صراعات سياسية وتوتر أمني وتجارة سوداء.. أزمات تهدد انتخابات ليبيا واستقرارها

تتزايد التكهنات حول مصير الانتخابات الليبية المقررة أواخر الشهر الجاري في ظل التصعيد الامني والعسكري الحاصل في البلاد، وسط توقعات بعدم إمكانية إجراء الانتخابات في الأجواء المتوترة، والتي تعتبر الأولى من نوعها منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة “عبد الحميد الدبيبة”.

يشار إلى أن ميليشيات الصمود التي يقودها “صلاح بادي” وأخرى من مصراتة أعلنتا سيطرتهما على مقرات الحكومة الليبية، فيما انسحبت قوات الحرس الرئاسي من مقراتها عند قدوم القوات المهاجمة، حيث سيطرت الميليشيات على بعض مقرات الحكومة والمجلس الرئاسي.

وكان من المقرر أن تشهد ليبيا إجراء الانتخابات التشريعية في 24 كانون الأول الجاري بالإضافة إلى إجراء الانتخابات الرئاسية، والتي سيتنافس فيها مجموعة من الشخصيات السياسية الليبية.

صدامات متعددة الأطراف ومشكلات تزداد تعقيداً

التدهور الأمني والعسكري في ليبيا لم يقتصر على الاحداث السابقة وإنما يمتد بحسب ما تعلنه مصادر ليبية عن وجود صدامات مسلحة أخرى جرت في مدينة سبها بين قوات تابعة لعملية الكرامة التي يقودها المشير خليفة حفتر، وتشكيل عسكري تابع لحكومة الوحدة الوطنية.

وتشير المصادر إلى أن العلاقات بين الجيش وحكومة الوحدة خلال الأسابيع الاخيرة لم تكن في الوضع الطبيعي أو الجيد، لافتةً إلى ان الخلافات بين “حفتر” و”الدبيبة” زادت من تعقيدات المشهد الليبي وأعادت الامور إلى نقطة الصفر.

كما تلفت المصادر إلى أن “الدبيبة” خلال أسابيع الماضية سعى جاهداً لخلق نفوذ له داخل الجيش الليبي، لا سيما وانه كان يستعد لتقديم أوراق ترشحه لرئاسة الجمهورية، مشيرةً إلى أن “حفتر” في الوقت ذاته يرى أن “الدبيبة” رئيس حكومة طوارئ وان تبعية الجيش يجب ان تكون لحكومة منتخبة ودستورية.

في ذات السياق، يرى المحلل السياسي، “مختار الزويتي” أن مشكلة ليبيا الأساسية تكمن في عدم إيمان الكتل السياسية والسياسيين بالعملية الانتخابية كحل للخروج من الازمة وأن بعض الاطراف تسعى للحفاظ على السلطة من خلال قوة الأمر الواقع، معتبراً أن “الدبيبة” أخطأ عندما بدأ بمحاولات فرض هيمنة على اجهزة الدولة والجيش قبل الانتخابات، وأن الحكومة الحالية خرجت عن صلاحياتها كحكومة مؤقتة.

يذكر أن كلا من “حفتر” و”الدبيبة” ورئيس البرلمان الليبي، “عقيلة صالح” و”سيف الإسلام” نجل الرئيس الليبي السابق، “معمر القذافي”، كانوا من بين أقوى المرشحين المفترضين لخوض السباق الرئاسي.

إلى جانب ذلك، يلفت “الزويتي” إلى أن الثقة بين الأطراف السياسية باتت معدومة وطرق الاتصال فيما بينها باتت مقطوعة وهو ما يحد من إمكانية تأثير نتائج الانتخابات على الاستقرار في البلاد ومواجهة حالة انهيار الدولة، موضحاً: “في ظل هذه الظروف لا اعتقد أن الأطراف السياسية ستعترف بنتائج الانتخابات في حال تم إجراءها، وبالتالي فإنها لن تقدم الكثير لليبيا ولليبيين”.

