شبكة الجزيرة الإعلامية، إعلام أم مشروع هدَّام؟

الكاتب: عبد الناصر حسين محمد

تعرض هذه الدراسة لدور شبكة الجزيرة الإعلامية في صناعة ثقافة عربية منحرفة تخدم أهدافاً معادية، من خلال توضيح السياسة التحريرية للشبكة، واعتماد الشبكة على التهويل الدعائي، واللعب على وتر العاطفة الشعبية وعلاقة الشبكة بالمشروعين الأممي والقومي كما يقول كاتب هذه الدراسة.

ليس من المفيد التعريف بشبكة الجزيرة من منظور أصحاب الشبكة لها، فالجزيرة كما يعرفها أصحابها شيء وحقيقتها شيء آخر مختلف كثيراً عن تسويق أهلها لها.

بناء عليه فإن شبكة الجزيرة الإعلامية هي منظومة معقدة ومركبة من الوسائط الإعلامية التي تعتمد مبدأ «تكثيف النشر» لإحداث حالة تراكمية من القيم والتوجهات والثقافات لتأدية غرض سياسي جاد يعمل على صنع وقائع على الأرض، تخدم أهدافاً عابرة لحدود الأمة.

قناة الجزيرة هي جزء من تلك المنظومة وليست الجزء الأهم وفقاً لما تقدم في التعريف، فالجزء الأهم في شبكة الجزيرة الإعلامية هو «عالم السوشال ميديا» شبكة التواصل الاجتماعي التي أبدعت «الجزيرة» من خلالها تقنيات خاصة نجحت في إيصال «الفكرة المجرثمة» إلى أوسع شريحة اجتماعية ممكنة، معتمدة مبدأ «أينما كنت فسوف تصلك إصداراتنا».

محاور البحث

  • مجموعة الجزيرة الإعلامية هي التي رسمت ملامح الثقافة العربية.
  • دعم الجزيرة للإسلام السياسي والإرهاب والتطرف من بوابة قضية الخلافة.
  • دعم الجزيرة لمحور المقاومة والممانعة من بوابة القضية الفلسطينية.
  • البعد الأممي والبعد القومي في الجزيرة.
  • شبكة الجزيرة في شكلها المعلن.
  • شبكة الجزيرة في حالتها الخفية.

يمكن القول إن مجموعة الجزيرة الإعلامية هي التي رسمت ملامح الثقافة العربية

في العقدين الأخيرين بعد أن بنت إمبراطوريتها الإعلامية على أنقاض قناة البي بي سي اللندنية وأنجبت قناة الحوار. تلك الثقافة المبنية على «نظرية المؤامرة» و«صدام الحضارات» والانتقال من «ثقافة الهزيمة» إلى «ثقافة أوهام النصر» مستخدمة أسلوب التضخيم في مكان والتقزيم في مكان آخر, والتقاط الأخبار المعزولة، واصطياد التحليلات الشاذة. لقد تبنت مجموعة الجزيرة الإعلامية قضيتين كبريتين وبحماسة بالغة هما: قضية الخلافة وقضية فلسطين.

دعم الجزيرة للإسلام السياسي والعسكري من بوابة قضية الخلافة:

تنطلق الجزيرة -وفقاً لضيوفها- من اعتبار إقامة الخلافة أوجب الفروض وعزَّ الإسلام والمسلمين، والدار التي تحتضن الرعايا المسلمين وتتبنى قضاياهم أينما كانوا، وبناء عليه فإن الجزيرة تطرح المسألة على أنها قضية أمة وتاريخ، ولذلك فإنها ترعى جناحين إسلاميين كبيرين هما: «الإسلام السياسي» و«الإسلام العسكري».

يتمثل الإسلام السياسي في جماعة الإخوان المسلمين الذين يشغلون الحيز الأكبر من اهتمام «الإعلام الجزراوي» ولا أدل على ذلك من سيطرة الشيخ «يوسف القرضاوي» على برنامج «الشريعة والحياة» سنين عدة، على الرغم من رسائل الاعتراض المتكررة من طيف من جمهور الجزيرة.

ولقد رأينا رعاية الجزيرة لإخوان مصر حتى وصلوا إلى السلطة, ووقفوا معهم في مرحلة سقوطهم المدوي، ومن الأمثلة البارزة على تنسيق قناة «الجزيرة» مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية «اعتصام رابعة» الشهير الذي قامت به عناصر الجماعة والمتعاطفون معها في صيف عام 2013. في عقب إطاحة «محمد مرسي»، وما زالت تخطط لإعادة إنتاجهم بعد هبوط أسهمهم إلى الحد الأدنى منذ عقود من الزمن.(1)[1]

وعلى الضّفة الثانية نجد أن الجزيرة ترعى «تنظيم القاعدة» باعتباره -وفقاً للجزيرة- القوة الضاربة، والسلطة الجهادية الحامية لحمى المسلمين، وتحرص مجموعة الجزيرة على تقديم القاعدة بوصفها ظاهرة تاريخية محترمة لها منظّروها ومفكّروها الذين يحجزون مكاناً خاصاً ومرموقاً في الجزيرة، وتوضّح الجزيرة أن للقاعدة  المسوّغات الموضوعية كلها للظهور، وأنها ظاهرة تمليها نظرية «صدام الحضارات» إذ تبدو القاعدة كأنها في طليعة الأمة، حين تتقدم وسط تراجع أدوار الآخرين.

وإذا ساءت أحوال القاعدة وقل رصيدها فإن الجزيرة تصفها بأنها ردة فعل على ممارسات الغرب ضد المسلمين، أو ممارسات الحكام ضد المحكومين، طارحة بذلك «نظرية المظلومية» باعتبار العالم مجمعاً على استهداف الإسلام والمسلمين، وعندما ترتكب القاعدة جرماً سافراً يصعب تغطيته فإن الجزيرة تستخدم «نظرية المؤامرة» للإيحاء بأن القاعدة صناعة أمريكية، أو على الأقل تصف الحدث الإجرامي بأنه من ترتيب الغرب.

