سياسيا اقتصاديا ورياضيا.. المغرب والجزائر على صفيح ساخن

على كافة المستويات، يحتدم الصراع شيئا فشيئا بين البلدين الجارتين المغرب والجزائر، سياسيا حول قضية الصحراء الغربية، واقتصاديا بخصوص أنبوب الغاز النيجيري، بنية إيصاله إلى أوروبا، ورياضيا حول المقعد الإفريقي بالمكتب التنفيذي للاتحاد كرة القدم الفيفا.

مساء أمس الأحد، دعت المملكة المغربية وعلى لسان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج “ناصر بوريطة”، الجزائر إلى تحمل المسؤولية السياسية في قضية “الصحراء”.

وقال “بوريطة” في ندوة صحفية خصصت لنتائج الدورة العادية الرابعة والثلاثين لقمة الاتحاد الأفريقي والتي انتهت أمس الأحد، إن الجزائر عبأت في الأسابيع الأخيرة كل مؤسساتها الرسمية للإدلاء بتصريحات حول الصحراء المغربية، وأصبحت تُوليها أهمية أكبر من شؤونها الداخلية وحتى قضية فلسطين.

ونقلت وسائل إعلام مغربية عن الوزير أن الجزائر تعتبر قضية الصحراء المغربية قضيتها الوطنية الأولى، وعبأت كل المؤسسات الرسمية للإدلاء بتصريحات وصل عددها مؤخراً إلى حوالي 50 تصريحا، صادرة عن الحكومة ورئاسة الجمهورية والجيش والأحزاب والبرلمان والأئمة.

بوريطة أضاف “لم نر مثل هذه التعبئة حول أي قضية دولية، ولا حتى قضية فلسطين، ولا حتى القضايا الداخلية التي تهم الجزائريين.

وأفاد وزير الخارجية المغربي بأن هذه التعبئة الاستثنائية تكشف “الوضع الحقيقي للجزائر بكونها طرفا حقيقيا في ملف الصحراء”، مؤكدا أن “هذه التصريحات تُبين للعالم من يتسبب في إطالة ملف الصحراء وجعله دون حل”، داعيا الجزائر إلى “تحمل المسؤولية في المسلسل السياسي للصحراء على قدر التصريحات والمواقف التي تصدر عن مؤسساتها الرسمية، ما دامت تعتبر الصحراء قضية وطنية جزائرية”.

“بوريطة ” أشار إلى أن “وكالة الأنباء الجزائرية خصصت فينا الأسابيع الماضية 7 قصاصات يومياً لملف الصحراء، وأصبحت بذلك أهم من الشؤون الداخلية وهاجسا أساسيا للطبقة السياسية والسلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية”، مشددا على أن المغرب يلاحظ هذه المسألة، وهي تكشف ما كان يقوله دائما بأن الجزائر طرف وفاعل حقيقي في نزاع الصحراء.

يذكر أن الرئيس الأميركي السابق “دونالد ترامب” أعلن في 10 “ديسمبر كانون الأول الماضي، توصل المغرب وإسرائيل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بينهما، معترفا بالوقت نفسه بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، وفتح قنصلية أمريكية في الإقليم المتنازع عليه بين الرباط و”جبهة البوليساريو” المدعومة من الجزائر.

غاز نيجيريا إلى أوروبا..

قضية الصحراء الغربية ليست الوحيدة التي أثيرت مؤخرا، إنما اشتدت المنافسة مرة أخرى بين البلدين الشقيقتين الأسبوع الفائت، بعد عودة الحديث عن مشروع أنبوب الغاز القادم من نيجيريا، الذي سيزود أوروبا بالغاز الطبيعي.

وسائل إعلام مغربية أفادت بأن مشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب ونيجيريا ليصل إلى أوروبا عاد بقوة بعد المكالمة الهاتفية بين العاهل المغربي ورئيس نيجيريا، قبل نحو أسبوع. فيما يوجد في المقابل مشروع أنبوب آخر لنقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا عبر الجزائر يعود الاتفاق بشأنه مع أبوجا إلى 14 عاما مضت، بينما بدأ المشروع المغربي قبل نحو 5 سنوات.

