MENA Research Center
دراسات بلاد الشام والعراق

سوريا كممر للطاقة: بين جغرافيا واعدة وواقع معطِّل

دفعت محاولات إيران إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، دول العالم إلى البحث عن طرق وممرات بديلة، وعاد ملف تحويل سوريا إلى ممر لنقل الطاقة إلى واجهة النقاش الدولي بعد تصريحات للمبعوث الأميركي توم براك، حيث أشار براك إلى إمكانية استغلال الأراضي السورية كمسار محتمل لخطوط أنابيب تربط بين مناطق الإنتاج وأسواق الاستهلاك، مشيراً إلى أن هذه الفكرة ليست وليدة اللحظة، بل طُرحت سابقاً ضمن تصورات تهدف إلى جعل سوريا نقطة ربط بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحرين المتوسط والأسود، ما يمنحها ثقلاً استراتيجياً في قطاع الطاقة.

وقال براك أن الاعتماد على الموقع الجغرافي السوري قد يساهم في تقليل الضغط على مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، في ظل المخاوف المستمرة بشأن أمن الإمدادات نتيجة التوترات الإقليمية. لكنه أشار إلى أن الحديث عن هذا السيناريو لا يزال ضمن إطار دراسة الإمكانات، وليس خطة جاهزة للتنفيذ، لافتاً إلى أن التطورات الأخيرة داخل سوريا أعادت فتح باب التفكير في استثمار الموارد والبنية التحتية مستقبلاً.

ولعل أحد أهم بوادر هذا التوجه، ما صرح به وزير الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، حول التنسيق مع سوريا من أجل تسهيل الربط اللوجستي بين ميناء العقبة وميناء اللاذقية، بهدف تنويع مصادر دخول السلع إلى الأردن عبر البحر المتوسط إلى جانب البحر الأحمر، مما يساعد على تقليل تكاليف الشحن العالمية وضمان تدفق البضائع بشكل مستمر. ما يعني السعي إلى خلق مسارات تجارية أكثر مرونة في ظل التوترات الإقليمية.

تتناول هذه الدراسة المقومات التي تمتلكها سوريا بسبب موقعها الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا بريا، إضافة إلى امتدادها على البحر المتوسط، وهو ما قد يوفر بديلاً جزئياً عن الممرات البحرية الحساسة في الخليج. وتحاول هذه الدراسة الإجابة عما إذا كان الاعتماد على سوريا كنقطة عبور يمكن أن يمثل بديلا ذا جدوى اقتصادية، أم أنه مجرد حل وقت الأزمات؟.

ميزة الجغرافية السورية تُقدم الجغرافيا السورية في معظم الأبحاث الاستراتيجية بوصفها ميزة واضحة، لكن هذه الميزة لا تتحقق تلقائياً. فالموقع لا يعمل كقيمة مستقلة، بل كجزء من منظومة. هذه المنظومة تشمل الاستقرار، والقدرة المؤسسية، والاندماج في شبكات الاقتصاد العالمي. وفي غياب هذه العناصر، يتحول الموقع إلى مجرد نقطة على الخريطة، لا أكثر.
إن فكرة استخدام سوريا كممر للطاقة تعتمد على تصور مبسط مفاده أن أقصر طريق هو الأفضل، لكن تجارب الطاقة العالمية تثبت أن هذا الافتراض غير دقيق. فالممرات لا تُختار بناءً على المسافة فقط، بل على القدرة على الاستمرار دون انقطاع. وهذا يعني أن الطريق الأطول قد يكون أكثر جدوى إذا كان أكثر استقراراً.
في هذا السياق، تظهر سوريا كحالة خاصة، حيث يتقاطع الموقع المثالي مع بيئة غير مستقرة. وهذا التقاطع لا يقلل من قيمة الموقع، لكنه يؤجل استثماره. وهو ما يفسر استمرار حضور الفكرة في النقاشات الدولية، رغم غيابها عن التنفيذ.
ويعتبر الأمن في حالة سوريا من أكثر العوامل المؤثرة، فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود تهديدات، بل في طبيعة هذه التهديدات، التي يصعب التنبؤ بها، هذا الواقع يجعل من الصعب الحديث عن “ضمانات” بالمعنى التقليدي. فالمشاريع الطاقوية تحتاج إلى بيئة يمكن التنبؤ بها لعقود، بينما الواقع السوري لا يزال في مرحلة تشكل مستمر. وهذا التناقض بين متطلبات الاستثمار وطبيعة البيئة هو ما يجعل من الأمن عاملاً حاسماً.
التحليلات الحديثة تشير إلى أن الاستثمار في الطاقة لا يتوقف فقط على وجود الموارد أو الموقع لكنه يعتمد بشكل أساسي على “مستوى المخاطر السيادية”، وهو مفهوم يشير إلى قدرة الدولة على ضمان استمرارية المشروع. وفي الحالة السورية، هذا المستوى لا يزال مرتفعاً، وهو ما يؤدي إلى التردد لدى المستثمرين والدول.