وقد كشفت وثائق «أبوت آباد» التي أفرج عنها في نهاية 2017، تفاصيل لافتة حول طبيعة العلاقة التي جمعت ما بين مراسل قناة الجزيرة في باكستان «أحمد زيدان» وقيادات «تنظيم القاعدة». وكما جاء في إحدى مراسلات «ابن لادن» فقد وصف القيادي في تنظيم القاعدة -الذي يحمل الاسم الحركي «مولوي عثمان»- مراسل الجزيرة «زيدان» بـ«المتفاهم والمؤيد» لتنظيم القاعدة، وذلك في معرض حديثه عن التنسيق لإحدى أشرطة القاعدة الذي كان ينتظر في وقتها أن يبث عبر قناة الجزيرة.(2)[2]

دعم الجزيرة لمحور المقاومة والممانعة من بوابة القضية الفلسطينية:

تقدمها الجزيرة بوصفها قضية العرب الأولى التي لا تعلوها قضية، فتبرز إسرائيل عدواً أول للأمة العربية, ويبرز الكفاح الفلسطيني على أنه الكفاح الأول وربما الأوحد ضد الطغاة، وتبرز المعاناة الفلسطينية وكأنها جرح مفتوح لا ينبغي الالتفات إلى غيره من المصائب والعذابات مهما بلغت، ومن أجل تلك القضية حرصت الجزيرة على صيانة «محور المقاومة والممانعة» بقيادة «الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وذلك بالتقليل من حجم ممارساته الإجرامية مهما اشتدت، وبإبراز مكامن القوة لهذا المحور، فلا توفر الجزيرة فرصة للحديث عن شكل من أشكال القوة إلا وتسوّغه لهذا المحور، وتحرص على إظهاره بالرقم الصعب في معادلة القوة والحل لا يمكن تجاوزه، وعندما يسرف هذا المحور في التمادي بالجريمة القذرة فإنها تتستر على شر أعماله، طارحة «نظرية المؤامرة»، على اعتبار أن شرور هذا المحور المقاوم جاءت هذه المرة مدعومة من الغرب.

وفي الوقت الذي تستغل فيه «الجزيرة» المواقف لتأليب الرأي العام على الدول العربية، قررت القناة ذاتها التشويش على صوت الشعب الإيراني الذي تظاهر في الشوارع بقوة، كونه يُعاني انتهاكات النظام الإيراني الفاسد. وزعمت «الجزيرة» عبر شريطها الإخباري وجود تظاهرات مؤيدة للنظام الإيراني في طهران، وعدد من المدن الإيرانية الأخرى، في تغطية تعكس فضيحة إعلامية بكافة المقاييس(3).[3]

شبكة الجزيرة تطرح البعدين الأممي والقومي:

بعد هذا الرصد الموجز لأبرز اهتمامات الجزيرة يمكن القول: إن استراتيجية الجزيرة الإعلامية تطرح القضيتين الأممية والقومية وتدعم من يقدم نفسه أو تقدمه الجزيرة على أنه يرعى هاتين القضيتين، من «إخوان مسلمين»، و«تنظيم القاعدة»، و«محور الممانعة» وملحقات هؤلاء من النخب والعلماء.

وفي التفاصيل تظهر التناقضات الصارخة التي تقع فيها الجزيرة ظهرت هذه التناقضات جلية بعد الثورة السورية.

في البداية كان المشروعان القومي والأممي متصادمين تصادماً حقيقياً صارخاً، وقد بدأ التصادم بعد سقوط «الخلافة العثمانية» وقيام الغرب بدعم المشروع القومي ليحل القومي العربي محل الأممي الإسلامي. وقد كان الأمميون ينظرون إلى القومية بوصفها «فكرة جاهلية» إذ يقوم الرابط المجتمعي على فكرة رباط القوم «العروبة» وليس رباط الأمة «الإسلام»، وينظر القوميون إلى الأمميين على أنهم متخلفون رجعيون، أو متطرفون إرهابيون.

ومع تطاول الزمن هدأت المعركة بين الفريقين، ثم حدث التقارب بينهما، إذ اقتربت تيارات الفكر القومي من تيارات فكر الإسلام السياسي وذلك لسببين: الأول هو ابتعاد حلم الخلافة عن الواقع بعد المتغيرات الكبيرة في العالم، والثاني هو كون القضية الفلسطينية تحتوي على البعدين الديني والقومي معاًاً، باعتبار فلسطين دولة عربية، وفيها «المسجد الأقصى». وعندما اشتد وطيس الكفاح الفلسطيني في سبعينيات القرن الماضي سارعت الاتجاهات كلها لدعمه فتقاربت المواقف أكثر فأكثر.

ومن مظاهر هذا التقارب ولادة «المؤتمر القومي الإسلامي» في بيروت عام 1994، وقد استضافت «الدوحة» الدورة السادسة للمؤتمر، بتغطية محمومة من «قناة الجزيرة»، يستعرض المؤتمر-وفقاً للمنظّمين- عدداً من الملفات الساخنة في مقدمتها تطوير التعاون بين التيارين القومي والإسلامي. وعلى الرغم من إقرار قيادات المؤتمر بوجود خلافات بين التيارين القومي والإسلامي إلا أنهم يؤكدون أن التيارين يتفقان حول القضايا المبدئية والخطوط العريضة التي تهدف إلى صوغ مشروع حضاري عربي إسلامي(4).[4]

ولدت «قناة الجزيرة» من رحم قناة البي بي سي اللندنية وارثة عنها كثيراً من الوثائقيات التي تميل إلى الرؤية القومية في قراءة الأحداث، وعملت الجزيرة على رعاية التيارين، واستطاعت -ببراعة- الجمع بينهما، مؤكدة أهمية حضور المحاور الثلاثة: «محور المقاومة والممانعة» الذي يضم: «إيران وسوريا وحزب الله وحركة حماس والجهاد الإسلامي وقطر». وهو المحور الذي يرفع شعار تحرير فلسطين، ومحور «الإسلام السياسي» مثمثلاً في الإخوان المسلمين إلى درجة كبيرة و«حزب التحرير» وهو المحور الذي يتبنى إقامة الخلافة. ومحور «الإسلام العسكري» متمثلاً في القاعدة، ذلك كله كان محمولاً على المجاز، وهو المحور الذي يتبنى فوضى الأهداف عموماً كإقامة الخلافة وضرب الطغاة واستهداف المصالح الغربية.

إن المشروع الأممي يحمّل الغرب مسؤولية «التآمر على الخلافة» ويعتبر الغرب العدو اللدود لقضايا الأمة، ويحمّل المشروع القومي الغرب مسؤولية «احتلال فلسطين»، وباعتبار الجزيرة تتبنى هذين المشروعين فإنها تجد نفسها تتبنى العداء للغرب، وتبني خطابها الإعلامي على هذا الأساس، ما جعلها تعتمد سياسة تصيّد الأحداث الشاذة والأخبار المعزولة وتضخيمها، لتصبح مادة إعلامية مقبولة تؤسس لثقافة ضارّة حيث تصنع من الأوهام نصراً، ومن الخيال مجداً، وتنهج نهج إثارة العواطف والغرائز وتنمية الشعور المعادي للغرب.

الواضح في سياسة التحرير لقناة الجزيرة أنها تقدّم ما هو أممي على ما هو قومي عندما يتصادمان، ففي حالة الربيع العربي لمسنا في الجزيرة حماساً ملتهباً في دعم الثورات عندما يكون للإخوان حظوظ كبيرة فيها، حدث هذا في تونس ومصر بشكل واضح، ومن جهة أخرى فإن الجزيرة دعمت الثورات ضد أنظمة الاعتدال المناهضة تقليدياً لمحور المقاومة.