المشروعان المتنافسان يهدفان إلى نقل الغاز النيجيري إلى أوروبا، ويوفر كل منهما للفائز به، المغربي أو الجزائري، دورا مهما في منطقة شمال وغرب إفريقيا وعلى المستوى الدولي، في ظرف تحولات جيوسياسية عميقة تغيّر وجه العالم بإعادة تشكيل خارطة النفوذ بين الأمم.

وقال وزير الطاقة الجزائري “عبد المجيد عطار” في حديث لوسائل إعلام قبل أيام، إن “إنشاء مشروع أنبوب غاز بين نيجيريا والمغرب، والذي أثار الكثير من اللغط في وسائل الإعلام، هو مشروع سياسي لا مردودية وجدوى اقتصادية له”، مشددا على أن المشروع يعبر عدّة بلدان، “وكمية الغاز التي ستصل إلى السوق الأوروبية ستكون قليلة، لأنّ كل البلدان التي سيمر عبرها بحاجة إلى الغاز، وبالتالي هذا المشروع غير مبني على أسس اقتصادية”.

أما بالنسبة لمشروع أنبوب الغاز بين الجزائر ونيجيريا، أكدّ وزير الطاقة الجزائري أنّ “المشروع مهم ويشمل ثلاثة بلدان فقط، هي نيجيريا والنيجر والجزائر، والدول المشاركة في تجسيده نفطية، كما أنّ جزأه الأكبر يمرّ عبر بلادنا، وهو جاهز”.

وفيما يتعلق بخصوصيات المشروعين المتنافسين، يمتد مشروع الأنبوب الجزائري، الهادف إلى نقل 30 مليار متر مكعب من الغاز النيجيري سنويا إلى أوروبا، وفقا للاتفاق بين الجزائر وأبوجا سنة 2003، على مدى 4128 كلم، من بينها 2310 كلم داخل الجزائر، حيث الشطر الجزائري منه شبه جاهز ولا يمر إلا عبر النيجر، والغالبية العظمى من الغاز المنقول من نيجيريا تذهب إلى أوروبا، فضلا عن الخبرة الجزائرية الطويلة في مجال الطاقة وقدرات هذا البلد اللوجيستية المرتبطة به، واتفقت الجزائر ونيجيريا على تنفيذه في نوفمبر الماضي بكلفة 20 مليار دولار، يُضاف إليها مشروع الطريق العابر للصحراء وشبكة الألياف البصرية التي تنجزهما الجزائر للطرف النيجيري.

في المقابل، يمتد المشروع المغربي على 5660 كلم بكلفة 25 مليار دولار ويمر عبر عدة دول غرب إفريقية يُفترَض أنها تقتطع جزءا من الغاز لنفسها كمقابل للترانزيت، فضلا عن تعقيدات عملية يطرحها تعدد دول العبور. وهذه الدول عددها 12، من بينها بنين، وغانا، وتوغو، وساحل العاج، وليبيريا، وسيراليون، وغامبيا، وغينيا بيساو، والسنغال، وموريتانيا، قبل وصول أنبوب الغاز إلى المغرب. تُضاف إلى ذلك إشكالية عبور الأنبوب عبر الصحراء الغربية، وهي الإقليم المتنازع عليه من وجهة نظر القانون الدولي، في حال تقرر عبور الأنبوب من أراضيه حيث لم يتأكد ذلك حتى الآن.

أما العائق الذي قد يواجه كلا من المشروعين المغربي والجزائري فهو المخاطر الأمنية التي قد تطرحها نشاطات تنظيم “بوكو حرام” المتطرف في شمال نيجيريا، والتي أثرت بقوة على قطاع الطاقة في نيجيريا ومداخيل هذه الدولة خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى المنافسة التي سيشكلها الأنبوب لبلدان لها حضور في السوق الأوروبية مثل روسيا والنرويج.

