سعيد والغنوشي.. صراع أقطاب السلطة في تونس

هيئة التحرير – تونس

“الرجل المخيف”، وصف جديد يطلقه الناشط السياسي التونسي، “حسن الدافعي”، على الرئيس، “قيس سعيد”، وذلك في سياق تقييمه للعلاقة، التي تجمع الرئيس بقيادات حركة النهضة، التي تسيطر على رئاسة البرلمان التونسي، لافتاً إلى أن سياسات الرئيس باتت بمثابة إثارة للرعب داخل الحركة، التي تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين.

حالة الرعب بالنسبة لحركة النهضة، يلخصها “الدافعي” بإمكانية استغلال الرئيس للظروف الراهنة والحالة الداخلية، لقلب الطاولة على الحركة، خاصةً مع وجود دعم حزبي تونسي لمثل هذا التوجه، والذي تمثله حركة الشعب وحزب التيار الشعبي وحزب الوطنيين الديمقراطيين وحزب العمال وصولًا إلى الأحزاب ذات المرجعية البورقيبية، على غرار الدستوري الحر، ما يجعل الفرصة سانحة أمام “سعيد” لاتخاذ مثل تلك الخطوة، على حد قوله.

وكان الصدام الفعلي الأول بين الحركة ومؤسسة الرئاسة تمثل برفض “سعيد” دعم العمليات العسكرية التركية، الداعمة لحكومة الوفاق، المحسوبة على الإخوان المسلمين في ليبيا. فقدان السلطة لفقدان البرلمان أكثر ما تخشاه حركة النهضة خلال الفترة الحالية، يلخصه “الدافعي” برغبة رئيس الدولة في تغيير النظام السياسي، وإمكانية حل البرلمان، الذي تمثل الحركة غالبية أعضاءه، والدفع باتجاه انتخابات تشريعية جديدة تأتي بنظام سياسي جديد.

وتسيطر حركة النهضة على أغلبية ضئيلة داخل البرلمان، اذ يشغل نوابها 54 مقعداً من أصل 217 مقعد نيابي، ما مكنها من المشاركة في الائتلاف الحاكم. الحديث عن خشية الحركة من انتخابات جديدة، يرتبط بخشيتها من فقدان أغلبيتها النيابية وخروجها من الإئتلاف الحكومي، حيث يشير النائب في البرلمان التونسي عن حركة الشعب، “هيكل المكي” إلى أن مخطط الحركة يقوم على وضع يدها على مفاصل الدولة، مرجحاً أن تسير الامور خلال الفترة القادمة، باتجاه تصدع وشيك داخل الائتلاف الحكومي، الذي تشارك فيه النهضة بعدد من الحقائب.

وعلى الرغم من توليها الأغلبية النيابية، إلا أن الحركة فشلت بعد الانتخابات الأخيرة بفرض مرشح لرئاسة الحكومة، بسبب رفض العديد من الأحزاب التونسية الدخول في إئتلاف مع حركة النهضة، خاصةً الأحزاب العلمانية واليسارية. إلى جانب ذلك، يرى”المكي” أن لب الخلافات في مؤسسات الحكم التونسي، تجسدت بشكل مباشر بمحاولة رئيس حركة النهضة “راشد الغنوشي”، التعدي على الصلاحيات الدستورية لكل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة، بوصفه يشغل منصب رئيس البرلمان.

خلافات عميقة ومحاولات الانفراد التباين في وجهات النظر حيال الموقف من القضايا الداخلية والإقليمية، بين “الغنوشي” و”سعيد”، خلق من وجهة نظر الباحثة في العلوم السياسية، “نرجس بن قمرة” محاولات بين قطبي النظام السياسي التونسي، للتفرد بالمشهد السياسي وتحديد وجهة الخيارات الكبرى للبلاد، مؤكدةً أن الخلافات ظهرت بعمق بين الرجلين، من خلال الموقف المتباين من مسألة الأمن القومي التونسي، ومن تركيبة القيادات الأمنية والفريق الدبلوماسي وخيارات تونس الخارجية.

كما تشير “بن قمرة” إلى أن الأحداث الأخيرة في البلاد، أثبتت ان كلا من “الغنوشي” و”سعيد” يقفان على طرفي نقيض بخصوص النظام السياسي، حيث لم يتردد سعيد عن رفضه لمنظومة الأحزاب القائمة بعد 2011 و في مقدمتها حركة النهضة، على حد قولها.

وتتهم المعارضة التونسية، حركة النهضة، بالسعي لإدراج تونس تحت مظلة المخططات التركية في المنطقة، ودعم النفوذ التركي في تونس عبر بوابة الاقتصاد، خاصة مع اجتماع “الغنوشي” والرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، الذي فجر موجة جدل داخل تونس، كونه تم دون إعلام الدولة التونسية. في السياق ذاته، يرى الأمين العام لحركة الشعب، “زهير المغزاوي”، أن حركة النهضة تمارس بشكل فعلي حالة من الازدواجية السياسية على الساحة التونسية، لافتاً إلى أنها شريك في الائتلاف الحكومي، برئاسة “إلياس الفخفاخ”، وفي ذات الوقت تشكل جبهة تحالف سياسي مع حزب قلب تونس، وائتلاف الكرامة، الذين يتزعمان المعارضين في البرلمان.

وكان حزب قلب تونس، الذي يتزعمه المرشح السابق للرئاسة، “نبيل القروي”، قد دعم تولي “الغنوشي” لرئاسة البرلمان، على الرغم من توليه قيادة المعارضة التونسية، بعد رفض رئيس الحكومة إشراكه في الإئتلاف الحكومي الحالي. القيادات الامنية وخلافات على المحك الحديث عن خلافات “سعيد – الغنوشي”، يمتد أيضاً إلى مسألة التعيينات الأمنية، في وزارة الداخلية وفي مواقع حساسة في الوحدات الخاصة بمكافحة الإرهاب، حيث ينقل موقع العين الإخبارية، عن مصادر وصفها بالمقربة من مؤسسة الرئاسة، تأكيدها بأن “سعيد” يرفض تعيين القيادات الأمنية ذات الخلفيات السياسية، ويتجه لدعم تعيين قيادات ذات خبرة تقنية في محاربة الإرهاب.

وتواجه حركة النهضة اتهامات بتشكيل ما يعرف بالجهاز السري، الذي تقول المعارضة إنه تولى تصفية عدة معارضين للحركة في الميدان السياسي التونسي من بينهم المعارض “شكري بلعيد”. خيارات الرئيس “سعيد” وكما تصفها المصادر، لا تتلاءم مع ما تطلبه حركة النهضة، لافتةً إلى أن الخلافات تنامت بعد الكشف عن لقاء سري جمع مديرة ديوان الرئاسة “نادية عكاشة” بقيادات أمنية، سبق لرئيس الحكومة الأسبق ووزير الداخلية الأسبق، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، “علي العريض”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©