وفي الثورة السورية تلكّأت الجزيرة في دعمها، على اعتبار أنها قامت ضد أحد أركان محور الممانعة، ولكن عندما ارتفعت حظوظ الإخوان المسلمين في السلطة وجدنا الجزيرة مهتمة بالثورة السورية، حتى إذا دارت الدائرة على الإخوان لمصلحة الليبراليين أو الديمقراطيين لاحظنا تخلي الجزيرة عن الثورة السورية لمصلحة نظام الممانعة، وحين يبرز دور ما للجماعات الإسلامية المرتبطة بالقاعدة تبادر الجزيرة إلى إبرازه، وعندما يتقدم فصيل طائفي إرهابي كحزب الله محسوب على الممانعة ليغزو سوريا فإن قناة الجزيرة لا تعيره الانتباه اللازم والكافي، كي لا تهتز صورة المقاومة.

يمكن القول: إن الثورة السورية أربكت حسابات الجزيرة، ووضعتها في موقف شديد الحراجة بحيث يكون اعتزال الشأن السوري هو الخيار الأفضل، فلا مجال للجزيرة أن تفاخر بمحور المقاومة، فمحور المقاومة هو اليوم من يرتكب الانتهاكات كلها في سوريا، ولا مجال للجزيرة أن تعلي من شأن تنظيم القاعدة، وقد ظهرت منه إساءات لا تستطيع الجزيرة تحمل تبعاتها، وبخاصة «تنظيم داعش» وليد القاعدة الذي يستهدف الثوار السوريين، ولا تريد الجزيرة أن تبرز مساهمات الجيش الحر في الثورة على اعتبار أن الحر هو خيار الغرب ويتلقى الدعم من الغرب والسعودية.

من هنا نستطيع تفسير لجوء الجزيرة إلى الصمت حيال الملف السوري، مع أنه أغنى وأثرى ملف في تاريخ قضايا الشعوب بالمواد الإعلامية، لكن الماكينة الإعلامية التي تبدو خارج الخدمة اليوم يمكنها أن تتحرك في ما لو أنجز محور المقاومة نصراً على إسرائيل ولو كان شكلياً، أو تمكن تنظيم القاعدة من توجيه أي ضربة للغرب مهما كانت تافهة وضد المدنيين، أو تصدر المشهد الثوري مكوّن الإخوان المسلمين.

  • يمكن للمراقب رصد حالتين لـ«شبكة الجزيرة الإعلامية»:

الحالة الأولى هي الجزيرة المعلنة التي يراها الناس، متمثلة في قناتها التلفزية، الملتزمة قليلاً بضوابط النشر وقواعد التحرير خوفاً من الرقابة. والحالة الثانية تتعلق بدهاليز الجزيرة الضيقة والمتشابكة.

بمعنى أدق فإن شبكة الجزيرة الإعلامية تمارس شكلاً عجيباً من أشكال «التقية» في عملها، إن جاز لنا استعارة هذا المصطلح لتوضيح الحالة «الجزيرية». ولتقريب الصورة أكثر، يمكننا تشبيه «الشبكة» بمكتبة لبيع الكتب تراها صغيرة الحجم في السوق، وتحتوي رفوفاً عدّة من الكتب المسموح بنشرها وبيعها، لكنك حين تسأل عن أي كتاب ممنوع من التداول فإن صاحب المكتبة سيعطيك غمزة مغرورة بعينه ويدخلك من باب ضيّق، لتجد نفسك في مستودع ضخم يحتوي آلاف الكتب المعتقة بالأيديولوجيا المتحجرة والتاريخيّات المتفحمة، وأي كتاب تقتنيه سيضعك ربما تحت حكم قضائي مؤلم.

  • الجزيرة في شكلها الظاهر المعلن:

انطلق بث قناة الجزيرة الأصلية في 1 نوفمبر(تشرين الثاني) عام 1996. تزامناً مع إغلاق القسم العربي لتلفاز «هيئة الإذاعة البريطانية» (المنشأة بالشراكة مع السعودية) في أبريل (نيسان) 1994، بعد سنتين من قيامها بسبب الرقابة التي طالبت بها السعودية، فانضم إلى الجزيرة عدد من العاملين في المحطة البريطانية. واعتمد القائمون على الشبكة شعاراً شرقي الملامح وهو تمثيل مزخرف لاسم الشبكة مكتوباً بالخط العربي «الديواني». بشكل متوازن متناظر رتيب.

وهذه أبرز ملامح «قناة الجزيرة» في شكلها الظاهر للعيان:

  1. الجزيرة في البعد الشعبوي: حرص القائمون على القناة أن يكون الطابع العام للجزيرة شعبياً درجة المغالاة في الشعبوية، ويظهر هذا في طبيعة البرامج الوثائقية التي تسلط الضوء على معاناة شرائح شعبية في أماكن متعددة من العالم العربي والإسلامي، وعلى معايش الناس وعاداتهم وتقاليدهم، كالحديث -مثلاً- عن أول شبكة في جيبوتي للمتعايشين مع «الإيدز»(5).[5]

تريد الجزيرة من خلال تلك البرامج وضع الناس في قلب القناة، لا في قلب الحدث، من خلال الاحتكاك بأوسع شريحة اجتماعية ممكنة، حتى ليكاد كل مواطن يشعر بأنه سيكون ضيفاً على الجزيرة يوماً ما، أو يكون مادة إعلامية يشاهدها الملايين، فيزداد اهتمامه بمتابعة القناة الجاهزة دوماً لتمرير رؤاها في ذهن متابعيها. ولهذا طرحت الجزيرة شعارها المعروف «الجزيرة منبر من لا منبر له».