البنية التحتية المتهالكة لا يمكن فهم إمكانية تحوّل سوريا إلى معبر للطاقة والسلع دون النظر إلى بنيتها التحتية، فالدولة التي يُفترض أن تلعب دور العبور تحتاج إلى شبكة متصلة، مستقرة، وقابلة للاستخدام المستمر تربط بين نقاط الدخول والخروج. وفي الحالة السورية، فإن المشكلة الأساسية تكمن في فقدان الشبكات القديمة لوظيفتها كمسار متصل يمكن الاعتماد عليه.

قبل الحرب، كانت سوريا تمتلك بنية تسمح لها بالقيام بهذا الدور بشكل محدود، حيث كانت خطوط الأنابيب تربط العراق بالساحل، وكانت الطرق البرية وخطوط النقل تؤمّن حركة البضائع بين الداخل والموانئ. ما حدث خلال سنوات النزاع هو أن هذا الترابط انهار بسبب الدمار وانقطاع الاستمرارية بين أجزاء المسار.

اليوم، يمكن القول أن هذه العناصر لم تعد تعمل كـ”ممر”. فالموانئ مثل اللاذقية وطرطوس لا تزال قائمة، لكنها لم تعد مرتبطة بشبكة داخلية فعالة تضمن انتقال البضائع والطاقة بشكل سلس إلى الداخل أو عبره. الطرق البرية تضررت أو أصبحت غير آمنة أو بطيئة الحركة. أما خطوط الأنابيب، فهي في كثير من الحالات إما متوقفة أو تعمل بشكل جزئي، والأهم أنها لم تعد تشكل مساراً مستمراً من نقطة إلى أخرى. وأي خلل في نقطة واحدة من المسار يكفي لتعطيل كامل الخط. وهذا ما يجعل سوريا حالياً غير قادرة على أداء وظيفة “المعبر”، رغم امتلاكها أجزاء من البنية التي يمكن أن تدعم هذا الدور.

خطوط الأنابيب، على سبيل المثال، يجب أن تكون متصلة، مؤمنة، وقابلة للتشغيل المستمر. في الحالة السورية، هذه الشروط غير متوفرة بالكامل. فبعض الخطوط التي كانت تربط العراق بالساحل لم تعد صالحة للاستخدام دون إعادة تأهيل كبيرة، وبعضها يمر في مناطق لا يمكن ضمان استقرارها على المدى الطويل خاصة في أماكن ما زالت تنشط فيها خلايا تنظيم داعش.

الأمر نفسه ينطبق على حركة السلع. فالمعبر البري يعتمد على سرعة الحركة، وتكلفة النقل، واستقرار الإجراءات. ومع تضرر البنية الطرقية، وغياب التكامل بين المنافذ، تصبح سوريا أقل تنافسية مقارنة بممرات أخرى في المنطقة. إذا كان هناك طريق أسرع أو أرخص أو أكثر استقراراً، فسيتم استخدامه بدلاً من سوريا.

هذا الواقع يعني أن أي مشروع لنقل الطاقة أو السلع عبر سوريا يحتاج إلى إعادة بناء “المسار الكامل”. و ضمان أن هذا الخط سيكون جزءاً من شبكة تعمل بكفاءة من البداية إلى النهاية. وهذا يشمل الطرق، والأنابيب، والموانئ، ونقاط العبور، وحتى الإجراءات الإدارية.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية في أن تكلفة إعادة بناء المسار الكامل أعلى بكثير من تكلفة إصلاح أجزاء منه. كما أن الزمن اللازم لذلك أطول، والمخاطر المرتبطة به أكبر. وفي بيئة لا تزال غير مستقرة، يصبح من الصعب على المستثمرين أو الدول الاعتماد على هذا المسار، حتى لو كان نظرياً أقصر أو أرخص. وبدون هذا الربط، ستبقى سوريا تمتلك موقعاً مثالياً، لكنها لن تمتلك وظيفة العبور، وهو ما يفسر استمرار الحديث عنها كممر محتمل، دون أن تتحول إلى ممر فعلي حتى الآن.

