحيفة المجلة، أن مصر ستظل لاعبًا رئيسيًا فى القارة الأفريقية، وأن زيارة الرئيس السيسي إلى جوبا تعتبر مهمة لارتباطها بالملفات الاستراتيجية المتعلقة بكل من مصر والسودان..

لتشير إلى أن أبرز مجالات التعاون هي مجالات تنموية في الأساس واتفاق على موقف واحد بشأن سد النهضة، والمتغيرات الإقليمية في القرن الأفريقي، مضيفة أن العلاقات بين البلدين عميقة وأقدم من عام 2011، ثم شددت أن أهم ما حدث خلال تلك الزيارة هو توافق مصر وجنوب السودان على أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ومتوازن حول ملء وتشغيل سد النهضة، فضلاً عن تعزيز التعاون بين دول حوض النيل على نحو يحقق المصالح المشتركة لشعوب دوله كافة، وتجنب الإضرار بأي طرف.

أما مسألة انحياز جوبا للرؤية المصرية فى قضية المياه، فهي تؤكد – بحسب الخبيرة- عمق الروابط وسلامة الموقف المصري وعدالته وأحقيته، مشيرة إلى أن الزيارة تعد استكمالا لأمن مصر القومي وتمثل نقطة هامة في ذلك.. لتنوه بحالة التكامل والشراكة بين مصر وجنوب السودان التي تتجسد بوضوح في عشرات المواقف والمشاهد، أهمها دعم مصر للتهدئة فى جوبا ورعايتها لمسارات التفاوض بين قواها السياسية خلال السنوات الماضية، والتوافق المشترك فى دعم وتعزيز السلام فى السودان من خلال جهود القاهرة ومساندتها لميثاق جوبا بين مكونات المشهد السوداني، وأخيرا اتحاد الرؤى بشأن سد النهضة الإثيوبي وانحياز جنوب السودان للموقف المصري المستند إلى شرعية الاتفاقات والمواثيق القائمة وما ينص عليه القانون الدولي وقواعد إدارة أحواض الأنهار المشتركة، من وجوب التوصل إلى تفاهمات وقواعد واضحة وملزمة لكل الأطراف، بما يحفظ حق دول المنبع فى التنمية دون تجاوز لحقوق دول المصب العادلة.. الموقف الذي أعلنته جوبا أكثر من مرة ويأتي من منطلق الصداقة والعلاقات القوية بين البلدين، وأيضًا من منطلق احترام جنوب السودان للقانون والمواثيق وسعيها لتعزيز التفاهم وترسيخ قيم الاحترام والشراكة والتعاون على أرضية العدالة وصيانة الحقوق التاريخية.

كما أكدت الباحثة أن “العلاقات المصرية- السودانية، شهدت تطورًا غير مسبوق على كافة الأصعدة وفي مجالات لم تعرف التعاون بين القاهرة والسودان من قبل، وبدا ذلك واضحاً من خلال التدريبات العسكرية المشتركة التي تجرى لأول مرة على الأراضي السودانية”.

البحث عن إجابات

بدوره، السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، قال – بحسب ذات المصدر – إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جنوب السودان من أهم الزيارات الخارجية، حيث إن جنوب السودان لديها العديد من الإجابات على ملف مياه حوض النيل وسد النهضة، لا سيما أنها أعلنت عن دعمها للموقف المصري في المفاوضات..

ليطلب حجازي تعزيز قدرات جنوب السودان، لإدارة مواردها المائية، مضيفا أن جنوب السودان تعد امتدادًا لأمن مصر الاستراتيجي، كما لفت أن مصر صاحبة المكون الرئيسي لقوات حفظ السلام في جوبا.

أما مجالات التعاون فهي متعددة بين مصر وجنوب السودان، وفق الدبلوماسي السابق وتشمل التعليم والصحة ومشروعات الربط الكهربائي، موضحا أن مصر قدمت مساهمات لجنوب السودان في مجال التعليم، مشيرا إلى أن مصر تخطط لفتح أسواق في جنوب السودان للسلع المصرية.

ليشير حجازي إلى أن التعاون المصري- السوداني سوف ينعكس بشكل إيجابي على أمن البحر الأحمر وأزمة سد النهضة، كما أن مصر والسودان سوف ينتقل التعاون بينهما إلى محور جديد، حيث أن التحركات المصرية الأخيرة تجاه القارة الأفريقية أثبتت أن القاهرة جادة في تفعيل اهتمامها بالقارة الأفريقية.

موضحًا أن زيارة الرئيس المصري إلى جوبا، بالإضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة مع السودان، تقرأ من ناحية أنها رسائل قوية بأن هناك توافقًا قويًا بين مصر والسودانيين.

أبعاد أعمق

تتقاطع التصريحات الرسمية للدولتين مع تحليلات وتوقعات وآراء المتابعين والمراقبين، التي تتمحور حول ملف سد النهضة المتربع على قائمة أولويات التباحث بين البلدين، خاصة وأن السد يقع على الحدود مع دولتي السودان وجنوب السودان، فكان من الضروري على السيسي العمل على كسب ود الدول التي تشكل الطوق لسد النهضة بعد تعثر مسار المفاوضات مع إثيوبيا.

وتسعى القاهرة، بحسب الأكاديمي والباحث في الشؤون الإفريقية، محمد أحمد ضوينا، لبناء علاقات إستراتيجية مع دول حوض النيل، خصوصًا وأن نجاح سد النهضة في تحقيق النهضة لإثيوبيا سيشجع دولاً كثيرة على إنشاء سدود، الأمر الذي سيكون كارثة حقيقية على مصر.

أما أيمن السيسي، نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، في تعليق لقناة اكسترا نيوز، فأكد أن الزيارة في هذا التوقيت تحمل دلالة على اهتمام مصر الشديد بجنوب السودان باعتبار كونه أصبح حلقة من حلقات الاستقرار في المنطقة وداعماً لكل حوارات السلم، على حسب رأيه.

لكن آراء أخرى، وفق مصادر مصرية – بحسب TRT – أشارت إلى أن الزيارة جاءت لتباحث ملفين رئيسيين وهما إعادة إحياء مشروع قناة جونقلي المتوقف، والوجود العسكري المصري في جنوب السودان.

حيث سعت الأجهزة المصرية في وقت سابق إلى إعادة إحياء مشروع قناة جونقلي، للاستفادة أكثر من المياه التي تعبر من خلالها إلى مصر، وبالتالي تأمين حصة مصر من المياه، بعد التهديد المتواصل بسبب سد النهضة.

ليبقى الموقف الإثيوبي غامضًا من حيثيات تلك الزيارة المتزامنة مع الصدامات في إقليم تيغراي، ويبدو وفق مؤشرات كثيرة أن الحرب الدائرة هناك سيكون لها تداعيات على خطط إثيوبيا تجاه بناء وتشغيل سد النهضة والتي كانت تمضي فيها منفردة.. لكن يوحي التصريح الأخير لرئيسة إثيوبيا سهلي زودي بأن إثيوبيا سوف تتعاون مع دول حوض النيل في موضوع السد أن إثيوبيا ربما تعمل على انتهاج استراتيجية جديدة للتعامل مع دول حوض النيل.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©