  1. الدعائية المفرطة: تعتمد «الجزيرة» أسلوب الدعاية بشكل كبير، فرعاتها لا ينتظرون من المشاهد أن يبادر من تلقاء نفسه بالثناء على القناة بل يقومون هم بهذا الدور، من خلال المبالغة في الاحتفاليات المتعلقة بذكرى انطلاقة القناة، وابتكار عناوين براقة لتلك الاحتفاليات مثل «شمس لا تغيب» في الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقتها، و«مسيرة متجددة ورسالة أصيلة» في الذكرى العشرين، وتلك الزوابع الدعائية التي أثاروها في الذكرى 17 لتأسيس موقعها على الإنترنت. وتزامناً مع الذكرى العشرين لتأسيس «الجزيرة» أطلقت القناة حملة باسم «نحن الجزيرة»، تتضمن- بحسب القناة- سلسلة من المبادرات الهادفة إلى تشجيع الحوار وإعلاء قيم الاحترام والتسامح تجاه الآراء المختلفة. ولعل أبرز ما تتضمنه هذه المبادرة هو إنجاز حلقات تلفزيونية تستعرض قصص بعض الذين ساهموا في رواج القناة، ورافقوا البدايات، من أمثال «محمد كريشان وفيروز زياني وخديجة بن قنة وجمال ريان» وسواهم. وفي هذه الحلقات لا يكون المذيع ناقلاً للخبر، ولا محاوراً للضيف، بل يتحول إلى موقع الضيف وعليه أن يجيب عن أسئلة تدور في أذهان المشاهد الذي سيتعرف إلى الوجه الآخر لشخصيات تحولت إلى «نجوم»، تمتلك سطوة وحضوراً(6).[6]
  2. تلميع نخب بعينها: نجحت «قناة الجزيرة» سنوات طويلة في إبراز شخصيات بعينها تحمل أفكاراً وثقافاتٍ محددة، وحرصت على ترميزها وإظهارها في صورة من يحتكر العلم والفكر والمعرفة، درجة أن كثيرين صدقوا أن ضيوف الجزيرة الدائمين بل «المقيمين» هم مشاعل الهدى ومنارات الرشاد. وهم شخصيات عربية من أوائل الستينات والسبعينات من معارضين إخوانيين وقوميين وشيوعيين، جاعلة منهم المنبر الأوحد للمشاهد العربي، وبخاصة في برامجها الحوارية «الرأي والرأي الآخر»، و«أكثر من رأي».

ولم يقف الأمر عند حد تلميع ضيوفها المقيمين من المحسوبين من «أهل البيت» بل إن الجزيرة تتعمّد الخفض من شأن قامات فكرية أخرى، وإلقاء الشبهات عليها، وعلى هامات سياسية لا تتفق مع رؤيتها ولا تنسجم مع نهجها، حتى تصبح تلك الشخصيات بغيضة وإشكالية لشريحة واسعة من المتابعين. وحين يثق المشاهد العربي بأهل بيت الجزيرة سيجعل منهم المرجع الآمن لأفكاره وتصوراته وعلاقاته وسلوكاته، فيتسلح بالثقافة الهدامة وأبرز ملامحها «ثقافة الكراهية» و«البناء على أنقاض الآخرين» و«ثقافة العنف».

ومن المهم جداً الإشارة إلى أن الجزيرة التي ترفع من شأن شخصيات بعينها وتجعلهم نجوماً وشموساً في الفضاء العربي تتقاضى منهم ثمن تلك الدعاية على شكل دفاع مستميت عن سياسات «قطر» التي تحتضنهم وترعاهم ليظهروا قطريين أكثر من القطريين أنفسهم. ويتصدر الناشط السياسي والباحث الإخواني الموريتاني في مؤسسة قطر «محمد المختار الشنقيطي» الحملة الإعلامية القطرية منذ أن بدأ حراك دبلوماسي وسياسي غير مسبوق أدى إلى عزلة قطر خليجياً وعربياً بسبب عملها على تقويض الأمن القومي العربي ونشر الفوضى وزعزعة الاستقرار وتمويل التنظيمات المتطرفة والجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا(7).[7]

  1. الكذب: تنتهج قناة الجزيرة أسلوب الكذب خطاً تحريرياً ممنهجاً، فلا تكاد تخلو نشرة إخبارية من خبر كاذب أو أكثر، يدعم سياسة الجزيرة القائمة على إثارة الزوابع والفتن، والجزيرة -بهذا المعنى- ليست قناة إخبارية مطلقاً، فآخر همّها نقل الأحداث كما هي من دون روتوش أو وصلات إضافية.

قد يكون كذب الجزيرة صريحاً مفضوحاً أحياناً وقد يكون مبطناً احتيالياً، والخطر يكمن في هذا الأخير، إذ لا يكتشف زيف أخبار الجزيرة إلا المختصون، وتمر أغلبها على سواهم من عامة الناس أو المثقفين.

ومن أساليب الجزيرة المبطنة استخدامها «الانتقائية» المفرطة، فإذا أرادت الجزيرة إثارة تمرد ما في مكان معين أو فوضى فإنها تنشر أي شجار أو نزاع بين شخصين أو فئتين، وقد تسلط الضوء على ثغرة صغيرة لا تلفت نظر الناس معظمهم  فتضخمها حتى تبدو قضية ذات شأن، وتركّب لها أبعاداً وامتدادات لا تحملها. وحين لا تجد الجزيرة ما تكذبه فإنها تنقل أخباراً أو آراءً عن أشخاص مفترضين موجودين أو وهميين، بحيث تكثر في أدبيات الجزيرة عبارة «يقول معارضون». ومن أساليب الجزيرة في الكذب اهتمامها بنقل «تغريدات» الآخرين المشبعة بالكذب بطريقة مدروسة ومحسوبة، بحيث تبدو الجزيرة صادقة أمينة في نقلها لتغريدات مغرديها، لكن المغردين هم الكاذبون.

لكن الأشد خطراً من ذلك هو اجتهاد الجزيرة في صنع الحدث الذي تريد، ثم المسارعة إلى تغطيته عن طريق مراسليها المتحمسين لنقل الحقيقة من أرض الحدث، ولا يعلم كثيرون أن رعاة الجزيرة هم من أشعل الحريق الذي يغطونه إعلامياً. ولقد بلغ كذب الجزيرة حداً يصعب تصوره فالجزراويون على استعداد أن ينشروا خبراً عادياً أو مكذوباً أو مبالغاً فيه يتعلق بأحد خصومهم المعروفين ويضعوه تحت عنوان «فضيحة» واصفين إياها بأنها هزت «الرأي العام» ويصاحب عرض الخبر صور تهتز وترتجف وموسيقى تأثيرية «تفرقع وتقرقع»، لإقناع المشاهد بأنه يتابع حدثاً جللاً مع أنه فارغ المضمون من أي صدقية. لذا فقد وصفت الجزيرة بأنها قناة «الكذب والكذب الآخر»(8).[8]

  1. أسلوب التصنع والتمثيل: تهتم قناة الجزيرة -بشكل مفرط- بالمظاهر الجسدية والحركية واللباس والمكياج، لجذب المتابعين بأعداد كبيرة بغية الوقوع في فخ متابعتها، وبالنسبة إلى أصحاب الجزيرة فإن المظهر المخادع لا يقل أهمية عن المحتوى الكاذب، فكلاهما يسيران على التوازي، يظهر هذا في حركات الإعلاميين «الشمعية»، وفي نبرتهم «التلحينية»، والمكاييج «التزيينية»، ذلك كله مصحوباً بالمبالغة الملحوظة التي تطبع كثيرين من مقدمي البرامج بطابع الزهوِّ والغرور.