وفي جانب الموانئ تحديداً، توجد مؤشرات على تحسن تقني محتمل، لكن ليس على اكتمال الجاهزية بعد. ففي اللاذقية، أعلنت CMA CGM في 2025 عن تسريع المرحلة الثانية من التوسعة باستثمار جديد قدره 200 مليون يورو، مع هدف برفع القدرة إلى أكثر من مليون حاوية مكافئة سنوياً، واستيعاب سفن أكبر، وتحديث العمليات عبر الرقمنة وأنظمة مناولة شحن متقدمة ومنصات لوجستية مدمجة. كما تؤكد الشركة أن محطة حاويات اللاذقية تتعامل مع نحو 95% من الواردات والصادرات السورية المنقولة بالحاويات. وفي طرطوس، وقّعت DP World اتفاق امتياز لمدة 30 عاماً باستثمار يصل إلى 800 مليون دولار لتحديث البنية التحتية وتطوير الميناء، مع بحث إنشاء مناطق حرة ومراكز لوجستية داخلية وممرات عبور.

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن تحديث الموانئ وحده لا يكفي. فحتى لو تحسنت الأرصفة والمناولة الرقمية في اللاذقية وطرطوس، يبقى نجاح وظيفة العبور مرتبطاً بسلامة الطرق البرية والربط السككي والإجراءات الحدودية. والبنك الدولي يشير بوضوح إلى أن الضرر طال الطرق والسكك والمرافئ ضمن فئة البنية التحتية الأشد تضرراً، ما يعني أن “المسار الكامل” من الساحل إلى الحدود ما زال يحتاج إلى استثمارات واسعة، لا مجرد تحسينات موضعية داخل الميناء نفسه.

التنافس الإقليمي يعيق المشاريع المستقبلية الممرات الطاقوية هي أيضاً أدوات لإعادة توزيع النفوذ. وفي الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح بشكل حاد، يصبح كل مشروع طاقة جزءاً من معادلة أوسع. سوريا، بحكم موقعها، تقع في قلب هذه المعادلة. أي مشروع يمر عبرها سيؤثر على أدوار دول أخرى، سواء تلك التي تسعى إلى تعزيز موقعها كممر للطاقة، أو تلك التي تخشى من فقدان نفوذها.
هذا التداخل يجعل من التوافق شرطاً أساسياً، لكنه أيضاً يجعل من هذا التوافق صعباً. فالمصالح ليست متكاملة، بل متنافسة. وهذا ما يجعل من أي مشروع ليس مجرد قرار اقتصادي، بل نتيجة لتوازنات سياسية دقيقة.
إن الاهتمام المتجدد بسوريا يعتبر مفهوما في سياق التحولات العالمية الأوسع التي يشهدها قطاع الطاقة، وهي تحولات جيوسياسية بامتياز. فالعالم اليوم يعيد رسم خريطة مسارات الطاقة، مدفوعا بواقع جديد يتسم بعدم الاستقرار، وتزايد التنافس، وارتفاع حساسية سلاسل الإمداد. الأزمات المتتالية، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الخليج، كشفت هشاشة الاعتماد على ممرات محدودة، وأظهرت أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطًا بوفرة الموارد فقط، بل بمرونة طرق الوصول إليها.

في هذا السياق، أصبح مفهوم “تنويع المسارات” أحد المفاهيم المركزية في السياسات الطاقوية، خاصة في أوروبا، التي وجدت نفسها مضطرة لإعادة بناء شبكاتها بعد تقليص الاعتماد على الغاز الروسي. هذا التحول شمل إعادة تصميم البنية التحتية بالكامل لاستيعاب طرق جديدة وتخفيف الاختناقات في الشبكات القائمة. وتؤكد تقارير وكالة الطاقة الدولية أن هذا الاتجاه نحو التنويع أصبح ضرورة استراتيجية في عالم يتزايد فيه عدم اليقين وتتعقد فيه التفاعلات بين الطاقة والسياسة.

إلى جانب ذلك، فإن التحول نحو مصادر جديدة، مثل الغاز المسال والطاقة المتجددة والهيدروجين، لم يُلغِ أهمية الممرات التقليدية، لكنه زاد الحاجة إلى شبكات أكثر مرونة وتنوعاً. فحتى مع توسع استخدام الطاقة النظيفة، لا تزال الحاجة قائمة إلى بنى نقل معقدة تربط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وهو ما يدفع الدول إلى الاستثمار في خطوط أنابيب جديدة، ومرافئ، وشبكات ربط عابرة للحدود.

