سجون تركيا: سوق سوداء لبيع الكمّامات

حتى الحوامل لايُرحَمن من الانتحار

أعلنت تركيا عن اكتشاف أولى حالات الوفيات والإصابات بفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد – 19) داخل السجون ، وقال وزير العدل التركي عبد الحميد غل إنه تم تسجيل وفاة 3 سجناء جراء إصابتهم بالفيروس من بين 17 حالة إصابة تم اكتشافها في 5 سجون مفتوحة في ولايات مختلفة. وأضاف أن 13 من بين هذه الحالات بحالة جيدة في المستشفى، بينما تم نقل مصاب واحد إلى قسم العناية المكثفة بسبب معاناته من أمراض مزمنة.

وجاء الكشف عن هذه الإصابات في الوقت الذي يواصل فيه البرلمان التركي مناقشة مشروع قانون ينص على الإفراج عن 90 ألف نزيل من السجون المكتظة بنحو 300 ألف سجين، في إطار «عفو عام» يضمن الإفراج المشروط أو تخفيف الأحكام وقضاء باقي المدة في المنزل.

ويواجه مشروع القانون انتقادات حادة من المعارضة التركية والمنظمات الحقوقية الدولية لأنه يستثني السجناء السياسيين وسجناء الرأي الذين وجهت إليهم اتهامات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب التركية المثيرة للجدل، جنبا إلى جنب مع المحكومين في قضايا القتل العمد. وسجلت تركيا الأسبوع الفائت 98 حالة وفاة جديدة و٤٠٩٣ إصابة ليرتفع عدد الوفيات إلى 1296 حالة والإصابات إلى ٦١٤٩ إصابة بالفيروس.
إلى ذلك، أجرى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الاسبوع الفائت اتصالا هاتفيا مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، لبحث التعاون في مكافحة الفيروس. وفي مقال له نشر في صحيفة «واشنطن تايمز» الأميركية انتقد جاويش أوغلو الحظر الدولي ضد الدول الأخرى في ظل تفشي فيروس «كورونا»، مشيرا إلى أن فرض الحظر على إيران لا يضر شعبها فقط بل يضر الدول الجارة أيضا. ولفت أوغلو إلى ضرورة استمرار شبكة الحماية الدولية لمختلف الدول في ظل تفشي فيروس «كورونا». واعتبر أن إجراءات الحظر أداة سياسية سيئة يجب إعادة النظر فيها من المنظور الانساني لأن هذه الأضرار تتضاعف في ظل تفشي الفيروس.

ارتفاع أسعار الكمامات في سجون تركيا

الغريب في الأمر، أنه في الوقت الذي تعلن كافة الدول في العالم حزمة مساعدات كبيرة وتفرج عن السجناء في سبيل مواجهة فيروس كورونا المستجد، فإن الامر مختلف في السجون التركية.

وواحدة من وسائل الوقاية الشائعة من الفايروس هو وضع الكمامات وبدلا من توفيرها مجانا للسجناء لوقايتهم من العدوى فإن سلطات السجون وبسبب الطلب المتزايد عليها أقدمت اعلى رفع أسعارها في داخل السجون.

وكشف الصحفي الكردي القابع في سجن مدينة وان الخاضع لحراسة مشددة، نديم تورفينت، أن سعر كمامة واحدة في مقصف السجن ارتفع إلى 17 ليرة (حوالي 2.70 دولارا)، نافيًا مزاعم السلطات حول اتخاذها كل الخطوات والإجراءات اللازمة لحماية المعتقلين من فيروس كورونا.

ومع أن أسعار كل شيء في مقاصف السجون بتركيا أغلى بكثير من الأسواق العادية في الخارج أصلاً، إلا أن مديرية السجن في مدينة وان، الحدودية مع إيران، بدأت تبيع كل المنتجات في مقصفها للسجناء والمعتقلين بمعايير “السوق السوداء”، بما في ذلك الكمامات.

الصحافي نديم تورفينت أكد في مكالمة هاتفية أجراها مع عائلته في 15 من الشهر الفائت أن ادعاءات وزارة الداخلية حول اتخاذها جميع التدابير اللازمة في السجون ضد فيروس كورونا لا تعكس الحقيقة، لافتًا إلى الخطورة التي تنتظر المعتقلين في حالة التقاعس عن فعل اللازم في وقته.

وأشار الصحفي نديم الذي قضت المحكمة بحبسه 8 سنوات بتهمة “الانتماء إلى تنظيم إرهابي”، التهمة الجاهزة التي يلصقها نظام أردوغان بكل المعارضين، إلى الظروف الحرجة للمعتقلين المرضى في السجن، ثم أردف قائلاً: “لقد استمعنا في ذهول ودهشة لتصريحات وزارة العدل التي زعمت اتخاذها جميع التدابير والاحتياطات في السجون، أما الحقيقة فلم نحصل حتى على الكولونيا والمطهرات والقفازات رغم طلبنا من إدارة السجن”.

وأفاد الصحفي الكردي المعتقل منذ عام 2016 أن مسؤولي السجن تركوا أمام بعض العنابر أدوات مطهرة، إلا أنهم رفضوا تقديم الكولونيا لهم قائلين: “محظور”، مشددًا على أنهم لم يتخذوا تدابير واحتياطات خاصة للسجناء المرضى المصنفين ضمن المجموعة المعرضة للخطر.