ويتجه “الزويتي” للتأكيد على أن كل المؤشرات تدل على أن الانتخابات لن تجرى في موعدها المقرر بعد نحو أسبوع تقريباً، مشدداً على أن مصالح بعض الاطراف الليبية تتعارض مع إقامة تلك الانتخابات في موعدها.

صراحة ومطالب تأجيل صريحة

ملامح تأجيل الانتخابات تتجلى بشكل أكبر مع تحرك بعض الجهات فعلياً باتجاه إطلاق دعوة صريحة للتأجيل، حيث تدعو لجنة الشؤون الداخلية في مجلس النواب الليبي سلطات البلاد إلى تحمل مسؤولياتها والتحدث بشكل صريح وحاسم إلى الشعب الليبي عن عدم إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها، مشددةً على ضرورة صدور موقف رسمي حيال موعد الانتخابات بالرغم من وجود معطيات قوية تشير إلى ضرورة التأجيل، على حد وصف رئيس لجنة الشؤون الداخلية في مجلس النواب الليبي “سليمان الحراري”.

ويؤكد “الحراري” على أن رئيس المفوضية العليا للانتخابات، “عماد السايح”، مطالب بشرح تفاصيل الموقف الحالي والحديث بشكل صريح وواضح وعلني حول عدم امتلاك الدولة الليبية للقدرة اللازمة لإجراء الانتخابات في موعدها، مشدداً على أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة” قصر فيما يتعلق بتأمين العملية الانتخابية، خاصةً في ظل ما تعرضت له المحاكم من اعتداءات، وكذلك إغلاق مراكز الاقتراع في الأيام الماضية.

في ذات السياق، تشير عضو مجلس النواب الليبي “ربيعة بوراس” إلى ان الجهة الوحيدة المخولة باتخاذ قرار إقامة أو تأجيل لانتخابات هي مفوضية الانتخابات، مضيفةً: “مجلس النواب شكل لجنة قانونية للتواصل مع المفوضية ومن المتوقع حصول تطورات سياسية وأمنية وقضائية بعد عودة المبعوثة الأممية ستيفاني ويليامز إلى ليبيا”.

يذكر أن مفوضية الانتخابات سلمت الأربعاء، تقريرا إلى مجلس النواب تضمن العوائق والصعوبات القانونية والفنية التي تواجه إجراء الانتخابات الرئاسية.

مصالح متقاطعة وتجارة سوداء

تزامناً مع الأزمة بين السياسيين والمعوقات السياسية التي تقف في طريق إجراء الانتخابات، يؤكد الباحث في الشؤون الليبية، “معتز الأعتر” على وجود تيارات مستفيدة من حالة اللا استقرار والفوضى، والتي تسعى إلى منع ليبيا من الوصول إلى حكومة جديدة وبناء الدولة من جديد، لافتاً إلى أن انهيار ليبيا ساهم في تشكيل عصابات ومافيات جنت مليارات الدولارات من خلال الاتجار بالبشر ورعاية عمليات التهريب إلى أوروبا، بالإضافة إلى تجارة السلاح والجريمة المنظمة.

كل تلك المصالح يرى فيها “الأعتر” سبباً رئيسياً في محاولات تلك المافيات والداعمين لها بالعمل على منع إقامة الانتخابات وبقاء البلاد غارقة بالسلاح المنفلت والتوتر العسكري والأمني، على اعتبار انها العوامل الأساسية في استمرار تجارتهم السوداء، لافتاً إلى أن السياسيين الليبيين مطالبين بوزن الامور بواقعها وبحسب المصالح الوطنية وليس بمنطق الصراعات وكسر العظم.

إلى جانب ذلك، يشدد “الاعتر” على أن الانتخابات وحدها لا تكفي للخروج من الازمة إذا لم تترافق في إعادة هيكلة كاملة لمؤسسات الدولة وتحديداً العسكرية والامنية بشكل يمكنها من مواجهة تلك المافيات والعصابات ومحاولات ضرب الأمن الليبي، لافتاً إلى أن ليبيا باتت عملياً بحاجة إلى معجزة حتى تعبر الفترة الانتقالية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.