في هذا المشهد المتغير، تبرز سوريا كخيار محتمل، لكن ليس لأنها أصبحت فجأة أكثر جاهزية، بل لأن النظام العالمي نفسه أصبح أكثر بحثاً عن بدائل. فالموقع السوري، الذي كان مهملاً نسبياً في ظل استقرار المسارات التقليدية، عاد ليكتسب أهمية نسبية مع تصاعد المخاطر في تلك المسارات. لكن هذه الأهمية لا تعني التفوق، بقدر ما تعني الدخول في حقل تنافسي مفتوح.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية، هي أن سوريا ليست الخيار الوحيد، بل أحد عدة خيارات تُطرح في إطار أوسع لإعادة توزيع مسارات الطاقة. فهناك مشاريع موازية في شرق المتوسط، وممرات عبر تركيا، وخيارات تعتمد على الغاز المسال، وشبكات جديدة تربط أوروبا بمصادر متعددة. هذا التعدد يعني أن أي دور محتمل لسوريا لا يُحدد فقط بقدراتها الذاتية لكن أيضاً بمدى قدرتها على المنافسة ضمن هذا النظام الأوسع.

وتصبح المنافسة الدولية والإقليمية أكثر وضوحاً عند النظر إلى البدائل القائمة فعلاً، لا إلى البدائل النظرية فقط؛ حيث بنت أوروبا خلال السنوات الأخيرة شبكة بدائل متوازية: فالممر التركي–الأذري عبر Southern Gas Corridor / TAP نقل منذ بدء تشغيله التجاري أكثر من 50 مليار متر مكعب إلى أوروبا، بينها أكثر من 41.7 مليار متر مكعب إلى إيطاليا و4.8 مليارات إلى اليونان و3.2 مليارات إلى بلغاريا، ما يعني أن جزءاً مهماً من وظيفة العبور نحو أوروبا بات مشغولاً بالفعل بمسار عامل وقابل للتوسع.

وفي الوقت نفسه، دفعت سياسة REPowerEU الاتحاد الأوروبي إلى توسيع بدائل الغاز المسال، حيث جرى خلال ثلاث سنوات تركيب 10 وحدات عائمة للتخزين وإعادة التغويز (FSRUs) وتوسعة 7 محطات LNG، بينما أظهرت بيانات النصف الأول من 2025 أن أوروبا استوردت 29% من إمداداتها الغازية من النرويج و27% من الولايات المتحدة و12% من الجزائر، وهو ما يقلل الحاجة الأوروبية إلى التعويل على ممر بري جديد عالي المخاطر.

أما في شرق المتوسط، فالمنافسة تتخذ شكلاً آخر، إذ تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مصر كانت حتى يوليو 2025 الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك قدرة تصدير غاز مسال، كما وقعت مصر وقبرص و”إيني” و”توتال إنرجيز” في فبراير 2025 اتفاقاً لتطوير غاز بلوك 6/كرونوس القبرصي ونقله إلى البنية التحتية المصرية ثم تسييله وإعادة تصديره، ما يعزز محوراً إقليمياً قائماً بالفعل على الربط البحري والتسييل. وفي المقابل، ورغم أن سوريا بدأت تجذب استثمارات مهمة، فإنها ما تزال تنافس منظومة إقليمية تعمل بالفعل وتملك عقوداً، وقدرات تشغيلية، وشبكات تصدير قائمة، لا فراغاً جيوسياسياً ينتظر من يملؤه؛ ولذلك فإن قدرة سوريا المستقبلية، حتى لو تحسنت، ستقاس بمدى قدرتها على انتزاع حصة من سوق عبور مزدحم، لا بمجرد امتلاكها موقعاً جغرافياً مميزاً.

ويرى البعض أن المبالغة في الحديث عن ممرات جديدة، ومنها سوريا، قد تتجاهل الفوارق الكبيرة في السعة والكلفة. فحتى الدول التي نجحت في تنويع مساراتها، مثل دول أوروبا الوسطى بعد أزمة الغاز، لم تستطع تعويض المسارات التقليدية بالكامل، بل اكتفت بتقليل الاعتماد عليها، وغالباً بكلفة أعلى. وهذا يعني أن دخول سوريا إلى هذه المعادلة، حتى لو تحقق، سيكون في إطار تقليص المخاطر، لا استبدال البنية القائمة.

التجارب السابقة كنمط متكرر شهدت مشاريع النقل الموجودة، في المنطقة نمطاً متكرراً من التعثر يكاد يكون بنيوياً، ما يجعل من فكرة استخدام سوريا كممر للطاقة والسلع حالة اختبار مستمرة أكثر منها مشروعاً متقدماً نحو التنفيذ. فهذه الفكرة طُرحت في سياقات مختلفة، وبمستويات متفاوتة من الجدية، لكنها اصطدمت في كل مرة تقريباً بنفس العوامل، حتى وإن اختلفت التفاصيل السياسية المحيطة بها.

