
بقلم: روبرت تشولدا، أستاذ مساعد في جامعة لودز (بولندا)
على الرغم من أن إسرائيل نفّذت عمليات عسكرية متواصلة ضدّ حركة حماس على مدى العامين الماضيين، فإن فرص تحقيق سلام دائم تظلّ ضئيلة جدًّا. وعلى العكس، يبدو أن مسألة تجدّد العنف ليست سوى مسألة وقت. وهذه المرّة، قد لا يكون ذلك في غزة، بل في الضفّة الغربيّة.
تركّز معظم النقاشات حول الوضع الإسرائيلي–الفلسطيني الراهن على قطاع غزة، الذي تعرّض لقصفٍ مكثّف وجويّ وبريّ بلا هوادة لأكثر من عامين. ووفقًا لوزارة الصحة الفلسطينيّة في غزة، تجاوز عدد القتلى سبعين ألف شخص. وتقدّر الأمم المتحدة أنّه منذ بداية الصراع، تضرّر أو دُمّر نحو 92٪ من المباني السكنيّة، أي ما يقارب 436 ألف منزل.
في الوقت الراهن، يسري وقف لإطلاق النار في غزة، يقسّم القطاع على طول ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» إلى منطقتين. يسيطر الجيش الإسرائيلي (IDF) على شريطٍ يتراوح عرضه بين 1.5 و6.5 كيلومترات من الحدود الشرقيّة، ويغطي نحو 47٪ من مساحة القطاع. أمّا المنطقة المتبقّية فهي تحت سيطرة حماس وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينيّة.
استمرار العنف والقمع
على الرغم من وقف إطلاق النار، يستمرّ العنف. إذ تقوم حماس بقمعٍ وحشيّ للمعارضين الحقيقيّين والمشتبه بهم للحفاظ على سيطرتها على السكّان. ومن بين هؤلاء الضحايا ياسر أبو شباب، وهو قائد ميليشيا فلسطيني بارز في ما يُسمّى مجموعة «القوّات الشعبيّة»، وقد قُتل في أوائل ديسمبر/كانون الأوّل 2025.
في المقابل، تواصل إسرائيل تدمير البُنى التحتيّة تحت الأرض التابعة لحماس التي يتمّ اكتشافها. وذكرت هيئة الإذاعة البريطانيّة (BBC) أنّ إسرائيل، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، دمّرت أكثر من 1500 مبنى في المناطق الخاضعة لسيطرتها، رغم أنّ خطّة السلام نصّت على تعليق جميع العمليّات العسكريّة، بما في ذلك الغارات الجويّة.
حماس لا تزال تشكّل تهديدًا
مع ذلك، لم تُدمّر إسرائيل حركة حماس. فقد تكبّدت الحركة خسائر فادحة في صفوف عناصرها، وخسرت قادة متمرّسين، وجزءًا كبيرًا من بنيتها التحتيّة العسكريّة، بما في ذلك العديد من الصواريخ. هذه الخسائر تحدّ بشكلٍ كبير من قدرتها العمليّاتيّة، لكنها لا تُنهي التهديد ولا تقضي على التنظيم نفسه. ووفقًا لبيانات إسرائيليّة، فإن أعداد مقاتلي حماس تقارب ما كانت عليه قبل الحرب.
يبقى استئناف الأعمال العدائيّة احتمالًا واقعيًّا. أوّلًا، قد تُغري الانتخابات المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 الحكومةَ الإسرائيليّة برئاسة بنيامين نتنياهو. فإطالة أمد الحرب قد تؤجّل الانتخابات وتفادي هزيمة سياسيّة محتملة. وبعبارة أخرى، قد يكون الحفاظ على التوتّر حول غزة وتصعيد الصراع مع العرب، بما في ذلك الأحزاب العربيّة داخل إسرائيل، استراتيجيّة لتمديد بقائه في الحكم. كما أنّ حماس غير مستعدّة للسير في طريق السلام وترفض الدعوات إلى نزع سلاحها، وهو ما قد تستخدمه إسرائيل ذريعةً لتجديد العمل العسكري.
الضفّة الغربيّة – برميل بارود
يبدو أنّ برميل البارود الحقيقي هو الضفّة الغربيّة. فمنذ عام 2005، يتولّى رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عباس السيطرةَ الرسميّة هناك. وعلى عكس حماس، يعترف أنصاره بإسرائيل وبحقّها في الوجود. ومع ذلك، لا تنخرط حكومة نتنياهو في أيّ تعامل مع السلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، وهي الجهة الوحيدة التي كان يمكن، رغم مشكلاتها الداخليّة، أن تكون قادرة على بسط السيطرة على غزة.
تتأثّر الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة بدرجةٍ كبيرة باليمين المتطرّف، الذي تؤدّي أفعاله إلى تصعيد الوضع. فهذه الجماعات لا تسعى فقط إلى الاحتفاظ بالضفّة الغربيّة، التي يُشار إليها في الخطاب الإسرائيلي باسم يهودا والسامرة، بل تدعم أيضًا إعادة توطين الفلسطينيّين على نطاقٍ واسع. وهي تشجّع المستوطنين اليهود المتطرّفين على إقامة مستوطنات جديدة في الضفّة الغربيّة. وتورد وسائل الإعلام الإسرائيليّة بانتظام تقارير عن أعمالهم العدوانيّة، بما في ذلك الاعتداءات على الفلسطينيّين وتدمير المحاصيل.