كما أشار الصحفي إلى أن مقصف السجن يبيع المنتجات بسعر باهظ قائلاً: “لقد زعمت السلطات وجود أدوات مزيلة للجير ومبيضة في السجن.. كلا.. بل أطلقت السلطات تحقيقا في هذا الصدد. فضلاً عن أن مقصف السجن بدأ يبيع الكمامات مقابل 17 ليرة”، على حد قوله.

وكذلك كشف الصحفي المعتقل عن أوضاع السجن قائلاً: “الأهم من كل ذلك أنه لم يتم اتخاذ تدابير واحتياطات خاصة للسجناء المصابين بأمراض مزمنة، ولا يزال عشرات الآلاف من السجناء يفترشون الأرض. نحن لا نفهم من أي التدابير يتحدث عنها المسؤولون. لذلك يجب الإسراع في تنفيذ الحزمة القضائية الثانية والإفراج عن السجناء المرضى في أقرب وقت ممكن قبل كل شيء”.

يذكر أن مراسل وكالة دجلة للأخبار نديم تورفينت كان تعرض للتعذيب في مركز الأمن قبل اعتقاله وإيداعه السجن في 13 مايو 2016، ثم قضت المحكمة الجنائية بحبسه ثماني سنوات وتسعة أشهر، ووافقت عليه المحكمة العليا في أكتوبر 2019.

إحصائيات صادمة

إلى ذلك وكان مركز ستوكهولم للحريات كشف إحصائيات صادمة بشأن عدد الأشخاص القابعين في السجون التركية، كما سلط الضوء على المعاناة التي يعيشونها خلف القبضان.

وأوضح المركز، نقلا عن إحصائيات أصدرتها وزارة العدل التركية، أن 260,144 شخصا مسجونون في مختلف أنحاء البلاد، مشيرا إلى أن السجون التركية البالغ عددها 385 تشهد اكتظاظا كبيرا.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن هناك “حمولة زائدة” تقدر بعشرات الآلاف من النزلاء، مما يؤدي إلى تقلص المساحة المخصصة لكل سجين، مما يعد انتهاكا لحقوق السجناء التي يكفلها القانون.

وأدين، خلال الفترة الماضية، ما مجموعه 44,930 شخصا بعقوبات بالسجن بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، من بينهم 31,442 سجينا سياسيا متهمين بالانتماء إلى حركة غولن.

وتتهم أنقرة الحركة، التي يقودها رجل الدين فتح الله غولن، المقيم في الولايات المتحدة، بتدبير محاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2016، وهو ما ينفيه غولن.

في سجون تركيا.. حتى الحوامل لم يسلمن من التعذيب

هذا وكان حقوقيون قد اتهموا السلطات التركية، بتعريض سجينة وهي حامل في الشهر الخامس إلى عمليات تعذيب وسوء معاملة، حيث تقول أنقرة إن لها صلات بحركة فتح الله غولن.

ففي رسالة على حسابتها بموقع “تويتر”، كشفت المحامية والناشطة البارزة في حقوق الإنسان إيرين كيسكين عن زيارة قامت بها لأحد السجون رفقة محامين آخرين، حيث أتيحت لهم الفرصة للتحدث مع السجناء ومعرفة أوضاعهم المعيشية في محبسهم، حسبما أفاد مركز ستوكهولم للحريات.

وقالت كيسكين: “التقينا سيدة مسجونة تحاكم بتهمة الانتماء لحركة فتح الله غولن”، الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب في صيف عام 2016.

وأضافت أن السيدة تعرضت للتفتيش الذاتي أثناء الحمل، بالإضافة إلى التعذيب عبر “الجلوس المعلق”، وهو أحد أساليب الضغط البدني والنفسي المتبع في السجون التركية ضد المعتقلين. وقالت كيسكين: “لا نتسامح مطلقا مع التعذيب”.

ولطالما تواردت أنباء عن ممارسات لتعذيب السجناء وسوء المعاملة في سجون تركيا، تمكنت منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية من رصدها، منذ الانقلاب الفاشل في يوليو عام 2016.

وفيات تحت مسمى الانتحار

وفي تقرير صدر في يناير عام 2019، قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والمعاملة القاسية اللا إنسانية أو المهينة في أماكن الاحتجاز والسجون، تزايدت بشكل ملحوظ، في غياب أي تحقيق ذي معنى.

ولا تقتصر الممارسات الجائرة التي ترتكبها السلطات التركية بحق النزلاء على الكبار فقط، حيث أعلنت جمعية حقوق الإنسان التركية في تقريرها لعام 2018، أن السجون التركية تضم 743 طفلا بجانب أمهاتهم، فيما اعتبر تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أن وجود معتقلات قبل الوضع بفترة قصيرة أو بعده مثير للقلق.

وتم سجن عشرات الآلاف في تركيا، من بينهم 10 آلاف سيدة على الأقل من جميع أنحاء البلاد، في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، وتتهم الحكومة التركية حركة غولن بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، ووصفتها بأنها “منظمة إرهابية”، رغم أن الحركة تنفي بشدة تورطها في محاولة الانقلاب أو أي نشاط إرهابي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©