صدامات الفشقة.. مغامرة إثيوبية تستغل الأزمة السودانية

تتصاعد حدة التوتر على الحدود السودانية – الإثيوبية، تزامناً مع تعرض القوات السودانية لهجوم يُعتقد أنه لميليشيات مدعومة من الجيش الإثيوبي الأحد، في منطقة الفشقة المتنازع عليها بين الجارتين، ما أسفر عن مقتل 23 عسكرياً سودانياً بينهم ضباط.

يشار إلى أن الأشهر القليلة الماضية شهدت تصعيداً عسكرياً كبيراً على المنطقة الحدودية بعد مقتل عدد من المدنيين السودانيين في منطقة الفشقة بكمين نفذته ميليشيات مدعومة من الجيش الإثيوبي، ما دفع الحكومة السودانية إلى زيادة الحشود العسكرية في المنطقة المذكورة وسط تهديد بشن عمليات عسكرية واسعة.

ردود فعل والبرهان على الحدود

ردة الفعل السودانية الرسمية لم تأت متأخرة حيث، تشير مصادر مطلعة إلى أن قائد الجيش السوداني، “عبد الفتاح البرهان” يجري زيارة عاجلة إلى منطقة الهجوم في الفشقة، لافتةً إلى أن المعلومات المتوفرة حتى الآن تشير إلى دور إثيوبي رسمي في الهجوم.

يشار إلى ان الجيش السوداني كان قد أعلن خلال الأشهر الماضية عن استعادته السيطرة على 90 بالمئة من منطقة الفشقة، خلال عمليات عسكرية واسعة شنها ضد الميليشيات الإثيوبية المنتشرة فيها.

من جهتها، تشير قيادة الجيش السوادني إلى أن القوات التي تعرضت للهجوم كانت تقوم بمهام تأمين عمليات الحصاد في منطقة الفشقة ذات التربة الخصبة، معتبرةً ان الهجوم الذي قالت إن الجيش الإثيوبي والميليشيات الإثيوبية تقف وراءه، كان الهدف منه هو ترويع المزارعين وإفشال موسم الحصاد والتوغل داخل أراضي سودانية، على حد وصفها.

كما تبين قيادة الجيش أن الهجوم تم بالتحديد في منطقة بركة نورين بالفشقة الصغرى، مؤكدةً أن قوات الجيش السوداني تمكنت من صد الهجمة الإثيوبية وإلحاق خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات خلال مواجهات بين الطرفين.

ردة الفعل السودانية لم تقتصر على الجانب الرسمي، حيث يصف رئيس حزب الإصلاح الوطني السوداني، “عثمان صلاح” الهجوم بأنه عمل إرهابي جبان من قبل المليشيا والجيش الإثيوبي وأن ما قامت به القوات الإثيوبية والمليشيات التابعة لها يعد من جرائم الحرب الدولية، مؤكدا وقفة الحزب وجميع أبناء السودان مع القوات المسلحة السودانية، في سعيها لصون العرض والتراب الوطني على حد وصفه.

في ذات السياق، ينفي المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية، “ليجيسي تولو” أن يكون الجيش الإثيوبي مسؤول عن أي هجوم استهدف القوات أو الأراضي السودانية، في إشارة إلى هجوم الفشقة، “مضيفاً: “المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام متعددة بأن جيشنا هاجم السودان بلا أساس، ليس لدى قوات الدفاع الإثيوبية أجندة لمهاجمة أي دولة ذات سيادة”.

يذكر أن الفشقة هي منطقة حدودية تمتد على نحو مليوني فدان ولمسافة 168 كلم مع الحدود الإثيوبية من مجمل المسافة الحدودية لولاية القضارف السودانية مع إثيوبيا، والبالغة حوالي 265 كم.