مشاريع استيطانيّة مثيرة للجدل
في عهد نتنياهو، وسّعت الحكومة بشكلٍ ملحوظ المستوطنات اليهوديّة في الضفّة الغربيّة المحتلّة، من خلال إقرار قرى جديدة وتقنين بؤر استيطانيّة غير رسميّة منذ أواخر عام 2022، مع تسارع هذا التوجّه بعد اندلاع الحرب في غزة. ووفقًا لمكتب ممثّل الاتحاد الأوروبي (الضفّة الغربيّة وقطاع غزة، الأونروا)، بلغ عدد المستوطنين اليهود في الضفّة الغربيّة بحلول نهاية عام 2024 نحو 502 ألف مستوطن، إضافةً إلى 233 ألفًا في القدس الشرقيّة.
فعلى سبيل المثال، أفادت الـBBC في 20 أغسطس/آب 2025 بأن «إسرائيل منحت الموافقة النهائيّة على مشروع استيطاني مثير للجدل من شأنه عمليًّا فصل الضفّة الغربيّة المحتلّة عن القدس الشرقيّة وتقسيم الأراضي إلى قسمين. وكان البناء في منطقة E1 مجمّدًا منذ عقدين بسبب معارضة دوليّة قويّة. ويحذّر منتقدون من أنّ المشروع سيُنهي الآمال بقيام دولة فلسطينيّة قابلة للحياة ومتّصلة جغرافيًّا. وقد وافقت وزارة الدفاع على بناء 3400 وحدة سكنيّة في E1. وقال وزير الماليّة اليميني المتطرّف بتسلئيل سموتريتش، الذي اقترح المشروع، إن فكرة الدولة الفلسطينيّة “مُحيت”.»
تصاعد التوتّرات في الضفّة الغربيّة
تشهد الضفّة الغربيّة تصاعدًا في التوتّرات منذ فترة، ولم تؤدِّ الحرب في غزة إلا إلى تفاقمها. فمنذ أشهر، تنفّذ القوّات الإسرائيليّة عمليّات «مكافحة الإرهاب»، مبرّرة ذلك بالحاجة إلى «التصدّي للجماعات الفلسطينيّة المسلّحة المسؤولة عن هجمات ضدّ الجنود الإسرائيليّين والمستوطنين اليهود». ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، «قَتل الجنود أو المستوطنون الإسرائيليّون أكثر من ألف فلسطيني في الضفّة الغربيّة منذ بدء حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، بينهم عناصر من جماعات مسلّحة ومدنيّون». في المقابل، تشير إسرائيل إلى أنّ «ما لا يقلّ عن 44 إسرائيليًّا، من جنود ومدنيّين، قُتلوا في هجمات فلسطينيّة أو خلال عمليّات عسكريّة إسرائيليّة».
لا تزال خلايا حركتَي الجهاد الإسلامي الفلسطيني وحماس نشطة في الضفّة الغربيّة. فعلى سبيل المثال، في أوائل ديسمبر/كانون الأوّل، «نشر الجهاد الإسلامي الفلسطيني مقطع فيديو يُظهر مختبرًا لعبوات ناسفة بدائيّة الصنع، حيث يقوم المسلّحون بتجهيز متفجّرات لاستخدامها ضدّ جنود الجيش الإسرائيلي». وفي الأسابيع الأخيرة، اعتقلت إسرائيل عشرات الأشخاص المتّهمين بالعمل مع هذه التنظيمات.
ويتجلّى هذا الوضع المتوتّر ليس فقط في كثرة الاعتقالات أو عمليات إعدام الفلسطينيّين، مثل مقتل رجلين غير مسلّحين في جنين أواخر أكتوبر/تشرين الأوّل 2025، بل أيضًا في الهجمات على الجنود والمستوطنين الإسرائيليّين، الذين يردّون بالمثل. فعلى سبيل المثال، في 18 نوفمبر/تشرين الثاني قرب غوش عتصيون، قُتل إسرائيلي يبلغ من العمر 70 عامًا وأُصيب ثلاثة آخرون. وقد «قاد منفّذان يبلغان 18 عامًا سيارةً باتجاه مجموعة من المدنيّين عند مفترق طرق، ثم ترجّلا وحاولا مهاجمتهم بالسكاكين». وأطلق جنود احتياط قريبون النار عليهما.
مستقبل خطير
في الضفّة الغربيّة، حيث يبلغ مستوى الكراهية والعدوان درجاتٍ خطيرة، يظلّ خطر العنف مرتفعًا إلى حدٍّ بالغ. وداخل الحكومة الإسرائيليّة، يبدو أنّ هناك إغراءً لتعزيز موقع المستوطنين عبر فرض وقائع على الأرض. وقد يخدم مزيد من الفوضى فريق نتنياهو، ويضمن له مكانةً في التاريخ بوصفه الزعيم الذي فعل أكثر من غيره لـ«استعادة» يهودا والسامرة التوراتيّتَين لليهود. لكنّ ذلك يعني أيضًا استمرار زعزعة الاستقرار وتصاعد التوتّرات، وهو ما سيؤدّي، عاجلًا أم آجلًا، إلى مزيد من العنف والمعاناة.







