شركات متخصصة بالتسول.. أثرياء يتسولون في شوارع تونس

تونس

تمكنت شرطة بلدية بجندوبة في تونس من ايقاف احد المتسولين يبلغ من العمر71 سنة وسط المدينة وبتفتيشه تبين ان بحوزته 6451 دينار.

والحادثة نفسها تقريبا عرفتها سابقا منطقة صفاقس وتمثلت في وفاة متسولة تدعى (ع ز) تمارس التسوّل منذ أكثر من 25 عاما وتقطن بمنطقة القلالجة التي تبعد 4 كيلومترات عن جبناية طريق المهدية،حيث تم العثور عندها على 108 مليون دينار ودفاتر ادخار.

وكان اشقاؤها قد عثروا على ما يقارب 6 آلاف دينار في بيتها بالإضافة إلى اكتشاف رصيد بنكي بقيمة 40 ألف دينار وقطعة أرض بالمنطقة ذاتها تقدر قيمتها بـ 15 الف دينار. ورجح البعض ان ثروتها تتجاوز 108 مليون.

ومن الغرائب ان متسولا آخر قام ببتر قدمه للحصول على صدقات إضافية من المحسنين والمتصدقين بالنظر لما يدره التسول من اموال.وحول الموضوع نفسه يقول احد المواطنين انه تفاجأ خلال عملية كرائه لشقة باريانة ان صاحبة العمارة هي امراة مسنة كثيرا ما صادفها تتسول في العاصمة.كل هذه الحكايات الغريبة تجعل من التسول نقطة استفهام كبرى في تونس.

استغلال الاطفال

ولا تكـاد تخلو شوارع أغلب المدن التونسية ووسائل النقل العمومي والخاص من انتشـار المتسوليـن، شاحنات تتوقف في الصباح الباكر في انهج مظلمة فينزل منها اطفال لا تتجاوز اعمارهم 14 سنة على اقصى تقدير.. وقد يكون فعلا الوضع الإقتصادي الهش، وانتشار البطالة وغياب العدالة الاجتماعية، والإشكالات السياسية والدينية والإقتصادية، أحد أسباب انتشار هذه الظاهرة التي لابد للدولة من أن تتدخل لحماية مواطنيها من تأثيرات غياب أبسط مقومات العيش الكريم والتشرد عن طريق خلق فرص عمل للشباب وتحسين جودة التعليم والصحة وضمان كرامة لمواطنيها،لكن الجدير بالذكر ان المتسول ليس دائما فقيرا….فهناك شبكات تستغل الاطفال لجمع اكبر قدر من المال ويشارك في تنظيم تلك الشبكات الاباء لكسب المال ايضا..وقد تم توقيف عدد من الاباء من اجل استغلال اطفالهم في التسول.. فاحيانا يصبح التسول مرض وطمع وتواكل..

أطفال لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات يعترضون المارة ويتوسلونهم لشراء مناديل ورقية أو بعض الورود البلاستكية يخافون من أعوان الأمن ولا يكثرون الحديث عن أوضاعهم الاجتماعية مكتفين بتقديم ما لديهم للبيع أو مد أيديهم لأخذ النقود. وحسب محللين اجتماعيين فان هؤلاء الأطفال مجبرون على التسول إما من قبل العائلة أو بعض الأشخاص الآخرين الذين يقومون بتوزيعهم في عدة أماكن وخاصة أمام المساجد والمستشفيات ووسائل النقل العمومي حيث توجد تجمعات سكنية.ورغم أن وزارة الداخلية نشرت العديد من البلاغات الخاصة بتوقيف عدد من المتسولين وبحوزتهم مبالغ مالية هامة، خاصة وأن القانون الأساسي المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص يمنع في فصله الأول استغلال الأشخاص والأطفال في التسول.الا ان الشوارع التونسية مازالت تعج بالنساء الحاملات رضع بين ايديهن لاستدرار عطف المارة.. ومازال ذوو العشر سنوات او اقل يتظاهر بالبكاء والتوسل الى المارين لمنحه بعض المال ليسد رمقه..

