طريق M4.. والحظ التركي العاثر

بات الطريق الدولي M4 يشكل توتراً للقوات التركية التي تعمل على فرض سيطرتها على المنطقة وتدعيم وجودها في المعادلة السياسية السورية، عبر امتلاك عقدة المواصلات الدولية السورية التي تشكل عصب التواصلات الخارجية السورية، على أن الامتلاك التركي لعقدة المواصلات تلك يعتبر ضرباً من المستحيل في ظل التصارع الدولي الحاصل.

ماذا حدث على M4 في الساعات الأخيرة؟

قتل شخصان وجرح آخرون أمس الأحد، أثناء تفريق اعتصام على الطريق الدولي M4 الواصل بين محافظتي حلب واللاذقية مروراً بإدلب.

وبحسب الفيديوهات التي بثها ناشطون سوريون من داخل الحدث، فإن عناصر من الجيش التركي حاولوا فتح الساتر الترابي الذي وضعه المحتجون المدنيون والمسلحون في تلك النقطة قبل بضعة أيام،وذلك لفسح المجال أمام الدورية المشتركة مع الروس، للتقدم إلى ما بعد بلدة النيرب باتجاه الغرب، فوقف المعتصمون بوجه القوات التركية، تطور الأمر إلى اشتباك بين المعتصمين والشرطة بالعصي والحجارة والغاز المسيل للدموع.

وأكدت الإعلام المحلي في الشمال السوري، إصابة عدد من الأتراك بحجارة المعتصمين، ليبادر عناصر الجيش التركي إلى رمي الرصاص، والقنابل المسيلة للدموع، وذلك بعد تكسير دروع الشرطة، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة آخرين.

وليست هذه المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الاشتباكات والاعتصمات بين الأهالي والقوات التركية، فقبل نحو أسبوعين، أدخلت الشرطة التركية عدداً من الجرّافات والآليات وأقدمت على هدمِ الخيام وإبعاد المتظاهرين، وانتشرت في المنطقة على أجزاء من الطريق الدولي.

وسبق أنْ منعَ المعتصمون على الطريق الدولي M4 عدّة مرّات الدوريات المشتركة الروسية – التركية من إكمال خطّ سيرِها, كان آخرها 8 من شهر نيسان الجاري، رافضين عبورَ أيِّ قوات للاحتلال الروسي على الطريق الدولي والذي يعتبرون أنّه الهدف الأول للاعتصام القائم منذ 15 آذار الماضي.

الطرق الدولية وأهميتها

وأطلقت القوى الدولية المتصارعة في سوريا، على شبكة الطرق الدولية التي تربط سوريا بدول الجوار مسميات جديدة، تتوافق مع التقسيمات الجيوسياسية المتقاطعة بين مصالحها.

تتقاسم القوى المتصارعة على الساحة السورية السيطرة على الطرق الدولية، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية الكردية ” قسد” المدعومة من التحالف الدولي على جزء من الطريق الدولي “إم 4” الذي يبدأ من معبر اليعربية مع العراق والواقع بمحافظة الحسكة، وينتهي في مدينة اللاذقية والخاضعة لسيطرة النظام، ويمر هذا الطريق من مناطق سيطرة درع الفرات المدعومة من تركيا بريف حلب الشرقي، وأيضًا يمر من مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام والمعارضة السورية بريف إدلب، أما طريق “أم 5” الأكثر أهمية فيبدأ من مدينة حلب الخاضعة لسيطرة النظام، ويمر عبر مناطق سيطرة المعارضة السورية بريف إدلب حتى يصل إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن، أما طريق “إم 1” فهو يربط بين العاصمة السورية دمشق وبين معبر المصنع مع لبنان، وهو خاضع لسيطرة النظام.