وحين نتابع ما تحدثت به الجزيرة عن دورة أعلنت عنها منذ مدة بعنوان «لغة الجسد الإعلامية» سنجد أنها دورة تمثيل درامي فاشل، تسهب في الحديث عن المعرفة بأدوار «لغة الجسد الإعلامية وخصائصها، ومهارات التعامل مع ضيف البرنامج، ومهارات التعامل مع الكاميرا، ومهارات أسلوب الكلام، ومعرفة دلالات تعبيرات الوجه، ومعرفة دلالات الاتصال البصري، ومعرفة دلالات اللمس والمصافحة، ومعرفة دلالات حركات الجسد»(9).[9]

  • الجزيرة في حالتها المخفيّة:

شبكة الجزيرة القطرية حالة معقدة من الدهاليز والجيوب، يصعب رصد تفاصيلها كلها لأنها تعمل بطرائق سرية في ما يشبه عمل المنظمات الأمنية. فهي في توسع مستمر وفي الاتجاهات كلها، تبذل الأموال الطائلة لخدمة هذا الغرض، علماً بأنها كانت مضطرة إلى تقليل الإنفاق على المجال الإعلامي مع إمكانيتها لتوظيف كثير من الأشخاص مجاناً بطريقة أو بأخرى.

وهذه أبرز العناصر التي أمكن تتبعها في مخطط الجزيرة المخفي:

  1. مهندسو شبكة الجزيرة: ربما يصعب تحديد الشخصيات الأكثر تأثيراً في هندسة «السياسة التحريرية» للجزيرة، لكن ما يمكن تأكيده هو الدور الكبير لشخصين مهمّين جداً على هذا الصعيد، هما الدكتور «وضاح خنفر» والدكتور «عزمي بشارة». فعلى الرغم من تباعد المسافة الفكرية بينهما وتباين الأصول المرجعية لكل منهما إلا أنهما يقفان على أرضية واحدة من العداء المستحكم لمحور «الملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة» خصوصاً، وللحالة العربية عموماً. وليس مستغرباً وجود تلك الأرضية المشتركة العريضة بين ممثل لتيار «الإسلام السياسي» وممثل لـ «التيار القومي» العروبي، فالجزيرة أصلاً لا هوية لها في ما لو استبعدنا الشعارات، ولا همَّ لها سوى تخريب المنطقة ومنعها من التقدم إلى الأمام.

وضاح خنفر: ولد عام 1968 في قرية الرامة بالقرب من مدينة جنين في فلسطين، وتخرج من كلية الهندسة في الجامعة الأردنية عام 1990، ثم التحق بقسم الفلسفة في كلية الآداب وتولى حينها إدارة ما سُمِّي باللجنة التحضيرية لاتحاد طلبة الأردن، ثم أكمل دراسته في العلاقات الدولية في جنوب أفريقيا، ودرس خنفر في السودان حيث حصل علي درجة الماجستير في جامعة أفريقيا العالمية. وترعرع في بيئة إخوانية خالصة، وكان ناشطاً سياسياً مذ كان طالباً، إذ كان عضواً لاتحاد الطلاب في الأردن، عاكساً في نشاطه مرجعية الإخوان المسلمين(10).[10]

عام 1997 كان وضاح خنفر مدير «تنمية الموارد البشرية» للاتحاد الإسلامي الدولي للمنظمات الطلابية «إيفسو»، وهي منظمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين. والتحق بقناة الجزيرة منذ انطلاقها، وكان مراسلاً لها في جنوب أفريقيا، ثم انتقل إلى الهند بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001؛ لتغطية تداعيات الحرب على أفغانستان، وبعد سقوط طالبان وقصف مكتب الجزيرة في كابول ذهب خنفر إلى أفغانستان وواصل تغطية الأحداث في مختلف أنحاء أفغانستان لمدة خمسة أشهر، بعدها انتقل إلى العمل في العراق، حيث تتبّع مجريات الأحداث قبيل الحرب على العراق من السليمانية شمال العراق، ثم غطى الحرب من خلال إقامته في شمال العراق، وبعد أن سقطت بغداد انتقل إليها وعين مديراً لمكتب الجزيرة في العراق، فأعاد تجهيز المكتب وتفعيله بعد أن قصف من قبل الطائرات الأمريكية، وأدى حينها إلى مقتل مراسل الجزيرة طارق أيوب.

قدَّم خنفر برنامج «المشهد العراقي» الذي كان يذاع على الهواء مباشرة من بغداد، وواصل عمله في العراق إلى أن عين مديراً لقناة الجزيرة في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2003 خلفاً لمديرها السابق «محمد جاسم العلي»، فانتقل إلى الدوحة وفي فبراير/ شباط عام 2006، عيّن مديراً عاماً لشبكة الجزيرة التي تضم مختلف القنوات والمؤسسات التابعة للجزيرة.

إن تجربة وضاح خنفر في أماكن الحروب التي كان «تنظيم القاعدة» أحد أركانها جعلت منه رجل «الجزيرة» الأول في تلميع صورة الجماعات الإسلامية المتطرفة ليحتل بذلك منزلة مرموقة في جماعة الإخوان المسلمين ويصبح مرجعاً للجماعة في شكلها الجديد المتمثل في احتضان الجماعات الإرهابية ودعمها.

في هذه المرحلة استطاعت قناة الجزيرة ومن خلال شبكة مراسليها ووسطائها عمل مجموعة لقاءات موثقة مع تنظيم القاعدة، بإعداد وضاح خنفر وإشرافه.

يعزو تقرير صدر في مجلة «نيشن» دعم محطة الجزيرة التلفزيونية للحركات الإسلامية إلى نفوذ خنفر، ووفقاً لتقرير الأمة فقد تغيرت تغطية الجزيرة بشكل كبير إلى «نهج شعبي إسلامي» أكثر كثيراً عندما تولى خنفر موقعه في الجزيرة في مارس/ آذار 2003.

منذ أن تولى خنفر رئاسة الشبكة أصبحت القناة تركز على مناهضة الأنظمة العربية، وتتمسك بموقف قومي عربي متطرف ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وتطرح قيم التيارات المحافظة والمتطرفة، ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لمعرفة السبب وهو ظهور «الإخوان المسلمون».

لم يقتصر دور وضاح خنفر على طبع الجزيرة بالطابع الإخواني فكرياً وثقافياً وتحريرياً بل تعداه لينجح في إدخال الكوادر الإخوانية إلى الشبكة حتى بات حوالى 50 في المئة من أفراد الشبكة ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين. وبدا أن نفوذهم في قطر آخذ في الارتفاع سواء في قناة الجزيرة أم بين الدوائر والأوساط الحكومية.