شظايا على ملاعب الرياضة..

بالتزامن مع اشتداد التوتر بين كل من الرباط والجزائر العاصمة، على عدة ملفات، أسدل الستار أمس الأحد على منافسات بطولة إفريقيا للاعبين المحليين لكرة القدم “شان”، والتي توج بها منتخب المغرب باللقب على حساب نظيره المالي إثر فوزه عليه بهدفين من دون رد.

ولطالما طال صراع الجارين السياسي، أصعدة أخرى منها الرياضة، فالبطولة التي احتضنتها دولة الكاميرون طيلة الأسابيع الثلاثة الماضية، احتدم الصراع حول المقعد الإفريقي بالمكتب التنفيذي لاتحاد كرة القدم فيفا.

رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم “خير الدين زطشي” أصر على حضور منافسات “شان”، رغم من أن منتخب بلاده غير معني بالمنافسات، عقب خروج من التصفيات على يد المنتخب المغربي المحلي بواقع ثلاثة أهداف لصفر، في الدور الحاسم المؤهل للنهائيات.

وجاء حضور رئيس الاتحاد الجزائري بهدف حشد الدعم لترشحه لعضوية المكتب التنفيذي للفيفا، إلى جانب المغربي “فوزي لقجع” والمصري “هاني أبوريدة”، و”غوستافو إيدوندونغ” من غينيا الاستوائية، الذين يتنافسون على مقعدين مخصصين لإفريقيا بالهيئة المشرفة على كرة القدم في العالم.

“زطشي” توجه إلى الكاميرون مدعوماً من سلطات بلاده للظفر بأحد المقعدين، وفق ما أعلنه نائبه “عمار بهلول” في تصريح له مع الإذاعة الجزائرية، الذي قال “تلقينا ضمانات ودعماً رسمياً من الدولة الجزائرية والسلطات العليا، لمساندة ملف خير الدين زطشي للظفر بمقعد في مجلس الفيفا”.

من جهته، لم يدخر “فوزي لقجع” جهداً خلال وجوده في دولة الكاميرون، من أجل قطف ثمار ما قام بزرعه طيلة السنوات الماضية، والتي عمل خلالها بدعم من سلطات المغرب، على عقد شراكات واتفاقيات مع عشرات الاتحادات الإفريقية.

إلا أن جهود رئيس الاتحاد الجزائري “خير الدين زطشي”، ذهبت سدى بعد أن رفض الاتحاد الدولي لملفه، على خلفية “تقديمه معلومات مغلوطة في استمارة ترشيحه”.

المحللون الرياضيون والتقارير الإعلامية الجزائرية وجهت الاتهامات بوجود خيانة داخلية، بتنسيق مع الاتحاد المغربي، من أجل الإطاحة بزطشي، في حين اعتبر آخرون أن المغربي “فوزي لقجع” هو المسؤول وراء إبعاد ممثل الجزائر.

قضية الصحراء الغربية سيطرت على أجواء القمة الإفريقية الرابعة والثلاثين، والتي شهدت مواجهة بين المغرب والجزائر، إذ تمكنت الرباط من جر الجزائر إلى الطاولة، باعتبارها طرفا أساسيا معنيا في النزاع إلى جانب موريتانيا، وهو ما ظل المغرب يؤكد عليه منذ نشوء النزاع وترفضه الجزائر، التي أجرت مناورات عسكرية برية وجوية ضخمة في تندوف الحدودية المحاذية للمغرب والصحراء الغربية.

التوتر الاخير جاء بعد أزمة معبر “القرقرات” في الصحراء الغربية وعودة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “البوليساريو” إلى العمل المسلح ضد المغرب، الذي تعتبره قوة استعمارية تحتل أراضيه، مما اضطر الجزائر إلى الاعتراف صراحة بأن “تدخلها في النزاع بالصحراء الغربية هو من باب دفاعها المشروع عن أمنها الاستراتيجي”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©