كانت حركة الترانزيت والتجارة العالمية في سوريا قبل الثورة ضخمة، وتدر أرباحًا كبيرة بمليارات الدولارات سنويًّا، إذ كان يمر يوميًّا عبر معبر نصيب الحدودي مع الأردن ما لا يقل عن 400 شاحنة يوميًّا، ومثلها من تركيا عبر معبر باب الهوى، ومعبر المصنع في لبنان وأيضًا معبر اليعربية مع العراق، وغيرها من المعابر الصغيرة التي يدخل منها عدد شاحنات أقل، وجميعها محملة بالبضائع المتنوعة والمختلفة من خضراوات، وملبوسات، وإلكترونيات، وأدوية، وغيرها، ولكن مع اندلاع الثورة السورية، تقطعت الطرق وأغلقت المعابر على مدى ثماني سنوات، شنت خلالها قوات النظام السوري المدعومة من روسيا وإيران معارك عديدة تمكنت فيها من السيطرة على مساحات واسعة كانت تحت سيطرة المعارضة السورية.

روسيا وتركيا وتفاهمات دولية ومصالح شخصية

أرادت كل من تركيا وروسيا أبرز القوى المتصارعة في الشمال السوري، استلام زمام المبادرة في إدارة ملف شبكة الطرقات الدولية السورية، وتعهدت الدولتان في سوتشي الروسية في شهر أيلول من عام 2018، على تسير شاحنات التجارة في تلك العقدة الدولية بغض النظر حول تبعية تلك الشاحنات، كورقة قوة في إمكانية إدارة المنطقة مدنياً، وقوة التبعية السكانية.

يرفض أكثر السوريون في الشمال السوري التواجد الروسي، إذ يعتبرونه احتلال، وعلى هذا الوتر تعزف مليشيا “هيئة تحرير الشام”، التي تضمن الاتسقرار الاجتماعي في المكان لصالح الأتراك، الذي بدورهم قطعوا عليها سبل الانتفاع المادي من الشحنات التجارية تلك، ومن هنا بدأت المشكلة.

خيث تحرض الهيئة السكان المحلين، والموالين لها من عسكريين ومدنيين على اعتراض الدوريات الروسية، وهذا ما يقلق الأتراك، ويتعارض مع الالتزامات الدولية التركية أمام روسيا.

وعملت روسيا على دعم قوات النظام من أجل السيطرة على الطرق الدولية، وهذا ما تسبب بوقوع مجازر كبيرة دفع ثمنها المدنيون السوريون، والمقاتلون الضعاف في صفوف هيئة تحرير الشام، والذين انضموا في صفوفها طمعاً بمورد رزق لهم، والسيطرة على تلك الطرق بالنسبة لروسيا تعني السيطرة الاقتصادية إذ إن هذه الطرق هي عبارة عن شريان الحياة الذي يربط المدن السورية الرئيسية بعضها ببعض من حلب إلى دمشق مرورًا بحمص وحماة وإلى مدينة اللاذقية.

اجتمع كلٌّ من رئيسَي تركيا وروسيا في مدينة سوتشي الروسية بتاريخ 17 أيلول 2018، واتفقا على وثيقة أطلق عليها اتفاقية إدلب أو سوتشي، نصت الاتفاقية على عدة بنود أهمها التركيز على ضرورة فتح الطرق الدولية أمام حركة الشاحنات التجارية بغض النظر إلى من تتبع، وهو ما تعهدت تركيا بتنفيذه، ولم تنجح.

حيث استهدفت “هيئة تحرير الشام” نقاطاً تابعة للقوات التركية في منطقة النيرب رداً على قيام قوات أنقرة باستهداف عناصرها عند أوتوستراد “حلب – اللاذقية” الدولي وقتل 4 منهم، وذكرت مصادر سورية محلية أن القوات التركية أطلقت الرصاص فجر الأحد عقب إطلاق نار استهدف قواتها من قبل مجموعات مسلحة.

وحلياً تجري الفصائل الموالية لتركيا من جهة و”هيئة تحرير الشام” من جهة أخرى اجتماعات لتهدئة الأمور وفض الاعتصام على الطريق الدولي ” M4″.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©