طهران مستعدة للتفاوض بلا شروط

تتسبب الجائحات والأوبئة باختلال فعلي في خطط أي دولة وأهدافها، على الصعيدين.. الداخلي والخارجي نظرًا لما يرتبط بالأزمة الجديدة من تبعات اقتصادية تفرض نفسها بقوة على أجندة الحكومات وتعيد توجيه أنظارها لداخل البلاد أو تجبرها على تغيير خططها بالنسبة للداخل فتتغير أولويات وتقدم شؤون على شؤون فيحتل الجانب الصحي مثلًا مركزًا متقدمًا على حساب التسليح أو العسكرة (حين تدرك الحكومة خطورة الوضع الداخلي بعيد الجائحة) ويسقط ذلك على البعد الخارجي أو الجوار الذين يستوجب تحييدهم – في حالة الخصام – أو العمل على زيادة دعمهم في حالة التطبيع.

إنّ المراقب للشأن الإيراني، يرى بوضوح انطباق تلك التقاطعات مع وضع طهران.. اقتصاد منهك أصلًا وبلد يعاني من قبل الجائحة – بسبب العقوبات الدولية وإصرار حكومة الملالي على التدخل في المحيط الإقليمي وتبني المؤسسة الرسمية لقضية تصدير الثورة على حساب رفاهية الشعوب الإيرانية وتحسين واقعها.. فجاء انتشار الكورونا ليزيد الطين بلة ويكشف الواقع المهزوز الذي حاولت إيران ستره كيفما استطاعت.. إلا أنه – فيما يبدو – أقوى منها رغم المكابرة والإصرار وإدعاء القدرة والسيطرة.

واليوم الإثنين، أظهرت إيران، استعدادها للدخول في مفاوضات غير مشروطة بنقاط مسبقة، مع دول المنطقة خصوصًا بلدان الجوار الخليجي.

عباس موسوي، الناطق باسم الخارجية، وخلال مؤتمر صحفي بطهران، اليوم، اعتبر أن “جائحة فيروس كورونا المستجد أعادت ترتيب الأولويات وقاربت وجهات النظر والمواقف بين الدول المختلفة”.

وأضاف موسوي، خلال المؤتمر الذي عقد عبر الإنترنت، أن “إيران مستعدة دائما للتعاون والحوار مع دول منطقة الخليج”، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا).

ليؤكد الدبلوماسي الإيراني “عباس موسوي” أن بلاده قدمت خططًا مختلفة في صدد ما أسماه الحوار مع الجوار. وأعلنت طهران استعدادها للتفاوض دون شروط مسبقة، وفقًا له.

وحول الدوافع والمحفزات في الطرح الإيراني.. تابع الناطق الرسمي أن “الحالة الصحية العالمية لا تزال مجهولة غير أن التعاون يمثل أولوية بالنسبة لإيران، وإذا كان لدى دول الخليج، وبالأخص دولة أو اثنتن، سوء فهم فهي – يقصد إيران – مستعدة للتعامل والحوار معهم على أي مستوى وفي أي ظروف”.

واختتم موسوي تصريحاته، قائلا “نحن على استعداد للتحدث معهم بشكل جماعي أو فردي، وننتظر هذا الاستعداد من قبل الطرف الآخر”، وفق قوله.

جدير بالذكر أن الدعوة الإيرانية للتهدئة والحوار مع الجيران، ليست بجديدة على المراوغة الإيرانية التي يلجأ لها نظام الملالي كلما ضاقت بهم السبل في محاولة لتحويل الأنظار وكسب الوقت وتنفيس الضغط وتحقيق أي هامش من الانتصار.. وعلى مثل ذلك سبق وقدم وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف” على هامش زيارة له إلى العراق، في شهر مايو/ أيار 2019، مقترح لإبرام معاهدة عدم اعتداء بين طهران ودول الخليج العربي.. حيث اعتبر ظريف حينها أن المقترح المذكور لا يزال على الطاولة، على حد تعبيره.

ظريف، وخلال اجتماع حكومي بطهران، في الـ 31 يوليو/ تموز الماضي، قال إن “إيران مستعدة للجلوس إلى طاولة مفاوضات مع دول الجوار الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية”.

وتعني معاهدة “عدم الاعتداء”، ميثاق توقعه دولتان أو أكثر بحيث يضمن عدم الاعتداء المباشر في الحروب والنزاعات المسلحة بالنسبة للموقعين عليها، إضافة إلى تجنب الحرب بالوكالة.

أما إيران التي لديها تاريخ طويل من التدخلات التخريبية فضلا عن الإشراف عن هجمات إرهابية لاستهداف أمن دول الخليج العربي.. فتحاول التستر بمثل تلك الدعوات.

وتساءلت – حينها – إذاعة صوت أمريكا (الناطقة بالفارسية ومقرها الولايات المتحدة) عن أسباب دعوة طهران لإبرام معاهدة عدم اعتداء مع الخليج العربي في ظل أزماتها الداخلية المختلفة التي يتصدرها التدهور الاقتصادي.

حيث أشارت إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها يرون في وجود مليشيات مدعومة إيرانيا مثل الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق تهديدا لمصالحهم في المنطقة.

فقد مولت طهران مليشيات الحوثي بالسلاح والعتاد والتدريب في اليمن منذ سنوات كأداة لاستهداف المصالح السعودية بشكل مباشر.

كما تركز طهران جهودها على نشر أفكار هدامة داخل مجتمعات خليجية عبر مؤسسات وكيانات موازية، في حين توفر الملاذ الآمن داخل أراضيها لإرهابيين فارين من مملكة البحرين، ودولة الكويت على سبيل المثال.. فقد أحبطت كل من المنامة والكويت عدة هجمات إرهابية بدعم مباشر من طهران على مدار سنوات مضت، في حين فككتا العديد من التنظيمات المتطرفة التي سعت لزعزعة الأمن والاستقرار داخليًا.

وعليه يبدو جليًا أن ظروف إيران الراهنة تجبرها على إبداء مواقف تبدو تراجعًا إلى الوراء على مستوى سياستها الخارجية.. في محاولة لإلتقاط الأنفاس وكسب بعض الوقت.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©