وبهذا يتضح أن شخصية وضاح خنفر هي التي دمغت «شبكة الجزيرة» بطابعها العدواني الكيدي التحريضي كما هي عليه اليوم.

ذلك كله أدى إلى تصاعد الانتقادات بشأن الخط التحريري لـ «الجزيرة» من داخل كواليس القناة، فبات الرجل يواجه خصوماً من داخل مجلس إدارة القناة، أبرزهم «عبد العزيز آل محمود»، الذي أقاله خنفر من رئاسة تحرير «الجزيرة نت». وسبب العداء بين الرجلين هو خلاف بشأن السياسية التحريرية، إذ لم يكن آل محمود يستسيغ سيطرة الإسلاميين والتوجه الإخواني على سياسة القناة، ولا سيما في طريقة التعاطي مع الخلاف الفلسطيني الداخلي.

وصلت وثائق «ويكيليكس» شخصياً إلى الرجل القوي في «الجزيرة»، ليقف في مواجهة «فضيحة» لم يتمكّن من حلّها بدبلوماسيته المعهودة. جاءت وثائق «ويكيليكس» لتبرز ربما جانباً من سرّ صعود خنفر وتدرّجه السريع في «الجزيرة». ويعود تاريخ الوثائق المنشورة إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2005. وتكشفت تعاوناً وتنسيقاً دوريين بين وكالة الاستخبارات العسكرية والمدير العام لـ«الجزيرة». وخلال اللقاءات بين الطرفَين، تعهّد خنفر بتعديل الأخبار التي تزعج الحكومة الأمريكية أو حذفها تماماً(11).[11]

عزمي بشارة: مفكر وأكاديمي وأديب فلسطيني من عرب 48، من مواليد الناصرة، 22 يوليو/ تموز 1956، حاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة، أسس التجمع الوطني الديمقراطي في إسرائيل وترأسه، وكان نائباً سابقاً عن التجمع في «الكنيست الإسرائيلي»، ويشغل منصب مدير عام «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات». كان أبرز الأعضاء العرب الذين يمثلون المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في البرلمان، وُجّهت له تهمة مساعدة العدو في زمن الحرب وكان المقصود دعم المقاومة اللبنانية خلال حرب لبنان 2006(12).[12]

يعيش عزمي بشارة في قطر بعد خروجه من فلسطين عام 2007 وتنقّله في دول عدّة، يدير حالياً «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» الذي أسسه عام 2010، ويرأس «مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا».

يختلف دور الدكتور عزمي بشارة كلياً عن دور الدكتور وضاح خنفر لجهة أن الأول لم يتعامل مع «الجزيرة» بوصفها مؤسسة تشرّفه، لأنه يرى نفسه أكبر من الجزيرة، بالنظر إلى حجم ثقافته وغزارة إنتاجه التأليفي، كما يرى هو نفسه على الأقل. وبعبارة أخرى يمكن القول: إن بشارة حين يقارن مركز دراساته بقناة إعلامية يجد القناة محدودة جداً أمام المحتوى الفكري الذي يطرحه مركز «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات».

عقب وصول بشارة إلى قطر، بحث عن وساطات بين عدد من الشخصيات لمساعدته للقاء أمير قطر السابق «حمد بن خليفة» وزوجته «الشيخة موزة» للوصول إلى غاياته. وبالفعل نجحت مساعى عزمي واستطاع لقاء الأمير وإقناعه ببعض أفكاره وبضرورة إنشاء مركز بحثي يخدم دولته ومشروعها السياسي أسوة بـ«مركز زايد للتنسيق والمتابعة». وبالفعل أقام أمير قطر الأسبق مركزاً للدراسات بموازنة سنوية قدرها 14 مليون دولار، وبدأ بالصعود نحو غايته وكان فى ذلك الوقت هو الجليس المفضل لولي العهد قليل الخبرة آنذاك والأمير الحالي «تميم بن حمد آل ثانى».

ولعب المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات دوراً كبيراً فى تقريب مديره عزمي بشارة من صناع القرار فى قطر، فمُنِح الجنسية القطرية وأصبح يتردد بكثرة على الديوان الأميري وعلى قصر الأمير الأب وتقرب إلى ولي عهده مع محاولة الانفراد به، وبخاصة بعد أن عرف نية الأمير الأب «التنحي»، ونجح بشارة بتنصيب نفسه موجهاً وأستاذاً للشاب تميم. وبدأ المستشار المغرور يلامس طموحاته فى السيطرة على قطر ورسم سياساتها الخارجية، غير أن قناة الجزيرة كانت هي العدو الأول لمشروع عزمي بشارة كونها تمثل توجهاً ورؤى مختلفة عن رؤيته وما يريد لدولة قطر أن تكون عليه(13).[13]

ليس هذا فحسب، فرجل كعزمي بشارة كان يطمح إلى أن يكون هو الشخص الأول تأثيراً في الواقع العربي بشخوصه ومفكريه ونخبه وسياساته. بعد أن استخدم بشارة الجزيرة لتسويقه مفكراً ومناضلاً ومقاوماً عروبياً، باتت بالنسبة الجزيرة بالنسبة إليه وسيلة منتهية الصلاحية ومنافسة له فى الحضور والتأثير في الرأي العام العربي، وعند أصحاب القرار فى قطر على وجه الخصوص.

وعلى الرغم من محاولاته كلها وجد نفسه عاجزاً عن التحكم بها أو تولي إدارتها فبدأ بالتحريض عليها فى المجالس الخاصة بالعائلة الحاكمة القطرية ومحاولة الضغط على ولي العهد الشاب لإقالة مديرها العام وإطاحة رئيس مجلس إدارتها القطرى «حمد بن ثامر» المحسوب على أبيه وباءت محاولاته كلها بالفشل.

ويمثل تنحي الأمير السابق «حمد بن خليفة» انفراجة كبيرة لإتمام عزمي بشارة مشروعه والقضاء على الجزيرة، فضاعف جهده للتقليل من شأن الجزيرة ومعاداة القائمين عليها وتحريض وزير الخارجية الجديد «خالد العطية» على رئيس مجلس إدارتها، وزيادة العداء بين الخارجية القطرية الجديدة والجزيرة، وبالتوازي مع ذلك قام بإنشاء «صحيفة العربي الجديد» و«محطة العربي» الفضائية فى لندن. لكن أيّاً من المشروعين لم يحظ بالصدى الإعلامي المخطط له. فاقترح على تميم إنشاء لجنة خاصة لتحديد السياسات الإعلامية لوسائل الإعلام القطرية لتتكون من: الأمير تميم، وحمد بن ثامر رئيس مجلس إدارة الجزيرة ومن الشاب الصاعد «عبد الرحمن آل ثاني» ومن عزمي شخصياً.