من أبرز الأمثلة على ذلك المشاريع التي سعت إلى ربط الخليج أو إيران بالبحر المتوسط عبر الأراضي السورية. فقد طُرح في العقدين الماضيين أكثر من تصور لخطوط أنابيب غاز أو نفط تمر عبر العراق وسوريا وصولاً إلى الساحل، بما في ذلك ما عُرف بخط الغاز الإيراني–العراقي–السوري، الذي كان يُنظر إليه كأحد أكبر المشاريع الإقليمية المحتملة في مجال الطاقة. ورغم توقيع اتفاقيات مبدئية حوله في عام 2011، إلا أن المشروع لم يتجاوز مرحلة التخطيط، بسبب تداخل عوامل الحرب، والعقوبات، والتنافس الإقليمي، وغياب التمويل المستقر. هذه الحالة تعكس بوضوح أن المشكلة لم تكن في الفكرة ذاتها، بل في البيئة التي كان يُفترض أن تحتضنها.

الأمر نفسه ينطبق على خطوط أقدم، مثل خط كركوك–بانياس، الذي كان يشكل في فترات سابقة أحد المسارات الرئيسية لنقل النفط العراقي إلى المتوسط. هذا الخط، الذي أُنشئ في منتصف القرن العشرين، توقف أكثر من مرة بسبب عوامل سياسية، من بينها الخلافات الإقليمية والحروب والعقوبات، ما جعله مثالاً مبكراً على هشاشة الممرات البرية عندما تكون رهينة للتقلبات السياسية.

حتى المشاريع التي لم تكن مرتبطة مباشرة بالأنابيب، مثل محاولات تطوير ممرات برية ولوجستية تربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر سوريا، واجهت تحديات مشابهة. ففي كل مرة كانت تظهر فيها فرصة لإعادة إحياء هذه الممرات، كانت تصطدم بعوامل مثل عدم الاستقرار الأمني، أو غياب التوافق بين الدول المعنية، أو ضعف البنية التحتية، أو ارتفاع المخاطر الاستثمارية. وهذا التكرار لا يمكن اعتباره مجرد صدفة لأنه يعكس أيضاً وجود نمط ثابت في العلاقة بين الفكرة والواقع.

وهذا يقود إلى استنتاج مهم، وهو أن تكرار طرح الفكرة عبر الزمن لا يعني اقتراب تنفيذها، بل قد يعكس استمرار غياب الشروط اللازمة لها. فالفكرة تبقى حاضرة لأن الجغرافيا لم تتغير، ولأن الحاجة إليها لا تزال قائمة، لكن التنفيذ يتأجل لأن البيئة لم تتبدل بالقدر الكافي. وهذا ما يجعل من الحالة السورية مثالاً واضحاً على الفجوة بين الإمكان النظري والواقع العملي.

الاستنتاجات في النهاية، لا يمكن فصل كل ما سبق عن مسار الدولة نفسها. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى دولة قادرة على إدارتها. وهذه القدرة لا تتعلق فقط بالقوة، بل بالمؤسسات، والقوانين، والاستقرار. وعند النظر إلى المستقبل نجد أن هنالك مجموعة من السيناريوهات التي تعتمد على مسار العوامل الداخلية والخارجية.
في حال تحقق استقرار تدريجي، وإعادة بناء للبنية التحتية، يمكن أن تتحول سوريا إلى ممر فعلي خلال العقد القادم. هذا التحول لن يكون سريعاً، لكنه سيكون عميقاً، لأنه سيعيد تشكيل موقع سوريا في النظام الإقليمي.
وفي حال استمرار الوضع الحالي، مع تحسن محدود، ستبقى سوريا جزءاً من مشاريع جزئية، دون أن تتحول إلى مركز رئيسي. وهذا السيناريو هو الأكثر واقعية في المدى المتوسط. أما في حال تدهور الأوضاع، فإن الفكرة ستبقى مؤجلة، وربما تتراجع لصالح بدائل أخرى.

المصادر: ● Atlantic Council، 2025
● EU Institute for Security Studies (EUISS)، 2025
● Washington Institute for Near East Policy، 2025
● International Energy Agency (IEA)، 2025
● Chatham House، 2025
● World Bank، 2025
● United Nations Development Programme (UNDP)، 2025
● Le Monde، 2026
● Modern Diplomacy، 2026
● PRISM Monitor، 2026