معركة تيغراي تمر من الفشقة

يربط الخبير الاستراتيجي، “مسعود أبو الذهب” التطورات الأخيرة في الفشقة بالتطورات العسكرية الجارية في إقليم تيغراي وتقدم المتمردين باتجاه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، مشيراً إلى أن الحكومة الإثيوبية تسعى إلى خلق واقع عسكري جديد يوقف تقدم المتمردين الساعين للإطاحة بحكومة “آبي أحمد”.

وكانت قوات متمردة تابعة لإقليم تيغراي قد أعلنت خلال الأسابيع الأخيرة سيطرتها على عدة مواقع باتجاه العاصمة، وسط تحذيرات دولية من تصاعد خطورة الموقف وسحب بعض الدول لرعاياها من الأراضي الإثيوبية.

إلى جانب ذلك، يرى “أبو الذهب” أن الحكومة الإثيوبية ترى في التوغل داخل مناطق الفشقة فرصة لتشكيل التفاف على إقليم تيغراي المتمرد وضرب صفوفه الخلفية ما يعيق قدرة المتمردين على مواصلة تقدمهم على حساب القوات الإثيوبية، وإجبارهم على التراجع لدعم صفوفهم الخلفية، معتبراً أن الحكومة الإثيوبية بدأت تلعب آخر أوراقها في مواجهة المتمردين من خلال الأزمة مع السودان.

وعلى الرغم من أن الصراع على منطقة الفشقة بين أديس أبابا والخرطوم هو صراع تاريخي، إلا أن “أبو الذهب” يشدد على أن التحرك الإثيوبي الأخير لا يتعلق بذلك الصراع بقدر ما يرتبط بالتطورات الجارية على الأراضي الإثيوبية، لا سيما مع قرب المنطقة من الإقليم المتمرد ما يسمح للقوات الإثيوبية برصد أوضح لتحركات القوات المسيطرة على الإقليم ووضعها بين فكي كماشة.

كما يشير “أبو الذهب” إلى أن القوات الإثيوبية في حال توغلها في مناطق الفشقة المتاخمة لتيغراي، فإنها ستكون نجحت في نقل المعارك مع المتمردين إلى خارج مناطق سيطرتها ما يخفف الضغط عن القوات المسؤولة عن تأمين الطريق باتجاه العاصمة أديس أبابا.

ظروف سودانية داخلية

الظروف السودانية الداخلية والتوتر الحاصل في عدة مدن سودانية خلال الفترة الماضية، تمثل إحدى العوامل التي قد تشجع الجيش الإثيوبي على مهاجمة الجيش السوداني ومحاولة التوغل في الفشقة، وفقاً لما يقوله الباحث السياسي، “رفعت هندي”، موضحاً: “القيادة الإثيوبية ترى أن الحالة السودانية الداخلية ستمنع الخرطوم من اتخاذ أي خطوات تجاه اقتحام بعض النقاط الاستراتيجية في الفشقة، وبالتالي فإن الجيش الإثيوبي يمكنه القيام بمخاطرة عسكرية هناك تساعد في وقف تحركات متمردي تيغراي، خاصة وأنها تنظر إلى المعارك مع المتمردين على انها معركة وجودية”.

إلى جانب ذلك، يعتقد “هندي” أن الحكومة السودانية لن تتجه إلى التصعيد مع الحكومة الإثيوبية وأن التحركات وردة الفعل السودانية لن تصل إلى مستوى الصدام العسكري مع جارتها وأن السودان سيتحرك ضمن القنوات القانونية سواء على المستوى الإقليمي والدولي.

يذكر ان السودان مر خلال الأسابيع الماضي بأزمة سياسية نتيجة إقالة مجلس السيادة ورئيس الحكومة من قبل قائد الجيش السوداني، “عبد الفتاح البرهان”، ما أدى إلى خروج مظاهرات كبيرة في عدة مناطق سودانية، قبل أن يتراجع قائد الجيش عن قراره ويعود رئيس الحكومة “عبد الله حمدوك” إلى منصبه.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.