وكانت اللجنة فرصة لعزمي بشارة للنيل من «حمد بن ثامر» ووصفه أمام الأمير تميم بالجاهل والخشبي، وساهم بقرار اللجنة الأخير في تقليص ميزانية شبكة الجزيرة وتحويلها إلى تليفزيون رديف لتلفزيونات الحكومة وناطقاً رسمي باسم الخارجية القطرية.

ولم تُجدِ محاولات «حمد بن ثامر» في امتصاص جنون عظمة بشارة بمنحه برنامجاً شبه أسبوعي على الجزيرة اسمه «في العمق» يقدمه الإعلامي «على الظفيري» المتضامن وقتها مع عزمي بشارة.

وجد عزمي ضالته فى مرشح يعمل مديراً لمكتب الجزيرة فى عمّان يدعى «ياسر أبو هلالة»، الصحافي الإخواني الشاب.

فبدأ بشارة بالضغط لتعيين أبي هلالة مديراً للقناة، حتى اقتنع الأمير تميم وجرى تعيينه فى يونيو/ حزيران 2014، ولم تفلح محاولات رئيس مجلس إدارة الجزيرة «حمد بن ثامر» في تعطيل قرار التعيين، فبعد تهميشه تماماً وإبعاده عن الدائرة المقربة من الأمير كان فرض أبي هلالة سبباً لأن يطلب إعفاءه من جميع مناصبه.

وعمل بعد ذلك الاثنان على إبعاد كل شخصية قوية من إدارة الأخبار لفرض خط مهادن مع بعض العواصم العربية وإبعاد الجزيرة عن خطها الإسلامي، ليفتح المجال لجريدة عزمي وتلفزيونه «العربي الجديد» ليتصدرا المشهد.

بهذه التحركات لعزمي بشارة تغيرت قناة الجزيرة قليلاً ولمدة وجيزة، لكن بشارة لم ينجح في إحراز نصر حاسم على الجزيرة على الرغم من قوة مشروعاته الإعلامية المتمثلة فى «تليفزيون وجريدة العربي الجديد» لتكون بوق فتنة جديد للدوحة وأمرائها.

فقد قدَّم مدير عام «قناة الجزيرة» ياسر أبوهلالة استقالته من موقعه، 10 مايو/ أيار 2018 عبر بريد إلكتروني وجهه إلى زملائه، في ما عين الصحافي «أحمد السقطري اليافعي» مديراً جديداً للقناة، وعادت الجزيرة -بعد المقاطعة العربية لقطر- أسوأ مما كانت عليه قبل المقاطعة من إثارة للفتن وتحريك للفوضى، لكن الشراكة بين عزمي والجزيرة مستمرة حيث يمثل الرجل التيار القومي لكن من بوابة الإساءة إلى العرب لا دعمهم.

  1. إعلاميو شبكة الجزيرة: الإعلامي في شبكة الجزيرة ليس محض موظف يؤدي الدور المسند إليه ليتقاضى مقابله مرتباً شهرياً وبعض الحوافز أحياناً. لكنه يمثل حالة التزامية فريدة من نوعها فهو مغرد وناشر وناشط ومتحزب ومتعصب خارج استديوهات الجزيرة.

ولا مبالغة في القول: إن إعلاميي الجزيرة يعملون خارج عملهم الظاهري أكثر من كونهم موظفين بل يتقاضون رواتب إضافية أخرى منفصلة عن حسابات الجزيرة. إذ يتفاعلون على وسائل التواصل الاجتماعي مع الجمهور العريض ويحاورون الناس ويتلقون مزيداً من التأييد والدعم، وكثيراً من التهجم.

إعلاميو الجزيرة يظهرون عناصر متطرفين في حزب راديكالي فلا يخفون غضبهم وانفعالاتهم وربما حقدهم على الآخر المخالف مع أن شعار الجزيرة هو «الرأي والرأي الآخر».

والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى فقد تطاولت مذيعة الجزيرة القطرية «خديجة بن قنة» على الأمير «خالد الفيصل» أمير مكة المكرمة عقب تصريحات أدلى بها عن عدد الحجاج الذين يؤدون مناسك الحج، ووصفته بضعيف الذاكرة والتركيز لأنه فى أرذل العمر، لتفتح النار على نفسها من رواد التويتر(14).[14]

وشنت الإعلامية اللبنانية في «قناة الجزيرة» «غادة عويس» هجوماً حاداً على السعودية ووزير خارجيتها عادل الجبير، في عقب تصريح الأخير بأنه في حال رفعت الولايات المتحدة الأمريكية حمايتها عن قطر سيسقط النظام في أسبوع. وفي تغريدة لها على حسابها على «تويتر» كتبت عويس «بدل الاستقواء على جارتكم الصغيرة يا جبير توحّدوا ضد ترامب الحلّاب الأكبر» وأضافت: يا عيب الشوم عليكم»(15).[15]

وتساءل «جمال ريان» عن دور العاهل السعودي «الملك سلمان بن عبد العزيز» في نصرة الفلسطينيين الذين هبوا في مسيرات ضخمة إلى الحدود بين غزة والأراضي المحتلة. وقال على حسابه في «تويتر»: أين هو زعيم العالم الإسلامي الملك سلمان من تساقط الشهداء والجرحى الفلسطينيين المسلمين وهم يدافعون عن شرف الأمة.

الواقع يثبت أن الإعلاميين في شبكة الجزيرة ليسوا مهنيين مطلقاً ولا يمتلك كثير منهم اللياقة التي يجب أن يتمتع بها أي إعلامي محترم.

  1. الجيش الإلكتروني: لا يعرف على وجه الدقة لحظة تأسيس الجيش الإلكتروني الموازي لقناة الجزيرة.

وهو الوجه الخفي للقناة وأفادت دراسة أن قوام الجيش بلغ 23 ألف حساب، أنشئت لإثارة الرأي العام ضد محور «السعودية- الإمارات». وتستخدم مصطلحات بعينها مثل «المتسعودين»، و«كم راتبك»، و«أنتو عبيد». و‏أكثر عبارة جرى تكرارها من قبل الحسابات المصطنعة هي «تميم المجد». ثم إن المستخدمين لا يستخدمون صورهم الحقيقية، وفي بعض الأحيان يستخدمون صوراً مسروقة من مواقع أخرى، مستخدمين في حساباتهم أسماء مستعارة.

واللافت أنه بعد دراسة مصادر هذه الحسابات والمناطق التي يجري التغريد منها اتضح أن «32 في المئة في قطر، و28 في المئة في لبنان، و24 في المئة في تركيا، و12 في المئة في العراق». بمعنى آخر أن «جماعة الجزيرة» تمثل تحالفاً بين جهات طائفية مرتبطة بإيران وجهات إخوانية تنخر في الأمة.

