طوابير الخبز مستمرة.. السودان يدخل عالم التحويلات البنكية العالمية

بعد أكثر من 24 عاما أعلن السفير السوداني في واشنطن “نور الدين ساتي”، أن بلاده نفذت أول عملية تحويل نقدي بين السودان والولايات المتحدة.

وقال “ساتي” في حديث لإذاعة “Voice of America” مساء أمس الأربعاء، بأنه تسلّم حوالة مالية من بنك قطر الوطني بالخرطوم إلى محل إقامته في “ويلز فارغو” بالولايات المتحدة، متوقعاً تنفيذ تحويلات أخرى خلال الفترة القريبة المقبلة.

السفير السوداني في الولايات المتحدة أضاف “سيتم إجراء حوالة أخرى هذا الأسبوع، لإرسال أموال من بنك أميركي إلى السودان. إذا نجحت التجربة، فسيكون السودانيون في الولايات المتحدة قادرين على إرسال التحويلات إلى بلدهم الأم”.

يشار إلى أنه وخلال الربع الأخير من 2020، أعلنت الولايات المتحدة رسميا رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والذي وضع السودان ضمنها في العام 1993، أتبعته عقوبات اقتصادية بدأت في 1997 واستمرت حتى 2017.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد حثت، قبل أسابيع، المصارف على إجراء معاملات مباشرة مع السودان.

انفراج على النقد الأجنبي..

السفير “ساتي” اعتبر الخطوة المصرفية بين البلدين، بابا أمام تنفيذ المعاملات المصرفية، “ليس فقط بين الجانبين، بل بين الخرطوم ودول العالم”.

ومنذ قرابة عقد، يعاني السودان من تراجع وفرة النقد الأجنبي داخل أسواقه، بسبب تراجع الصادرات واستحواذ جنوب السودان على ثلاثة أرباع آبار النفط، التي كانت تشكل مصدراً للنقد الأجنبي.

تلك التطورات سببت انهياراً حاداً بسعر الجنيه، ليبلغ 400 أمام الدولار في السوق السوداء، فيما أصدرت الحكومة الانتقالية السودانية، في 20 فبراير/ شباط الماضي، قرارا بتعويم الجنيه السوداني لسد الفجوة الهائلة بين سعر الصرف الرسمي البالغ 55 جنيها للدولار، وسعر الصرف في السوق السوداء الذي بلغ قرابة 400 جنيه للدولار.

إذ أضعف البنك المركزي سعر الصرف الرسمي إلى 375 جنيها سودانيا للدولار، مقتربا به من سعر السوق السوداء، في محاولة لتشجيع المواطنين على استخدام البنوك، وقطع طريق الدولار على السوق السوداء.

خفض الديون وتقويض السوق السوداء..

بعد نحو أسبوعين من تقليص السودان قيمة الجنيه ووضع نظام للتعويم، أخذت البنوك تضطلع تدريجا بمعاملات الصرف الأجنبي، مما سيفتح الباب وفق مسؤولين أمام إعفاء من ديون بمليارات الدولارات، بل والحصول على تمويل جديد.

خطوة خفض قيمة العملة السودانية الشهر الماضي، والتي طال انتظارها لمعالجة أزمة اقتصادية مزمنة، أثارت ارتباكا بادئ الأمر في أوساط البنوك والمتعاملين والعملاء.

وبدأت بالفعل الحكومة السودانية تحصل على بعض المساعدة من المانحين كانت محجوبة من قبل بسبب العقوبات وتأخر إصلاح سعر الصرف، وعقب عقب خطوة البنك المركزي، بدأ العملاء يعودون إلى مكاتب الصرافة والبنوك السودانية لشراء الجنيه، بعد سنوات من اللجوء إلى السوق السوداء.

ويحق للعملاء شراء العملة الصعبة لأغراض محددة قررها البنك المركزي مثل السفر والتعليم والعلاج واستيراد السلع، بشرط تقديم الوثائق التي تثبت ذلك.

خلال الأسبوع الأول بعد التعويم، اشترت البنوك 25.4 مليون دولار من النقد الأجنبي وباعت 20.4 مليون دولار، حسبما قاله محافظ البنك المركزي “محمد الفاتح زين العابدين” على التلفزيون الرسمي.

يحق للعملاء شراء العملة الصعبة لأغراض محددة قررها البنك المركزي مثل السفر والتعليم والعلاج واستيراد السلع، بشرط تقديم الوثائق التي تثبت ذلك.

مصادر خاصة أفادت مرصد مينا بأن السوق السوداء شهدت تراجع كبير في النشاط واستقرار قرب السعر الرسمي، وبيع الدولار بسعر 375 جنيها في السوق السوداء اول أمس الثلاثاء، بينما كان السعر الرسمي في ذلك اليوم 378.

المصادر قالت إن الحكومة وكبار المستوردين كانت اكثر من يلجأ إلى السوق السوداء لتدبير واردات السلع الاستراتيجية، متوقعة توقفهم عن ذلك بعد هذه الخطوة.

آثار إيجابية وإعفاءات..

“برايان شوكان”، السفير الاميركي القائم بالأعمال لدى السودان، قال في تصريحات لرويترز بعد محاولات الحكومة تحقيق استقرار سعر الصرف “هذا مفيد لأنها دولارات ستستخدم لشراء الجنيه السوداني، مما سيكون له أثر إيجابي”.

وتستضيف باريس مؤتمرا للمانحين والاستثمار في مايو/ أيار، ويتوقع الدبلوماسيون أن يعقبه اجتماع لنادي باريس ودائنين آخرين من أجل البدء في إسقاط 65 بالمئة من ديون السودان المقدرة بنحو 58 مليار دولار على مدى 3 سنوات، مشيرين إلى ان ذلك سيسمح للسودان بالاقتراض من أجل مشاريع أكبر مثل البنية التحتية.

وتعهدت الولايات المتحدة بقرض تجسيري لتسوية 1.055 مليار دولار متأخرات مستحقة للبنك الدولي وهو ما سيتيح، بحسب “شوكان”، تمويلا جديدا من البنك بما يصل إلى ملياري دولار على مدار عامين.

كذلك قال رئيس البنك الدولي “ديفيد مالباس”، إنه متفائل بأن تحقيق استقرار سعر الصرف والإصلاحات المتخذة في السودان سوف يفضيان إلى نمو واسع النطاق وتراجع الفقر.

وأضاف أنه يتوقع تسوية سريعة لمتأخرات البنك الدولي المستحقة على السودان، مبديا أمله في إحراز تقدم سريع صوب قرار بالإعفاء من الدين.

معاناة مستمرة على الأرض..

رفم قرار الحكومة الخاص بخفض قيمة الجنيه إلا انه لايزال الكثير من السودانيين يشتكون من ارتفاع الأسعار ونقص السيولة، بانتظار وعود الحكومة بإخراج السودان من أزمة اقتصادية مزمنة، فما تزال طوابير الخُبز الطويلة منتشرة في العاصمة السودانية منذ الإطاحة بالبشير، كما تشهد طوابير أخرى أمام البنوك لسحب مبالغ مالية من حساباتهم المصرفية، بينما تبرر البنوك ب”عدم توافر سيولة أو أخطاء في النظام”، وفق مواطنين.

وقال “عبد المنعم عثمان” مواطن سوداني لمرصد مينا ” بعض المخابز يتواجد لديها الطحين لكنها تفتقد الغاز لتشغيل المخبز، وأخرى بالعكس، ورغم هذا الناس لا يتركون دورهم ويبقون لساعات”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©