وقد تم خلال فترة ليست ببعيدة تحرير 15 طفلا كانوا على متن شاحنة خفيفة قبل توزيعهم على الانهج ومفترقات الطرق في ضواحي العاصمة الشمالية حيث يتم استغلالهم في التسول، حيث ان اعوان الامن في حدائق قرطاج اشتبهوا في امر شاحنة خفيفية كان يركبها كهلان.وبعد ايقافها اكتشف الاعوان 15 طفلا (اناث وذكور تتراوح اعمارهم بين 4 سنوات و14 سنة) كانوا “مشحونين” في صندوقها الخلفي وكشفت الابحاث ان احد الكهلين تعود على نقل اولئك الاطفال من بعض الجهات الداخلية الى العاصمة وضواحيها حيث يتم توزيعهم على الشوارع والانهج ومفترقات الطرق واستغلالهم في التسول.وفي المساء يتم تجميعهم وجمع مداخيل يومهم من طلب الصدقة وتمكين اوليائهم من بعضها في شكل عمولة لقاء موافقتهم على استثمار ابنائهم في هذه المهنة.وقد اذنت النيابة العمومية بفتح بحث في الواقعة قصد الكشف عن جميع ملابساتها وايقاف كل مورط فيها بالاضافة الى توفير الرعاية اللازمة لهؤلاء الاطفال. وقد اعترف الشخصان الموقوفان بجلب الاطفال من من جهة حاسي الفريد من ولاية القصرين بغاية استغلالهم في جمع الأموال عن طريق التسول.

ظاهرة متشعبة وخيوطها شائكة تجعل الجميع غير قادر على تمييز الفقير من مصطنع الفقر.وقد يتجاوز الاحتياج والفاقة ليصبح وسيلة لتكوين ثروة دون تعب…فكيف يمكن ان نميز بين من اجبرته الحياة القاسية على مد يده لتسول ما يسد به رمق الجوع ،وبين من يتحيل ويمد يده لاسباب لا علاقة لها بالفقر ولا بالحاجة؟ ثم لماذا انتشرت الظاهرة في الفترة الاخيرة؟ كم عدد المتسولين في تونس؟ وما حقيقة الشبكات التي تشغل الاطفال الصغار وترسل بهم الى الشوارع والمحطات ليتسولوا؟

39 الف متسول

احصائيات وزارة الشؤون الاجتماعية تشير إلى أن عدد المتسولين في تونس فاق 39 الفا..منهم رجالا ونساء واطفالا…يتسولون في الحدائق العمومية وعلى الارصفة وفي وسائل النقل وامام المساجد وفي مناطق عديدة…

في ظل ظروف معيشية صعبة واشتداد حدة الفقر على كثير من الأسر التونسية، وبطقوس وعادات تعدّ في نظر البعض سلوكاً منبوذاً ومتدنياً، لكنها بنظر أصحابها الطريقة والحيلة الوحيدة لكسب رزقهم وسد احتياجاتهم التي تزداد كل يوم، امتهنت الكثير من النساء على اختلاف أعمارهن التسول كمصدر للدخل اليومي. ربما الحاجة، وربما طمع الأسرة أوتفككها، وربما أسباب أخرى تدفع بنساء مسنات وفتيات في سن الزهور إلى طرق أبواب التسول في الشوارع.. وكم هو مؤلم ان تجد فتيات في عمر الزهور أصبحن صورة متكررة ومشهداً مألوفاً نراه في معظم شوارع العاصمة، جمعتهن الفاقة ودفعهن الفقر.. يرمقن الناس بنظرات مليئة بالتوسل والرحمة والعطف يكسبن من خلالها ما يسد به جوعهن.وليست النساء فقط تتسول في شوارعنا بل ان اطفالا في عمر الزهور من الجنسين تراهم يجوبون الشوارع كامل ساعات النهار، لباس لا يقي من برد الشتاء و قساوة الطبيعة تراهم يرتدونه رثا مثيرا للشفقة ، يعترضونك في كل نهج يلتمسون الحصول على ما تجود به يداك من أموال قليلة يقولون أنها لسد الرغيف ، لكن الحقيقة قد تكون عكس ذلك..