إن التشابه الكبير في منشورات الجيش الإلكتروني وتغريداته يثبت أن وراء هذا الجيش «غرف عمليات»  نشطة تدور في فلك الجزيرة، تعمل على صوغ المحتوى الإعلامي وتقوم بتغيير طفيف في تركيبة المقال كتقديم جملة وتأخير أخرى، ثم تضخ مقالاتها إلى عناصر ذلك الجيش(16).[16]

يستغل مديرو الفريق الإلكتروني أي حدث لاختراع محتوى إعلامي مسيء، كالأخبار الآتية من فلسطين وكأس العالم وقيادة المرأة للسيارات، والأهم من ذلك هو ربط المساوئ والسلبيات والهزائم والنكبات كلها حتى «مجاعة الصين الكبرى»، وزلزال تشيلي «9.5 ريختر» بالسعودية.

  1. غرف التواصل الاجتماعي: لم يكتف فريق الجزيرة بنشر الكراهية والتحريض على شاشته المعروفة، ولا على منابر الفيسبوك والتويتر، فهذه الوسائل كلها تطرح احتمال المتابعة أو عدمها، فعملوا بنشاط على فكرة إجبار الآخر على متابعة أفكارهم والعمل على وضع المعلومة الملغومة أمام المتلقي بحيث لا يكون لديه خيار في المشاهدة أو الإغماض لأنه مضطر إلى فتح ناظريه في النهاية ليجد الخبر المشبوه والكاذب أمامه مواجهة.

والحديث هنا عن غرف «الواتس آب»، الموزعة على التجمعات العربية والإسلامية، في أنحاء العالم كلها على طريقة التنظيم الشبكي، بحيث يجري استيعاب الناس في غرف تحمل عناوين مختلفة تلائم الأمزجة والتوجهات كلها، فهناك غرف بعناوين دينية كـ«سيرة خير البشر» و«نفحات قرآنية»، وغرف بعناوين اجتماعية كـ«المتحابون في الله» و«إخوة العقيدة والإيمان» وأخرى بعناوين اجتماعية كـ«الجالية المسلمة في فرنسا» وغيرها، إضافة إلى غرف إخبارية وسياسية وفكرية. لكن العامل المشترك بينها جميعاً هو تمرير الرسائل الموبوءة والإصدارات المدمرة للوعي الجمعي للأمة للوصول بها إلى جماهير تدمن على تعاطي الحقد والضغينة، وتقتات على الكذب المركّب، بحيث لا تصحو الرؤوس من آثار كذبة حتى يجري إغراقها بكذب جديد حتى لا يتفرغ المتلقي للبحث عن صدقية الإصدار أو زيفه، فيصل إلى حالة التسليم المطلق بالمعلومة، ليمتلك تصورات تشبه اليقين الذي لا يناقش.

ختاماً: يعتبر بثًّ روح الكراهية والتحريض على العنف الملمح الأشد وضوحاً في قناة الجزيرة، بل إن الهدف الأساس من إنشاء القناة هو تحريض الشعوب على العنف وضخّ روح الكراهية بشكل ممنهج وبأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو التحالف مع أعداء الأمة وتخريب مقدرات الشعوب، قناة الجزيرة لا تحمل أي ملمح لمشروع نهضوي أو تنموي لأنها حريصة على إبقاء الجمهور العربي في حالة تعبئة غرائزية خاطئة، وحالة من «الشد العصبي» متحمساً لعناوين مصطنعة غير عابئة بالآثار النفسية والمجتمعية الناجمة عن التحريض، ولا تقف القناة عند حد التحريض الإعلامي فكرياً بل إنها تقدم دعماً للتنظيمات الإرهابية بتلميع صورة قاداتها، وتضخيم قوتها، وتسويغ شائنات أعمالها. فقد واجهت قناة الجزيرة القطرية اتهامات بدعم الإرهاب في الشرق الأوسط والعالم في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وجاءت الاتهامات الصريحة الغاضبة في حلقة نقاشية، نظمتها الفدرالية العربية لحقوق الإنسان في مقر المجلس في 19 سبتمبر/ أيلول 2017 مـ، على هامش الدورة الـ 36 للمجلس. وأقيمت الحلقة لمناقشة «الإعلام والإرهاب في الشرق الأوسط ودور قطر وأذرعها الإعلامية في نشر الكراهية والعنف في المنطقة».


المراجع:

[1] قناة الجزيرة والإخوان، إيلي ليك، جريدة الشرق الأوسط،  https://bit.ly/2MVuQLI

[2] وثائق بن لادن تكشف المستور مراسل الجزيرة مروج للقاعدة، العربية نت، هدى الصالح.  https://bit.ly/2Hr68PI

[3] في فضيحة جديدة ”الجزيرة” تدعم نظام ”الملالي” بالتشويش على ثورة الشعب، صحيفة صدى الإلكترونية، طلال الضوي، https://bit.ly/2oRkf5U

[4] التحالف بين القوميين العرب والإسلاميين، الجزيرة نت، ما وراء الخبر،  https://bit.ly/2NsFHfv

[5] أول شبكة بجيبوتي للمتعايشين مع “الإيدز”، الجزيرة نت، محمد عبد الله، https://bit.ly/2CAKM14

[6] الجزيرة تطلق حملة “نحن الجزيرة”، الجزيرة نت، https://bit.ly/2CBoQCW 

[7] ما هو دور الموريتاني “الشنقيطي” في الأزمة القطرية؟، العربية نت، https://bit.ly/2sbey6A 

[8] قناة الجزيرة، الكذب والكذب الآخر، الرياض، يوسف القبلان، https://bit.ly/2wWHtvH

[9] لغة الجسد الإعلامية، التعليم الإلكتروني، الجزيرة نت، https://bit.ly/2wWcU9v

[10] وضاح خنفر، النشأة والمراحل الدراسية، ويكيبيديا، https://bit.ly/2CzcZVN

[11] فضائح الجزيرة في “ويكيليكس”، اليوم السابع،  محمود حسن، https://bit.ly/2MYHkC5

[12] عزمي بشارة، ويكيبيديا.

[13] عضو الكنيست الإسرائيلي يسيطر على قناة الجزيرة ويدفع بأتباعه لإدارتها، اليوم السابع، أحمد جمعة، https://bit.ly/2O2LZ2g

[14] ضعف الذاكرة والتركيز، في أرذل العمر، خديجة بن قنة، https://bit.ly/2oSGF6L

[15] غادة عويس تويتر، بدل الاستقواء على جارتكم”الصغيرة” يا جبير توحّدوا ضد ترمب #الحلاّب_الأكبر!، https://bit.ly/2NANrMF

[16] جيش قطر الإلكتروني، الجزيرة أونلاين، جاسر عبد العزيز الجاسر، https://bit.ly/2MdN0ms


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.