شبكات ومداخيل خيالية

ولعل الجدير بالذكر هو انه لم يعد التسول في تونس لسد الرمق، وإنما أصبح احترافا لما يدره من مداخيل في واقع تفشى فيه الفقر والبطالة والأمية، ومع اقتراب المناسبات الدينية لا يكاد شارع او باب مسجد يخلو من اياد تمتد تطالب الناس بالصدقة، مستخدمة عدة اساليب وعبارات للاستعطاف، وتعتبر المساجد المكان الاستراتيجي لهؤلاء، لأن قلب المصلي يكون لحظتها قد رق وخشع، وبالتالي فإنه يكون اقرب إلى التصدق وفعل الخير بكل سخاء.. ويستخدم المتسول او المتسولة لذلك عبارات تخاطب العاطفة بقوة واحترافية بالغة في كثير من الحالات، الى جانب نوعية اللباس، وأحيانا يصطحب معه أطفالا صغارا ورضعا للاستعطاف.و لم تعد عمليّة التسوّل مجرد طلب حسنة ومد اليد للغير، بل تطوّرت في الأيّام الأخيرة لتصبح ”وظيفة” ومهنة تتطلّب حرفيّة عالية وإتقان جيّد للدور الذي يتقمّصه المتسوّل، إضافة إلى حسن اختيار توقيت ممارسة هذه المهنة والمكان المميّز، وأحيانا الضحية المناسبة، خاصة بالنسبة لمن يعتمد على التحيّل في ذلك. وعادة ما ترتبط هذه التقنيات بخصائص المتسوّل ذاته مثل الجنس والفئة العمريّة، فالذكور منهم يعتمد عادة على تقمّص دور المحتاج الظرفي أو المعاق ليتمكن من كسب عطف ضحيته، في حين تتقمّص الإناث منهم دور الأم الحنون على أبنائها والعاجزة على توفير قوتهم. كما تتغيّر عبارات التسوّل حسب الفئة العمريّة التي ينتمي إليها المتسوّل. كما ترتبط تقنيات التسوّل حسب خصائص المكان الذي يتواجد فيه.ويبدو ان التسول قد خرج من دائرة الاحتراف والمهارة الفرديّة إلى ما يمكن أن نسمّيه بالعمل التنظيمي والمؤسساتي. فقد اشار عدد من المتسولين الى ان مسؤولين وموظفين حكوميين يقومون بالإشراف على بعض المتسوّلين،لتصبح ظاهرة التسول عمل مؤسساتي، تديرها شركات مختصّة في التسوّل، توفّر لهم الحماية وتوزّعهم على المناطق وتؤمن لهم التنقّل.

والتسول في تونس قديم لكن النظام القديم كان ضاغطا حتى لا تبرز الصورة وتشوه صورة المجتمع التونسي وكي لا تتشوه صورة السياحة في تونس خاصة في عهد بورقيبة ثم في عهد بن علي .. لكن الظاهرة استفحلت بعد الثورة.وارتفع عدد المتسولين بالنظر إلى تراجع مستوى المعيشة كما تزايد الطمع والبحث عن الكماليات عند الجميع، واصبح البحث عن الكماليات لا يقترن ببحث عن الجد والعمل والتعب.. فالتسول طريق للربح دون مجهود يذكر. وتختلف الاساليب التي يستعملها المتسولون منها وجود من يتسول امام الجامع .. وفي محطات النقل وهناك من ينتقل الى مساجد معروفة يوم الجمعة ويكون رصيده اكثر من 150 دينار. وقد اصبح التسول حرفة ومهنة بعيدا عن الحاجة عند البعض. حيث توجد لوبيات ومافيات وفرق لكل اختصاصه..

المدن الكبرى تستقطب المتسولين

ولم تهتم الدولة بالتسول خاصة بعد الثورة إلى أن اصبحت ظاهرة مستفحلة وعادية وقد انتشرت خاصة في المدن الكبرى وحيث التجمعات السكانية والحركية وحيث يذهب البعض أحيانا هناك للتسول دون أن يعرفه اي احد.

وحسب المعطيات المتوفرة فان هناك فرقا تتنقل من مكان الى آخر.. كما برزت ظاهرة الاطفال المتشردين .ويوجد أثرياء من التسول ومنهم من يشتري بالاموال التي يتسول بها كحولا ومخدرات.وليس الحل على نطاق الاعلام فقط فلا بد من دراسة ما يحدث وإعطاء منح للمستحقين وإيجاد جمعيات خيرية. فصحيح هناك الفقير، ولكن احتراف البعض وتحيلهم جعل بقية الناس لا تحن وتقسو على من يستحق الصدقة .. وعلى الدولة ان تلتفت للموضوع.وحسب مصادر من وزارة المرأة والطفولة والمسنين فإن ظاهرة التسول ليست جديدة في المقابل لم تنف تعلق الموضوع ايضا بالمسنين والاطفال وهو الأمر الملفت وتستعد الوزارة الى اعداد دراسة في الغرض. من جهة اخرى اكدت مصادر من وزارة الشؤون الاجتماعية ان الوزارة اعدت خلية بالتعاون مع وزارة الداخلية ووزارة الصحة قصد التعرف واستقبال المتشردين والمتسولين. فهل يمكن ان تتدخل السلطة بكل الياتها لتوقف نزيف الظاهرة ولتضع حدا للمتاجرين بالبشر والمستغلين للفقر،الطامعين في تكوين ثروات عبر التحيل والاستغلال؟مع انصاف الفقراء والاعتناء بهم

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©